هناك فنون وثقافات أخري..الغرب المغرور



نشرت مجلة معرفة الفنون (conn aissance des arts) الفرنسية قبيل انتخابات الرئاسة الفرنسية عام 1981 لقاءات مع الأربعة الكبار الذين دارت بينهم المعركة الحامية.. انتهت التصفية إلي اثنين منهم، وانتهت تصفية التصفية إلي ميتران كما نعلم.. الأربعة الكبار هم: ديستان، وميتران، وشيراك، ومارشيه.. ونوع اللقاء كان لطرح آرائهم الفنية وكيفية تذوقهم لفنون الحضارات، والملاحظة الأولي حول هذه اللقاءات هي حديث رجل السياسة الفرنسي يمينيا كان أو يساريا عن الفن بتعمق واهتمام وجدية وفهم.. يدعو للإعجاب بقوم، والأسف علي حال آخرين.. والملاحظة الثانية هي إجماع الأربعة علي إدراك قيمة فنون الحضارات الأخري خارج النطاق الغربي أو النموذج الإغريقي. وإن لم يمنع ذلك بعض اللمحات التمييزية عند البعض.. قد ترتفع لتذكر بالريادة الفنية الفرنسية.. أو قد تهبط لتلمح بضعف قيمة بعض فنون الآخرين. في هذا المجال لا يمكن أن ننسي المفكر الفرنسي الذي قيل إنه نزل أيضًا معركة الانتخابات. لا يمكن أن ننسي «روجيه جارودي» وما طرحه حول فنون الآخرين في كتابه الشهير (من أجل حوار بين الحضارات) (pour un dialogue, des civilisations) تعرفت علي هذا المفكر الكبير عن قرب عند زيارته للكويت عام 1985. روح إنسانية بسيطة تألفك من أول جملة ترحيب تلقيها، وتألفها بعمق من أول رد يكشف جوانبها السمحة دون وجل أو تصور لحواجز. ولم يكن ذلك بغريب فجارودي هو المبادرة، المعروف بتأليف هذا الكتاب في سبعينيات القرن الماضي، وقبل اعتناقه الإسلام. كان يردد وعن يقين الدارس الفاحص المقارن.. «الغرب حدث». لم يكن يقصد في انفعال الغائية فكرية لحضارة الغرب، ولكن يقصد إثارة تساؤل مبطن بعيد الغور بالعمق الفلسفي، بعيد النظرة بالبعد التاريخي. ماذا سيبقي من الغرب؟ تعرفت أيضًا في هذه الفترة علي صديق المفكر جارودي المحامي الدكتور فرنسيس لامان Francis Lamand (كان آنذاك المستشار الثقافي للسفارة الفرنسية) وربطتني به علاقة صداقة وثيقة وأهداني كتابه الذي يعد أيضًا أول مبادرة لمعرفة الإسلام والمسلمين في فرنسا (الإسلام في فرنسا) (Lصislam en France) صدر عام 1986 بعقلية واعية موضوعية، وبعمق دارس جاد، وقلب محب. بعد عودته لفرنسا تولي الدفاع عن جارودي أمام القضاء بعد الحملة الصهيونية الشرسة لتشكيكه في المحرقة اليهودية. عقدة ماراثون تتتابع بل تتسارع الأحداث في لهاث كجزء من خلل المنظومة الغربية لتثبت بادئ ذي بدء وجهة نظر جارودي، وأن ما تبينه وقرره منذ أكثر من ثلاثة عقود يتطامن في جنون ككرة الثلج مخترقًا متغافلاً عن الخصوصية الدينية، أو القومية أو العرقية، أو الثقافية، وبغير بديل يطمئن ويجعلنا نقرر أن الغرب ليس بحدث. يري المؤلف حوار الحضارات بناء متكاملاً متداخلاً، ولا يراه حديثًا بين كتل منفصلة متجاذبة أو متنافرة. وأكتفي هنا بالحديث عن رافد من روافد الحضارة. أو نستمع إلي حوار الفنون من بين أحاديث الحضارات كما قدمه جارودي. يعرف هذا الرافد عند أهل التخصص بالتفسير الجمالي للتاريخ. اعتمد في بدء ظهوره علي تمييز كل ما هو إغريقي أو روماني، وانتهي في قمته إلي تتويج كل ما هو أوروبي أو غربي. يقول «هيجل» إن تطور الفن هو حركة تحقيق الذات في سير التاريخ أو محاولة لتبين الفكر أو العقل. بدأت في الفنون القديمة أي فنون الشرق القديم بالمرحلة الرمزية، مرحلة تتغلب فيها المادة علي الفكر وبالتالي يقتصر الإبداع علي فنون العمارة. وفي مرحلة الوسط أي مرحلة الفن الكلاسيكي. تتعادل المادة مع الفكر يتم بينهما امتزاج وتواؤم. هذه المرحلة تمثلها الفنون النحتية اليونانية والرومانية. وتأتي المرحلة الثالثة الرومانتيكية. يعود فيها الإخلال بالتوازن بين المادة والفكر، ولكن هذه المرة لصالح الفكر. الفكر يعلو شأنًا علي المادة، وتصبح المادة عديمة القيمة إلي جوار ما يقدمه الفكر.. مرحلة الارتقاء العظمي. مرحلة الذروة، ولا يمثلها في رأيه سوي الإبداع الأوروبي. وأفضل ما أبدعه فيها كان فن التصوير. خرجت من نظرية هيجل عدة أفرع فكرية. كانت جميعها تعتز وتميز كل ما هو أوروبي، وتركز علي كل ما هو إغريقي. يعود الفضل في اكتشاف أبعاده لعصر النهضة الأوروبية. أي القرن الخامس عشر. لم يأخذ الإنصاف درجة جعل الحضارة الغربية مركز الدائرة أو منطقة الجذب، تجمع ميزات الحضارات الأخري، لم يأخذ الإنصاف درجة جعل الحضارات الأخري درجات في سلم التدرج تقيم بجهدها لبناته لتصل إلي قمة الحضارة الغربية، لم يأخذ الإنصاف درجة جعل حضارة الغرب منسوجة بخيوط ولو خفية من صنع الحضارات الأخري. الحضارة الغربية في رأي هذه الجماعة الشديدة العنصرية متميزة، منفردة بذاتها ولذاتها. لم تأخذ لتكاملها وكمالها من أحد ولا تعطي لقصور الآخرين عن إدراكها لأحد. وحينما بدأ الغرب ينظم عقده الاقتصادي من ثروات العالم تأكد له الخبل بذاته، ولكن كانت ذروة العظمة التي وصل إليها في تصوره، هي أيضًا مصدر كشف البلاء الذي أصيب به. تبين من أعلي أن السفح مليء بثروات، إنها ليست مجرد ثروات، إنها تراث يعود لأبعد وأبعد من ذاته المتعجرفة، تراث يعيش في السفح في تواضع، تراث لا يعرف قيمة نفسه لأنه ببساطة لا يجعلها بطريقة الأوروبي مصدره الأول والأخير في المعرفة والقياس. بدأ الغرب يعيش مأساة الدكتور (فاوست)، العالم الذي نقب في العلوم والفنون، الذي شرق وغرب في المراجع بحثًا عن الحقيقة.. ولكن دون نتيجة. عقد صفقة مع الشيطان وخسر الرهان وخسر نفسه. عقدة (فاوست) في كتاب «روجيه جارودي» هي العمود الفقري الذي اكتسي بالمأساة. عقدة الإنسان المتفرد المعتز بهذه الفردية، بدأت بمقولة (بروتا غوراس).. إن الإنسان مقياس الأشياء كلها. وانتهت إلي مقولة (ديكارت).. أنا أفكر إذن أنا موجود. يقول جارودي في كتابه (إن فاوست هو الرمز المأساوي لثقافتنا، ومنذ أواخر القرن ال 16 حدد كروستوفر مارلو في التاريخ المفجع للدكتور فاوست شعار الحضارة الجديدة.. برأسك القوي يا «فاوست» كن إلهًا. سيد العناصر كافة وربها. هذا الشاعر سبق بنصف قرن وعد ديكارت بعلم يجعلنا سادة الطبيعة ومالكيها). فاوست أو الغرب حينما نظر إلي الجيران تعامل معهم بعقدة «ماراثون» وعقدة (بواتييه). ماراثون هي المعركة التي دارت بين الفرس واليونان. تحدث عنها هيرودوت كبطولة يونانية استطاعت أن تصد هجمة البرابرة. تلقن لأطفال أوروبا، في مدارسهم عن أنها أول صدام بين الشرق والغرب. استطاع فيها الغرب إنقاذ نفسه من عدوي الاستبداد أو النموذج الشرقي.. والقصة تقول إن «هيبياس» ابن طاغية أثينا لجأ إلي فارس، وحرض ملكها علي غزو بلاده لإرجاع نفوذ الأرستقراطية اليونانية إلي الحكم. يشارك «هيبياس» في قيادة جموع الفرس البرابرة ولكنه يعجز عن تعبئة شعب أثينا إلي جواره، فيضطر الفرس إلي التراجع، وينتهز أهل أثينا الفرصة ويهجمون. هؤلاء الفرس البرابرة ممثلو الشرق (المتخلف) هم الذين فرضوا السلم بعد هذه الموقعة بمائة عام (386ق.م) علي كل مدن اسبرطة وأثينا وطيبة. وهؤلاء الاثينيون ممثلو العالم (المتحضر) أو النموذج الديمقراطي الغربي، كانت مدينتهم تتكون من أربعين ألف مواطن أثيني حر. ومائة وعشرة آلاف من العبيد، وأربعين ألف أسرة من الأغراب. يسميها جارودي (أوليجاركية استبدادية). قبلت استرقاق غيرها من الشعوب بضمير هادئ. أورثت الغربي حق إصدار حقوق الإنسان في الثورة الفرنسية مع قبول طبقية ظالمة في تركيبته الداخلية، أو استغلال وسرقة أراضي الشرق باسم الاستعمار في تركيبته الخارجية. أو أورثت إلغاء الرق في الدستور الأمريكي عام 1776، مع قبول طبقية ظالمة وتفرقة في تركيبته الداخلية، أو استغلال وسرقة شعوب الأرض باسم الرأسمالية والشركات الاحتكارية في تركيبته الخارجية. عقدة (بواتييه) أكدت عقدة «ماراثون». تجاهل جديد لحقائق التاريخ في سبيل تجسيم مثالية غربية غير موجودة. معركة بواتييه كانت عام 732م دارت بين عبدالرحمن الغافقي وشارل مارتل ملك الفرنجة. وفي عام 1945 كان جارودي يحاضر في تونس وحدث المستمعين عن عبارة أناتول فرانس التي تقول إن أسوأ يوم في تاريخ فرنسا هو يوم معركة بواتييه. عندما تراجع العلم العربي، والفن العربي والحضارة العربية أمام همجية الفرنجة. وطرد جارودي من تونس علي يد السلطات الفرنسية المحتلة. الغرب صور (بواتييه) علي أنها مواجهة جديدة بين الشرق والغرب. بين أوروبا من ناحية وآسيا وأفريقيا من ناحية أخري. فلو أن العرب انتصروا في هذه الموقعة لدخلت جموعهم فرنسا وتحولت في نظرهم إلي مستعمرة إسبانية جديدة. يصحح جارودي هذه المقولة التي يرددها التعليم الغربي في ذهن أطفاله. تراجع العرب في بواتييه في نظره فوت علي فرنسا فرصة التخلص مبكرًا من نظام الرق واستبداد الكنيسة. فوت عليها تلقي علوم العرب في مجالات عديدة في وقت مبكر.. كان لأحد خلفاء الأمويين في قرطبة مكتبة تضم مائة ألف مجلد. بينما كانت مكتبة شارل الخامس (الملقب بالحكيم أي العالم) بعد ذلك بأربعة قرون تتكون فقط من ألف كتاب. فاوست المعتدي زرعوا في الغرب عقدة فاوست. عقدة العظمة، والتعالي، وقدرة خلق كل شيء. وساعدت مسيرة الفكر الغربي علي تأكيد ذلك. قامت حضارة الغرب علي إحالات ثلاث. إحالة الإنسان إلي العمل والاستهلاك. وإحالة الفكر إلي الذكاء والسوبر مان. وإحالة اللانهائي إلي الحكم. يقول فاوست (جوته) عن العمل «إنما يبدي الإنسان عظمته كلها، حين يعمل عملاً دائبًا موصولاً». عبادة العمل لمجرد العمل تولد ذكاء الاختراع. والاختراع يدفع إلي الامتلاك بحساب الكم دون حساب الوسيلة. لقد قالها من قبل (ميكيافيللي) وصارت دستورًا سياسيا إلي الآن.. الغاية تبرر الوسيلة. من هنا كان سعي أوروبا لامتلاك شعوب آسيا وأفريقيا. بنفس راضية وعقل متزن. من الرق إلي بنك بركليس، إلي شركة لويدز، إلي نظرية مالتوس، إلي الأمراض والمجاعات والمذابح، إلي البنك الدولي، إلي قول الأمريكي هرمان بكل هدوء (إن المعونة المقدمة إلي البلدان المتخلفة وسيلة ممتازة تتيح للبلدان الفقيرة أن تساعد البلدان الغنية)! عقدة فاوست اعتدت علي الشرق بقدر الاقتراب أو الابتعاد عنه جغرافيا أو زمنيا. اعتدت زمنيا علي الشرق من خلال عقدة ماراثون. وأمعنت في اعتدائها علي العرب بحكم الاقتراب الجغرافي والزماني من خلال عقدة بواتييه. وحينما امتدت يد الاستعمار اعتدت علي بقية الشرق البعيد. اعتدت علي الهند وشوهت ما أبدعه أهلها من خيال وطاقة تفوق طاقة العقل والذكاء والفرد. اعتدت علي الغرب البعيد، بالمفهوم الجغرافي. علي معالم حضارتي الازتك والمايا في أمريكا اللاتينية بحجة نشر المسيحية ومحاربة الوثنية. يعتمد (فاوست) وهذا هو الأهم علي الجوانب الخلاقة لهذه الحضارات وأن أنكر ذلك. اعتدي علي الإبداع في مجال الفنون. قطع علي الشعوب حوار الفن من بين أحاديث وهمسات ولمسات الحضارات. حديث (جارودي) عن الفن يستحق التوقف. ربما بحكم دور الفنون الرائد في حوار الحضارات. وربما بحكم براعة جارودي نفسه كأستاذ لعلم الجمال، وحكمته في عرض تأملاته وأحكامه الفنية. وربما بحكم الأمرين معًا. وربما بحكم ألفة موضوع الكتاب نفسه واحتضانه الحميم لكل البشر. لقد تجول (جارودي) في أنحاء الكرة الصغيرة. تأمل الفنان الصيني والياباني في لحظة الإبداع. تأمل أهل جنوب شرق آسيا حينما يرقصون علي طبول الحب دون تكلف أو تفلسف. تأمل تبتل الهندي، وعشق صمت غاندي وطاقاته اللامحدودة التي نزعت الحاجز المصطنع بين الغاية والوسيلة. طاف بمساجد المسلمين من حدود الصين إلي قلب الأندلس، واجتهد في فهم التجريد الهندسي والفكري والعقائدي. عايش قبائل أفريقيا وتحاور مع الأقنعة والنحت الذي يجسم الوهم، ينزل بقدراته الحلم إلي عين المشاهد ويد اللامس. وتعرض (فاوست) لإحباطات جعلته أو دفعته إلي تأمل أحوال الغير. وأقرب (الغير) إليه كان الشرق العربي. زاره الكثير من الأدباء والفنانين منذ عدة قرون. وارتفع الحماس لنقاء الشرق. في القرن الثامن عشر، تحدث عنه بطرق غير مباشرة كل من (روسو) و(منتسكيو) و(ديدرو)، وتحدث عنه بشكل صريح (جوته) في ديوانه الشرقي. اقترب من مفهوم حوار الحضارات حينما قال (توحيد الشرق والغرب وجعل الأخلاق وطراز الفكر في المنطقتين يفيض بعضها علي بعض).. تأمل الشرق بروح أديب جيراردي نرفال. وتأمله بروح عالم إدوارد وليم لين. وتأمله بروح عاشق بريس دافين. وتأمله بروح مصور ديلاكروا. وتأمله بروح فنان تيوفيل جوتييه.. وغيرهم كثيرون وكثيرون. ريادة الفنون بعد أن تحطمت أساطير إقليدس، وديكارت، وأرسطو اكتشف الغرب لا نهايات ثلاث. لا نهاية الصغر التي اكتشفتها الفيزياء النووية. ولا نهاية الكبر التي ارتادها رجال الفضاء. ولا نهاية التعقيد التي خاضها السبرنتيك (تصحيح العقول الإلكترونية لأخطائها بنفسها، بما يشبه الجهاز العصبي لدي الإنسان). لا نهايات تقتضي بدء حوار ا لحضارات علي صورة صريحة لتخرج الغربي من أنانيته وعزلته. الريادة كانت للفنون التشكيلية في بدء تلمس موضوع الهمس ثم الحوار. أو الانتقال من ألحان متفرقة إلي منظومة هارمونية غيرمصطنعة. ويقول جارودي.. (علي الغربي أن يعي معني عروق التنين في التشكيل الصيني، والياباني. يقول رسام من عصر (سونج) القرن الحادي عشر، إن مجاري المياه هي عروق الجبل. وإن الأعشاب والأشجار جدائله. والضباب والغيوم لونه). اللوحة في التشكيل بهذا المنطلق تعني تنغيمًا منتظمًا بين أدوات الطبيعة. الإنسان فيها شبح ضئيل. ليس هناك ما يدعو لتضخيم حجمه ودوره في كون لا محدود في زمانه ومكانه. الإنسان المرتفع عن المادة يعرف كيف يسيطر عليها. ورسم الصيني بالحبر، أو تسطيحه للمرسوم محاولة لخلق عالم خاص غير عالم الملموس. ومحاولة الفنان الصيني أن يتحرك بكل ذراعه وكتفه دون تحريك معصمه وأصابعه وهو راكع ليرسم، ليس إلا معايشة للحظة إبداع. لحظة إبداع لا يراها إبداعًا، ولكن نوعًا من التعبد. إنه عالم مختلف عن عالم الغربي. منطق مختلف، تأثر ببعض رذاذه «فان جوخ» و«جوجان» وغيرهما.. محاولة للحوار. علي الغربي أن يعي أن فنون أفريقيا ليس مكانها المتحف، إنها فنون معايشة. يقول مالرو «إن المتحف هو الذي يرغم الصليب علي أن يغدو نحتًا» ويقول الشاعر ايميه سيزار: «هناك يمكن الإمساك بالحياة وإعادة توزيعها بحسب قاعدة الغناء وعدالة الرقص». فنون أفريقيا تختلط فيها الأقنعة الخشبية بقصص الجدود، بالموسيقي والرقص بطاقة الإيمان الصادق. يقول جارودي: «لقد رأيت رجلاً يموت وهو يلبس قناع قبيلة أخري غير قبيلته، هذا ما يفعله الإيمان ومن له من أهل الغرب قوة هذا الإيمان؟ علي الغربي أن يعي في الفن الإسلامي أن المسجد بلا ريب هو المثل الرمزي الأعظم. هو نوع من صلاة الحجارة، وملتقي جميع فنون الإسلام. وقد أصاب القائلون إن جميع الفنون تقود في الإسلام إلي المسجد، والمسجد إلي الصلاة، لكن جارودي رغم إدراكه أن الفن الإسلامي فن معاش وأبدع في الحديث عن ذلك، إلا أنه لم يستكمل أن الحياة بهذا المفهوم تقود إلي الفن، والفن إلي التجريد، والتجريد إلي الصلاة. المسجد له سمة وظيفية، له دور ديني ودنيوي، في عمارته وهندسته يلخص حكمة الكون في قوانين رياضية وموسيقية. لقد أدرك (ماتيس) و(بول كلي) قيم التجريد الإسلامي وتعمق جارودي دور التصوف في صياغة فن التبتل، إنه أيضًا فن اللافن لأنه فن اندماج الكل في واحد، أو الواحد في الكل. وقد لخص توفيق الحكيم الفارق بين هذا اللون من التشكيل وبين التشكيل علي مزاج غربي حينما قال ما معناه.. إن الفنان اليوناني يقلد الطبيعة إلي حد المثالية أو التحدي.. بينما الفنان المصري القديم يخلق لنفسه عالمًا خاصًا وإبداعًا بمقاييس خاصة. خلق عالم خاص.. من هنا كانت بداية ثورة التشكيل الأوروبي الحديث، من ثورة سيزان علي الأبعاد الثلاثة إلي البوب آرت، والأوبتكل آرت، إلي جنون فاوست ومحاولاته الهلوسة أو الانتحار عندما يعجز عن الإدراك. هذا هو «جارودي» الفنان حاولت تقديمه بصياغة خاصة أو عنيت بتقديم رؤيته الجمالية من مسبحته الحضارية. يحاول إيقاظ الغربي.. معجزة اليونان ليست معجزة. لقد أقامت جذورها منابع شرقية. وهو أمر لا يعلي، ولا يقلل من قدر أحد. حضارة الغرب ليست متفردة. مقاييسها مادية صرفة، ولذلك تصورت نفسها أعظم الحضارات، ولو قيست بمقاييس إنسانية لانحط قدرها عن كثير من الحضارات الأخري، حضارة الغرب شيء عارض، بل أخطر عارض تعرضت له البشرية منذ القرن الخامس عشر الميلادي. خطر قد يقود إلي فناء البشرية، علي الغربي أن يحاول القضاء علي الروح التسلطية في ثقافته ويستعيض عنها بتصور سيمفوني هارموني.. اكتشاف للآخرين، تمثل لأبعادهم. معايشة لجذورهم.. حوار مع بنيتهم. علي الأقل حوار مع فنونهم. الصور: 1 - المفكر روجيه جارودي 2 - غلاف كتاب (من أجل حوار بين الحضارات) 3 - الدكتور فرنسيس لامان 4 - غلاف كتاب (الإسلام في فرنسا) 5 - شيراك ورأيه في الفن عام 1981. فرنسا تظل أرض الفنون. 6 - جورج مارشيه ورأيه في الفن عام 1981.. الإبداع هو النضال. 7 - ميتران ورأيه في الفن عام 1981.. دور السياسة في الفن ليس إعطاؤه استعراضًا. 8 - ديستان ورأيه في الفن عام 1981. الفن ضرورة من ضرورات الحرية.
هذا المحتوى مطبوع من موقع وجهات نظر
وجهات نظر © 2009 - جميع الحقوق محفوظة