«جيش المؤمنين» يسيطر على السياسة الأمريكية



من ريجان وجنجريتش إلى بوش الابن
«جيش المؤمنين» يسيطر على السياسة الأمريكية
ظهر فى سبعينيات القرن العشرين فى الولايات المتحدة تحالف أصولى من البروتستانت تحت اسم «اليمين الدينى الجديد»، وهو تحالف واسع استطاع أن يقبض على زمام قوة سياسية مثيرة لدهشة الناظر إليها من الخارج، أما الباحثون وراء الظواهر فيعرفون أنها لم تهبط عليهم من فراغ. فقد لفتت هذه الظاهرة الجديدة نظر عدد من علماء النفس الاجتماعى والسياسى فانكبّوا عليها بالدراسة والبحث ونشروا دراساتهم فى العديد من المجلات العلمية المتخصصة وفى كثير من الكتب لعل من أبرزها كتابًا بعنوان «سياسة الإنكار» (The Politics of Denial) لأستاذين من جامعة ماسا شوسيتس ببوسطون هما «مايكل ملبورن» و«شيرى كونراد» نشر سنة 1996م. وترجع أهمية هذا الكتاب إلى أن الباحثين ـ وهما حجة فى هذا المجال العلمى ـ حشدا فيه نتائج دراسات وأبحاث أخرى تدعم وجهة نظرهما، منشورة فى خمسمائة وعشرين كتابًا ومجلة علمية متخصصة. أحد هؤلاء الباحثين هو «روبرت سوليفان» الذى نشرت له مجلة نيوزويك تايمز فى 25 أبريل 1993 مقالاً بعنوان «جيش من المؤمنين» ضمّنه وثيقة بالغة الأهمية هى عبارة عن خطاب موجه من «بات روبرتسون» مؤسس هذا التحالف الأصولى الذى أشرنا إليه، إلى الجمهور الأمريكى يحثه على التبرع بسخاء لنشاط هذا التحالف، ملخصًا فيه أهداف المنظمة وطموحاتها.. يقول: «إننا نقوم بتدريب عدد من الناس من ذوى الاستعداد المناسب، لصقل مواهبهم وتأكيد فاعليتهم فى المجتمع لكى نغزو بهم مجالس الآباء فى المدارس ومجالس المدن والمحليات والمجالس التشريعية فى الولايات، ونؤهلهم للفوز بالمراكز المهمة المؤثرة فى الأحزاب السياسية.. فإذا نجحنا فى مهمتنا من العمل والتنظيم والتدريب فإن تحالفنا المسيحى هذا سيصبح أقوى المنظمات السياسية فى أمريكا». وقد لاحظ المتتبعون لنمو هذه المنظمة الأصولية قدرتها على التغلغل والاختراق فى السياسة الأمريكية بطريقة غير عادية حتى أصبح عدد أتباعها الناشطين ما يقرب من مليون ونصف مليون ناشط بحلول عام 1994، وبلغ عدد الأشخاص المقيدين على قوائم مراسلاتها ثلاثين مليون شخص. تحرص هذه المنظمة ألا تبدى فى الأوساط السياسية حقيقة انتمائها العقدى أو الدينى، وإنما تؤكد على القضايا العلمانية المحافظة مثل العودة إلى تقاليد الأسرة الأمريكية العريقة ومعارضة تقنين حق الإجهاض للنساء أو الحقوق المزعومة للشواذ جنسيا من اللواطيين والسحاقيات، ومحاربة الجريمة والإدمان. ومن تكتيكاتها السياسية الصارمة ألا يبوح مرشحوها السياسيون بانتماءاتهم الدينية الأصولية، فهى تريد مرشحين «متسللين أو مخترقين»، ومن ثم كانت نتيجة هذا الاختراق أن أصبح أعضاء المنظمة يهيمنون على الحزب الجمهورى فى أكثر من اثنتى عشرة ولاية من أهم الولايات الأمريكية من بينها ولاية تكساس مسقط رأس أسرة بوش، وفلوريدا ومينسوتا وكارولينا الجنوبية. ونتيجة لذلك ظهر للمراقبين سنة 1996 أنه قد أصبح من العسير على أى مرشح جمهورى أن ينجح فى الانتخابات بدون مساندة هذه المنظمة الأصولية، وهى نقطة أشار إليها سناتور «بوب دول» زعيم الكونجرس الجمهورى عندما تحول إلى جانب اليمين فى القضايا الاجتماعية. فما هى العقيدة الدينية التى قامت عليها هذه المنظمة؟ فى دراسة قام بها «كريستوفر إليسون» ومارك ميوزيك (من علماء الاجتماع) نشرت سنة 1993، يلخصان المبادئ الأساسية لهذه العقيدة فى أربعة مبادئ: 1ـ الكتاب المقدس وحده هادٍ ومرشد كاف وبه حلول لجميع مشكلات الحياة، ويجب أن يؤخذ بحرفيته لا بتأويلاته. 2ـ إله شخّص هرمى التنزُّل.. فعال فى حياة الناس.. إليه المآب وهو القاضى يوم الحساب. 3ـ الخطيئة البشرية كلية الوجود. 4ـ الخلاص الشخصى هو المخرج الوحيد من اللعنة الأبدية، على يدى الرب العادل المنتقم. يلفّ هذه المبادئ اعتقاد جازم بأن نهاية الكون قد أزفت، وأن هذه النهاية سيسبقها تجمّع اليهود فى الأرض المقدسة، وأن معركة كبرى ستقع فى موضع بهذه الأرض يسمى «أرمجدون» بين قوى الخير وقوى الشر سينتصر فيها المسيحيون الأتقياء وتتم إبادة الكفار الأشرار، ثم ينزل المسيح ليحكم العالم من القدس عصرًا ذهبيا قوامه العدل والسلام يستمر ألف سنة. من نافلة القول أن نذكر هنا أن هذا النوع من التفكير الدينى واختراقه المجال السياسى من أعظم إنجازات الصهيونية فى المجتمع الأمريكى وفى السياسة الأمريكية، علمًا بأن عقيدة الألفية السعيدة لحكم المسيح وعودة اليهود إلى الأرض المقدسة ومعركة أرمجدون أسبق فى الفكر المسيحى البروتستانتى على الحركة الصهيونية العالمية، وهذه قضية لا مجال لبحثها فى هذه المقالة. ويكفى هنا أن نشير إلى أن نتائج بعض الدراسات الحديثة على المجتمع الأمريكى قد أثبتت الحقائق التالية: أولاً: أن 9% من الأمريكيين يعتبرون أنفسهم أصوليين ويفخرون بذلك، بينما تشارك نسبة أخرى أكبر فى بعض العقائد الأساسية للأصوليين. ثانيا: أن 44% من الأمريكيين يعتقدون أن الخلاص على يد المسيح هو الطريق الوحيد للحياة الخالدة. ثالثًا: أن 30% يزعمون أنهم عادوا إلى المسيحية (Born Again Christians) ويعتبر جورج بوش الابن واحدًا منهم.. ساعده بعض الناشطين البروتستانت للتخلص من مشكلة الإدمان فى مرحلة من مراحل شبابه وقد أوشكت لحدّتها أن تقضى على مستقبله. رابعًا: أن 44% من الأمريكيين يؤمنون أن معركة أرمجدون آتية لا ريب فيها. هنا يتساءل الباحث هل مجرد قيام منظمة أصولية لها هذه العقيدة ولها هذا التكتيك فى العمل السياسى كافٍ وحده لنجاحها إلى هذا الحد، الذى أصبحت تسيطر فيه على الحزب الجمهورى وأصبح له ركائز خطيرة فى الإدارة الأمريكية ابتداء من الرئيس ومرورًا بنائبه «ديك تشينى»، ووزير الدفاع «دونالد رامسفيلد»، و«جورج أشكروفت» وزير العدل، و«كوندو ليزا رايس» مستشارة الأمن القومى؟، أم أن هذا الوضع الذى فوجئ به العالم له جذور أعمق فى الحياة الأمريكية وبالذات فى الشخصية الأمريكية وأساليب التنشئة ومشكلاتها التى تترسب فى هذه الشخصية منذ الطفولة؟ جذور الأصولية: هناك ما يشبه الإجماع بين كثرة من علماء النفس الاجتماعى والسياسى أن الأصولية الدينية وامتداداتها فى السياسة الأمريكية متمثلة فى اليمين المتطرف ترجع فى جذورها العميقة إلى أسلوب التنشئة القائم على العقوبات البدنية القاسية وإلى العنف وسوء المعاملة التى يتلقاها الأطفال فى سنوات العمر الأولى من حياتهم. فى هذا المجال يلعب الآباء غير الأسوياء أخطر دور فى تشكيل شخصية هؤلاء الأطفال، ولكن التوجيه الدينى الأصولى يوفر خلفية ثقافية تستند إليها قيم التنشئة ونماذج السلوك السائد فى تنشئة الأطفال. وفيما يلى نورد بعض النماذج ذات الدلالة: «بيفرلى لاهاى» زوجة القسيس «تيموثى لاهاى» وهو أحد قادة حركة الـ «مورال ماجورتى» الأصولية، ألفت كتابًا سنة 1977 بعنوان «كيف تهذب طفلك» تحث فيه الأبوين عند معاقبة أطفالهم على العصيان أن يكون العقاب ضربًا لا رحمة فيه ولا تردد، وأن يتكرر الضرب كلما دعت الحاجة إلى عقوبة، وتنصح ألا يكفّ الأبوان عن الضرب إذا بكى الطفل غضبًا أو غيظًا بل ينبغى الاستمرار فى الضرب الموجع حتى يكف الطفل عن البكاء، فالعقوبة البدنية العنيفة وسيلة ليست مقصودة فقط لفرض الطاعة وإنما لإجبار الطفل أيضًا على إنكار ردود فعله التلقائية لهذه المعاملة اللا إنسانية. ويوضح هذه النقطة القس «جاك هايز» حيث يقول: «المقصود بالعقوبة البدنية هو كسر إرادة الطفل، ومن ثم لا بد من إيقاع الضربات بشدة وإيلام.. ويجب أن يستمر الضرب حتى تنكسر إرادة الطفل فيبكى.. ولكن ليس بدموع الغضب والثورة ولكن بدموع الاستسلام والإرادة المنسحقة.. فطالما ظل الطفل متصلبًا يضرس على أنيابه من الغيظ متمسكًا بإرادته فلا بد أن يستمر الضرب». ويعتقد البروتستانت الأصوليون عمومًا أن ضرب الأطفال ضرورة لازمة لإنقاذ أرواحهم من عذاب جهنم. وفى كلام قادتهم تأكيد على جانب آخر من جوانب العقوبات البدنية لا يتوقف عند كسر الإرادة والاستسلام فقط، وإنما لا بد أن يصحب ذلك ويتبعه الإذلال والمهانة. وفى هذا المجال تذكر «روث ويلكرسون هاريس» أخت القس «ديفيد ويلكرسون» أن أباهما كان يستخدم الصلاة بعد الضرب المبرح وسيلة لتحقيق هذا الهدف.. تقول: «لم يكن أبى يسمح لنا بالبكاء، بل يمعن فى إذلالنا بأن يطلب منا أن نطوق عنقه وبأمرنا أن نقول (أنا أحبك يا أبى.. اغفر لى يا أبى لعصيان أوامرك).. وهنا يقول لنا (أنا أحبكما أيضًا.. ولكن علينا الآن أن نطلب من الرب أن يساعدكما للتغلب على عنادكما)». وهكذا يتحول الطفل المعاقب إلى رهينة مهددة بمزيد من الضرب دائمًا.. وليس للطفل اختيار آخر للخروج من هذه الحالة التعيسة إلا بإنكار حقيقة ما حدث له من عنف وإرهاب على يد والديه، وأن يقبل بحقيقة أخرى مختلفة وزائفة يصنعها له الأبوان، مؤداها أن الأبوين ليسا غولين مفترسين وإنما حبيبان رحيمان وأنهما طبيعيان سويان، وأن الطفل هو الشخص السيئ الشرير ومن ثم على الأبوين واجب حمايته من غضب الأب السماوى». هذا السيناريو المتكرر فى حياة الأطفال: الضرب الموجع والإذلال وكسر الإرادة وتدمير الذات يثبّت فى وجدان الطفل وعقله الباطن تشوشًا مزمنًا فى قدراته الإدراكية للحقيقة.. فقد وجد الباحثون من علماء النفس الاجتماعى أن الإنكار الذى هو إحدى نتائج عقوبات التنشئة يؤثر فى قدرة الشخص البالغ على التفكير الواضح السليم فى الأحداث المحيطة به. أخطر من ذلك أن هؤلاء الباحثين اكتشفوا أن الأطفال الذين تمت تنشئتهم بأسلوب العقوبات البدنية القاسية لا تتاح لهم الفرصة لتنمية قدرتهم على استبطان المعايير الأخلاقية، بمعنى أن تصبح جزءًا من الضمير الشخصى، بحيث يستطيع الإنسان أن يحاسب نفسه بنفسه، دون حاجة إلى سلطة خارجية رادعة تفرض عليه دائمًا السلوك السوى والتفكير الصحيح، فإذا غابت هذه السلطة أو تراخت لا يشعر الإنسان بأى التزام أخلاقى فى سلوكه. وأثبتت دراسات أخرى قام بها «تى. دبليو. أدورنو» وفريقه من علماء النفس الاجتماعى أن الأشخاص الذين نشأوا فى كنف أبوين متسلطين عقابيين يكتسبون شخصية مستبدة تجاه الآخرين وهذه السمة من أبرز سمات الأصوليين، كما أثبتت هذه الدراسات أن الغضب الذى يتولد من عقوبات الطفولة لا يتلاشى بل يستقر ويتراكم فى العقل الباطن، فإذا اشتغل هؤلاء الأشخاص بعد البلوغ بالعمل السياسى سيبحثون عن مجموعة خارجية تكون مقطوعة الصلة بالتيار العام للمجتمع، يحددونها ليصبوا عليها جام غضبهم المكبوت، ويختصونها بالاضطهاد والإقصاء والإبادة كما حدث فى الماضى للسود واليهود ويحدث للمسلمين فى الوقت الراهن. تأثير اليمين الدينى الجديد: ? يلخص «جى. كوفمان» التأثير المتنامى فى المظاهر السياسية التالية: أولاً: كان التحالف المسيحى اليمينى هو الكتلة الانتخابية الوحيدة المتماسكة التى ساعدت جورج بوش (الأب) سنة 1992 فى انتخابات الرئاسة، كما كانت المؤثر الرئيسى الذى جلب إلى الكونجرس الأغلبية الجمهورية سنة 1994. ثانيا: دفع التيار العام فى الحزب الجمهورى إلى اليمين المتطرف، فكلما قويت حركة الأصوليين المسيحيين وزاد اختراقها للحزب على المستويين المحلى والولاياتى كلما ضعف التيار المعتدل فى الحزب، وكلما تصاعدت حاجة الساسة إلى أصوات الناخبين الأصوليين كلما كان استعدادهم أكثر للتنازلات بالنسبة لفصل الكنيسة عن الدولة وبالنسبة للحماية القانونية المتساوية لجميع الفئات والأفراد.. وبذلك يدفعون بالبلاد قسرًا فى طريق الاستبداد والفاشية ويضحون بالقيم العريقة للديمقراطية. * لعل هذا يفسر لنا التجاوزات غير القانونية بل اللا إنسانية التى يعامل بها الأمريكيون المسلمين المحتجزين فى قاعدة جوانتانامو، وما حدث بعد صدور قانون الطوارئ من تطبيقات تعسفية على المدنيين المسلمين فى الولايات المتحدة. ثالثًا: اختيار مصطلحات معينة وشعارات مشبعة بالعواطف لخوض الحملات الانتخابية، فقد اختار الحزب الجمهورى شعار «قيم الأسرة» شعارًا له فى الانتخابات الرئاسية 1992، وهو شعار يعبر عن حق أريد به باطل، حيث استخدم هذا الشعار وسيلة غير أخلاقية للتشنيع بالخصوم، فنسبوا إلى أحدهم أن له ابنًا من سفاح (خارج العلاقة الزوجية الشرعية). رابعًا: إشاعة مزيد من التعصب وعدم التسامح فى المجتمع. خامسًا: تقوية الاتجاهات المتطرفة فى المجتمع بأسره. ويتناول مؤلفا كتاب «سياسة الإنكار» سيرة حياة عدد من كبار الشخصيات السياسية الأمريكية منذ الطفولة المبكرة كنماذج لعرض فكرته عن تأثير التنشئة القمعية للأطفال فى مواقفهم السياسية عندما يصبحون كبارًا، ويكشف لنا عن ميولهم الاستبدادية التى تتسم بالغضب والعناد والإنكار. ومن أمثلة النماذج التى ساقها: الرئيس الأسبق «رونالد ريجان»، و«جون سيلبر»، وباتريك بوتشانان»، و«بوب دوران»، و«جنجريتش»، وهؤلاء يمثلون عينات من أعضاء البرلمان ومرشحين للرئاسة الأمريكية أو لحكومات الولايات.. والعامل المشترك فيما بينهم جميعًا أنهم نشأوا فى أسر مضطربة قمعية النزعة، تمكنت من الأبوين ـ أحدهما أو كلاهما ـ آفة الإدمان على الخمر. فمثلاً: كان «باتريك بوتشانان» مرشحًا للرياسة فى الحزب الجمهورى فى سنتى 1992، 1996 ضد السيناتور «بوب دول»، من أسرة تأصل فيها الإدمان أبًا عن جد. وعضو الكونجرس «بوب دوران» رفعت زوجته «سالى» قضية طلاق لسوء معاملته وقسوته عليها ولأنه لا يكف عن توجيه الإهانات إليها وضربها. وأثبت «لوكانون» ـ مؤرخ حياة «رونالد ريجان» ومن المقربين إليه ـ أن أباه كان مصابًا بآفة الإدمان وسوء المعاملة للأسرة، ومع ذلك استطاع رونالد الصغير أن ينتصر على ظروف نشأته التعيسة ويصبح من أنجح رجال السياسة فى عصره. أما «مايكل ملبورن» فيقول: إن ريجان لم يستطع التخلص من أحد أسوأ الجوانب التى طغت على حياته وذلك هو اللجوء إلى «الإنكار» وسيلة للانتماء إلى العالم، فقد اتسمت مواقفه بالعناد والمقاومة لتغيير رأيه، فلا يتزحزح عنه حتى بعد أن يتضح له بالأدلة الدامغة أنه مخطئ لدرجة أدهشت حتى مستشاريه. وتتجلى قدرة ريجان على الإنكار فى واقعتين: الأولى فى خطابه إلى الأمة بعد ظهور تقرير «تاور» الشهير عن قضية (إيران كونترا) حيث قال: «قبل بضعة أشهر قلت للشعب الأمريكى أننى لم أبادل أسلحة برهائن (يقصد الرهائن الأمريكيين فى لبنان)، ولا يزال قلبى وأعمق مشاعرى يقولان لى أن هذا صحيح.. ولكن الحقائق والأدلة تقول إن هذا ليس صحيحًا!»، أما الواقعة الثانية فتتصل بالرئيس الفلبينى «فرديناند ماركوس» فقد كان لهذا الدكتاتور الفاسد وزوجته إميلدا مكان خاص فى قلب ريجان حتى أنه كان يرفض لآخر لحظة التخلى عنه، رغم تقارير المخابرات الأمريكية له أن ثورة الشعب وتمرد القوات المسلحة توشك على الإطاحة بالدكتاتور المريض، مستجيبًا فى ذلك لتوسلات ماركوس وإميلدا ألا يتخلى عنهما، ولم يرضخ ريجان لضغوط المخابرات الأمريكية فى الفلبين إلا بعد أن حذرته بشدة أن الأوضاع تتدهور بسرعة وأن الأمور تفلت من يد الأمريكيين الذين يقومون بحماية الرئيس ماركوس وأنه وزوجته يتعرضان لخطر الاغتيال فى أى لحظة. هنا فقط نصح الرئيس ريجان صديقه الدكتاتور بالتخلى عن منصبه والإسراع بمغادرة البلاد مع أسرته إلى الولايات المتحدة. نيوت جنجريتش: يخصص مؤلفا كتاب «سياسة الإنكار» مساحة أكبر يتناولان فيها شخصية «نيوت جنجريتش» رئيس مجلس النواب الأمريكى الأسبق مستندين إلى دراسة مستفيضة قامت بها «جيل شيهى» Gail Sheehy سنة 1995م التقت فيها بسبعين شخصًا من أسرته وأصدقائه وأقاربه، كشفت فيها عن صورة مثيرة لحياة شخصية تعرضت فى طفولتها للعنت وسوء المعاملة من أب سكير قاسٍ قمعى النزعة فأصبحت فى حياتها السياسية والاجتماعية نموذجًا للغضب والإنكار، واتسمت مواقفها بردود الأفعال العاطفية والتعميمات الواسعة التى لا تستند إلى أى أساس منطقى أو علمى. فى نوفمبر سنة 1995 طالت مناقشة الميزانية بين قادة الحزب الجمهورى وبين البيت الأبيض وكان جنجريتش قد وضع قيودًا شديدة على هذه الميزانية.. وحدث أثناء ذلك أنه سافر مع الرئيس كلينتون فى طائرته الخاصة إلى إسرائيل لحضور جنازة إسحق رابين، وفى العودة طلب جنجريتش لقاء الرئيس ليناقشه فى موضوع الميزانية ولكنه رفض لقاءه. أمام هذا الرفض صعّد جنجريتش مع تعنته وفرض مزيدًا من القيود على الميزانية لإحراج بل كلينتون، فقد عُلّقت الميزانية وترتب على ذلك إغلاق كثير من مكاتب الحكومة الفيدرالية ومُنح الموظفون إجازات طويلة.. ويعلق جنجريتش على ذلك بقوله: «شيء مؤسف حقًا.. ولكنه إنسانى».. ثم اعترف للصحفيين بأن مقترحاته بمزيد من القيود والتضييق على الميزانية كان رد فعل لشعوره بالغضب من سوء معاملة الرئيس له فى طائرة العودة من إسرائيل». يستخلص المؤلفان أن مشكلات جنجريتش فى طفولته التى تكاتفت عليها عوامل الهجر والرفض وقسوة العقوبات البدنية والصراع الأسرى هى التى صنعت هذه الحالة المرضية، ويعتقدان أنها حالة نموذجية مقنعة للعلاقة بين آلام الطفولة وسياسة الكبار. وقد تناول «روبرت جودوين» أحد علماء النفس الإكلينيكى شخصية جنجريتش بالتحليل فى مقالة له بمجلة «التاريخ النفسى» سنة 1996م وخلص إلى نتائج تؤيد نظرة «جيل شيهى». كما يرى «هارى جنتريب» وهو محلل نفسى آخر بأن نموذج جنجريتش هو أخطر أنواع القادة السياسيين لأنه يجمع سمات الانطواء المتطرف من التوتر وأوهام العظمة والخيال التعويضى الجامح مع النرجسية، والاكتفاء بالذات والشعور بالتعالى على الآخرين والموت العاطفى. ويدلل على ذلك بعبارات قوية الدلالة من كلام جنجريتش نفسه: * «أريد أن أنقل الكوكب بأسره وسأفعل.. وسوف أحصل على جائزتى». * «أكتفى بقراءة الكتب ولا أسعى للأصدقاء». * «أنا أحول بين الأمريكيين وبين محرقة أوشفيتز». * جنجريتش يهمل زوجته ولا يعنيه شيء من أمرها. ويخلص جنتريب إلى القول بأن «الذات المنسحبة من الواقع الزاخر بالحياة تحاصر نفسها فى قلعة فكرية لتتحرر من الاحتكاك أو الاعتماد على الآخرين، وتشكل نظامًا عاطفيا خاصًا مغلقًا على نفسه عاجزًا عن التقمص العاطفى أو التواصل والرحمة.. فى عالم كهذا ينعدم المعنى الحقيقى للحياة». يقول مؤلفا كتاب «سياسة الإنكار»: ينعكس غضب جنجريتش مباشرة فى عباراته وصوره اللغوية المشحونة بالانفعالات الساخطة والكلمات اللاذعة التى يستخدمها فى حملاته الانتخابية ضد خصومه، كما ينعكس فى توجيهاته لزملائه فى الحزب الجمهورى أن يحرصوا على وصف منافسيهم بأنهم خونة وبأوصاف أخرى مثل: فاسدين ومرضى وشواذ.. وبذلك تتحول الحملات الانتخابية إلى عملية «ردْح» وشتائم وتنابذ بالألقاب، تتلاشى فيها القضايا الجادة والبرامج السياسية والاجتماعية والاقتصادية التى تهم الجماهير. من أمثلة ذلك أنه فى سنة 1978 قاد حملة تلويث ضد منافسته سناتور «فيرجينيا شابارد» لأنها صرحت مرة للصحفيين أنها قد تضطر للذهاب إلى واشنطن تاركة زوجها وأطفالها فى جورجيا، فوصف جنجريتش هذا التصرف بأنه دليل على التحلل من الروابط والمسئوليات الأسرية.. وسنرى أن جنجريتش هذا ـ متناقضًا مع نفسه ـ يذهب بعد عام ونصف من القطيعة إلى زوجته التى كانت فى المستشفى تستعد لعملية استئصال الرحم ليناقش معها شروط انفصالهما نهائيا، ثم يخرج ليصرح للصحافة متهكمًا: بأنها لم تكن بالجمال الذى يؤهلها لتكون زوجة رئيس ناجحة! فى أحد لقاءات «جيل شيهى» مع جنجريتش سألته: هل أنت إنسان رحيم؟ فرد ببساطة: «أنا لا أفهم ماذا تعنى هذه الكلمة!».. ثم وصف لها شعوره بالغضب عندما سمع أن طفلاً تخرج من المدرسة الابتدائية دون أن يتعلم القراءة ثم عقب قائلاً: «هل هذه رحمة أم مجرد غضب؟!». وهو ـ شأنه كشأن رونالد ريجان ـ مرجعيتهما الأساسية هى الأفلام السينمائية وعلى الأخص أفلام جون وين وجيمى ستيوارت التى صنعت نماذج البطولة التى تحظى بتقديرهما، حتى أصبحت تمدهما بالبديل الأسطورى للبطولات الحقيقية فى الحياة.. وقد لاحظت شيهى أن جنجريتش يعتنق بالفعل أسطورة جديدة بدأت تسود فى المجتمع الأمريكى وهي: «أن الرجل الأبيض الغاضب بدأ ينتقم». أقول: ترى إلى أى مدى تؤثر هذه الأسطورة الجديدة على عقول رجال مثل بوش وديك تشينى ورونالد مانسفيلد وجون أشكروفت، ونساء مثل كوندوليزا رايس فى حربهم الإرهابية على العالم المسلم؟! The Politics of Denial (سياسة الإنكار) Michael A. Milburn, Sherre D. Conrad MIT Press, 1996, 292P. هناك ما يشـــــبه الإجمـــــاع بين كثرة من علمـــــاء النفس الاجتمـــــاعى والســـــــــــــياسى أن الأصـــــــــــولية الدينيــــــة وامتـــــــداداتها فى السياسة الأمريكية متمثلة فى اليمين المتطرف ترجع فى جذورها العميقة إلى أسلوب التنشئة القـــائم على العقـــــوبات البدنيـــــة القاســــــية وإلى العنف وســــــوء المعـــــــاملة التى يتلقاها الأطفال فى سنوات العمر الأولى من حياتهم يعتقد البروتستانت الأصوليون عمومًا أن ضرب الأطفال ضـــرورة لازمـــة لإنقـــــــاذ أرواحهــــــــم مـــــــن عــــــذاب جهنـــــم. وفى كلام قادتهم تأكيد على جانب آخر من جوانب العقوبات البدنية لا يتوقــف عند كســـر الإرادة والاستسلام فقط، وإنما لا بد أن يصحب ذلك ويتبعه الإذلال والمهــانة
هذا المحتوى مطبوع من موقع وجهات نظر
وجهات نظر © 2009 - جميع الحقوق محفوظة