في غابـة الفكـر.. الأسـد الأمـريكي والفيل الأوروبـي!
هناك أسطورة أفريقية تقول إن الأسد (الشاطر) كان يستعرض قوته في كل مكان.. وحينما دعا الحيوانات لاجتماع دفع الإتاوة اليومية لم يحضر الفيل (العاقل) الذي يحفظ سيرة الإنسان والأجيال عبر الزمان. ثار الأسد وقال: إذا كان الفيل يختال بخرطومه فأنا أستطيع أن أقطعه بقضمة واحدة.. وإذا كان معجبا بثقل قدمه فأنا أستطيع أن أشلها بطعنة من مخالبي.. وإذا كان واثقا لضخامته فأنا أستطيع أن أجره من ذيله إلي الأرض. تطورت الأحداث والتقي الأسد والفيل. هجم الأسد علي خرطوم الفيل بأنيابه فلم تنغرز في لحمه. وهجم علي قدمه الضخمة بمخالبه فلم تصل إلا لسطح جلده.. وتقدم أخيرا إلي ذيل الفيل في محاولة لجره وإذلاله فتحرك الفيل في وقار وجر معه الأسد.. فر الأسد لاعنا ساخطا. ضحكت الحيوانات وتوقفت عن دفع الإتاوة.
أهل أوروبا يشبهون علاقتهم بأمريكا بعلاقة الأسد بالفيل. الصداقة قائمة في أمور السياسة والاقتصاد، أما الثقافة فموضوع آخر. يستعرض فيه الأسد الأمريكي، ويتوقر الفيل الأوروبي، ولأن الصداقة لابد أن تستمر بينهما، ولأن القوة لا تحل عقدة الثقافة عند الأمريكي، لذلك لجأ إلي أمرين... إما الاستهانة، أو السخرية من المنجزات التي تذكر بالأصول الأوروبية، أو خلق قاعدة ثقافية أو مبدأ فلسفي يناقش الواقع الحاضر تحت شعار البحث عن الحلول العملية، أو الاهتمام بالعلوم العلمية التي باتت تتحكم في مقدرات العالم الحديث.
وعقدة النقص هذه هي التي جعلت الفيل الفرنسي (ديجول) يرفض الاتجاهات الأمريكية من السياسة الدولية، إلي نشرة الأخبار الإنجليزية.. وكان يعتبر الإنجليز في جزيرتهم ملحقين بالأمريكيين طالما أصروا علي الانعزال في جزيرة تعتبر نفسها الأصل وأوروبا هي الفرع. كان يعتبر الإنجليز مصابين بعقدة العظمة. رفضوا الالتحاق بأوروبا، ولكن تحت شعار وهم السطوة الثقافية علي أمريكا، قبلوا أن يكونوا ذيلا لأمريكا. وكان تاريخ إنجلترا يدرس في المدارس الأمريكية كمادة مستقلة إلي أواخر القرن 19 رغم مرور أكثر من مائة عام علي استقلال أمريكا عن إنجلترا. وفي أوائل القرن العشرين بدأ الوعي القومي الأمريكي في تدريس التاريخ، وإن ظلت السطوة الثقافية لإنجلترا، إلي أن لجأ الأمريكيون إلي الحلول الخاصة، وهي الاستهانة بالماضي، أو خلق نمط خاص يعتمد فقط علي الحاضر، وإن ظل الفيل الأوروبي متوقرا واثقا.
والاستهانة بالتاريخ أو محاولة التخلص من الماضي صاحبت بعض الثورات. الثورة الفرنسية أرادت التخلص من التاريخ السابق، وكذلك الثورة الروسية،وعدلت الأولي عن موقفها، وانتهت دراسة التاريخ في فرنسا إلي موضوعية جاءت في تقرير عام 1902 عن تدريس التاريخ يقول:
«أن يكتسب التلميذ بصيرة في الحكم علي أمته نتيجة لمقارنة أحوالها بأحوال غيرها من الدول. وأن يعلمه أن يولي الأمم الأخري ما هي جديرة به من الاحترام، وأن يوسع أفقه العقلي. وأخيرا يوضح له عن طريق العلم بأحوال بلاده، وأحوال العالم واجباته كفرنسي وكإنسان». وعدلت الدولة السوفيتية عن عزل التاريخ عن التلاميذ عام 1933 وقبلت مبدأ العودة لدراسة التاريخ وتدريسه بالتسلسل عوضا عن المجردات التي كانت تدرس من خلال علم الاجتماع.
وتعرض التاريخ لهزة أخري أيام هتلر وموسيليني. وفي نفس العام الذي عادت فيه روسيا إلي التاريخ المتسلسل عام 1933، وازن هتلر منطقه قائلا: إن الموضوعية هي أحد الأوهام العديدة التي تنطوي عليها الليبرالية، إننا لا نعالج التاريخ مجردين عن الهوي، ولكننا سنعالجه كألمان. إننا لا يعنينا السرد للحقائق الموضوعية. إننا نكتب تاريخا للألمان. أما موسيليني فقد ألغي تدريس التاريخ من أساسه إلي حين كتابة التاريخ علي الصورة الرومانية.
وأعجبت هذه النتيجة كل الدكتاتوريات.
علم التاريخ كان دائما موضع نزاع، اعتبره البعض أبا للعلوم. وأقدم العلوم. وقال آخرون إن ملاحظة حشرة وهي تتحرك تعطي من الحكمة أكثر مما يعطي التاريخ اليوناني والروماني القديم. وتخوف منه البعض، أو احترس في تدريسه، أو في محاولة تزويد الأطفال ثم الشباب بأحداثه. طالب البعض بجعله مادة حية يتولاها المؤرخ الخلاق. ووصلوا به إلي حد التركيب الدرامي، أو الروائي، كما يقدمه الآن الروائي أمين معلوف، أو الروائية رضوي عاشور.
وفي الستينيات من القرن الماضي نشر عالم الرياضيات المعروف (برتراند راسل) بحثا مهما لا يعتبر فيه التاريخ علما بل فنا. علي المؤرخ أن يقرأ ويقرأ كل ما تصل إليه معارفه حول الفترة المراد تقديمها، ثم يستبعد المصادر ويبدأ في الكتابة معتمدا علي إحياء وحيثيات الحدث الذي نسجت خيوطه في ذهنه.
التبسيط علي الطريقة الأمريكية
وفـي أبريل عام 1980 دعيت لندوة هامـة عقدتهـا مجـلة هستـوريا (HISTORIA) الفرنسية في باريس بمناسبة صدور العدد 400 تحت عنوان (الفرنسيون وتعليم التاريخ). ودارت في مجملها حول الصراع بين المزاج الأوروبي أو الفيل الأوروبي الوقور، والمزاج الأمريكي أو الأسد الأمريكي المتهور في غابة الفكر الغربي. شارك فيها بالمناقشة تسعة علماء تاريخ، مع اثنين من وزراء التعليم السابقين هما (إدجار فور EDGAR FAURE) و (ميشيل دبريه MICHEL DEBRE تولي سابقا رئاسة الوزراء). مع مشاركة وزير التعليم آنذاك (كريستان بولاك CHRISTIAN BEULLAC). وعدد آخر كبير من رجال الفكر والثقافة، والمناصب الرسمية، والسفراء ورجال التعليم. سجل الندوة التليفزيون، وعدة إذاعات، وعدد كبير من الصحفيين. ويكفي أن أذكر أن عدد الوقوف فقط في القاعة بلغ 200 مشارك.
أدار الندوة المؤرخ المعروف (آلان ديكو ALAIN DECAUX) وله سلسلة دراسات تاريخية هامة منشورة، أو تليفزيونية درامية. كان السبب في عقد الندوة، أو السبب المباشر الذي فجر الأزمة برنامجًا تليفزيونيا أذيع من محطة أوروبا رقم (1) دار فيه حوار مع طلبة تتراوح أعمارهم ما بين 12 إلي 15 حول معلومات أولية عن التاريخ الفرنسي.. سأل المذيع:
* هل تعرف من هي جان دارك؟
نعم... إنها امرأة كانت... لا أعرف.
* وحرب الجزائر هل سمعت عنها؟
لا
* ألا تعرف كانت ضد من؟
كانت الجزائر ضد... لا أعرف.
* اذكر لنا معركة انتصر فيها نابليون؟
وترلو.
ü 1515 ماذا يعني لك هذا التاريخ؟
القرن الخامس عشر.
وكما هو معروف (وترلو) هزم فيها نابليون الهزيمة الساحقة، وعام 1515 دارت فيه معركة هامة انتصر فيها الفرنسيون ولا تنسب إلي القرن 15 كما ذكر الطالب، ولكن للقرن 16 كما هو واضح.
أثارت إجابات الطلبة الذعر، وجري التساؤل: ماذا حدث لمستوي تعليم التاريخ في فرنسا؟ ما مصدر هذا الخلل؟ هل هو التسيب العام؟ هل هو إهمال التاريخ؟ وإذا كان هل مصدره إدخال الأنظمة الأمريكية في التعليم القائم علي الدمج والتبسيط، والعموميات والاختيار من متعدد أو تجاهل المواد النظرية لحساب المواد العملية.
بدأ الندوة (آلان ديكو) بالحديث عن الاهتمام العام بالتاريخ، وكيف أنه نشر عام 1946 مقالا حول تعليم التاريخ أثار ضجة لم يحدثها أي مقال آخر كتبه في حياته. هذا الاهتمام العام بالتاريخ وتدريسه يجعلنا ننتبه لاهميته في الوجدان العام. فالاتجاهات السياسية المعاصرة ما هي إلا حصيلة تراكمات تاريخية سابقة لا يمكن تجاهلها. وبالتالي لا يمكن أن نترك تدريس التاريخ للصدفة أو الغموض. والملاحظ أن التلميذ ينتقل من المرحلة الأولي من التعليم إلي الثانية دون الوصول إلي تحديد واضح لأحداث التاريخ أو سنوات وقوعها، أو دور الشخصيات فيها. هذه الطريقة توقع التلميذ في مجردات ولا تربطه بالواقع ولا تثير أيضا خياله.
وفي استفتاء أجري حول أهمية تدريس التاريخ أقر 62% بأهميته و 64% طلبوا أن تخصص له دراسة خاصة. و77% طالبوا أن يكون مادة إجبارية إلي آخر مراحل التعليم. وفي النهاية تحمس 70% لضرورة العناية الخاصة والتركيز علي تدريس التاريخ لأن الأحداث الحالية وسطوة القطب الواحد ما هي إلا نتيجة لخطوات الماضي.
وعلق ميشيل دوبريه في حديثه الذي تلي آلان ديكو فقال:
إننا لا ندرس بإمكانية المشاركة، بقدر ما نقوم باستدعاء المشاركة نفسها. هذه المشاركة تقوم بدور التنبيه فقط. يقصد الاهتمام بالجانب التجريدي دون الواقعي. وهذا يعني أن الطالب يخرج من المدرسة وليست لديه معلومات محددة عن تاريخه. وفي المراحل المتقدمة من التعليم لا يعرض علي الطالب التاريخ المحدد مما يوقعه في الغموض وعدم الاحساس بتتابع الأحداث. كما أننا نهمل التاريخ القومي لحساب الدعوة العالمية.
وبعد أحداث 1968 (الاضطرابات الداخلية وترك ديجول الحكم) ظهرت محاولتان ضد التاريخ. الأولي تقول بأنه لم يعد هناك ما يستحق العناية أو الرعاية في التاريخ. والثانية تنادي بالتعديل أو إعفاء المراحل الأولي من دراسة التاريخ لصعوبة إدراك أهميته. ثم ظهرت دعوة جديدة تقول بأن المشاعر العامة تتجه الآن إلي العالمية، لذلك يجب طرح العواطف القومية جانبا. واعتبر (دوبريه) أن هذه الدعوة هي أخطر الدعوات.
وتحدث (بيير جوبير PIERRE GOUBERT) أستاذ التاريخ في السربون فقال: إن ما حدث من تعديل في تدريس التاريخ أو دمجه في مواد أخري بدأ منذ عام 1969. إن هذا الاتجاه هو الذي ألغي تدريس التاريخ في الواقع. وتعجب من كيفية قبول تعديل تدريس التاريخ مع أنه لم يحظ بالتأييد في استفتاء أجري منذ عشرة أعوام (من تاريخ عقد الندوة) إلا بنسبة بين 10 أو 20 % فقط. ولكنه عاد ووضع يده علي العلة كما ذكر وهي الأخذ بالأنظمة الأمريكية التي استهانت بالتاريخ والتي صارت هي نفسها موضع مراجعة شديدة.
وقال البروفيسور (جان تيلار JEAN TULARD) المتخصص في المرحلة النابوليونية، إن التاريخ في مراحل التعليم يجب أن يعتمد علي التسجيل المحدد. والملاحظ أن بعض الآراء الغريبة التي وردت عند بعض المؤرخين ما يزال لها صدي في مراحل التعليم، أو أنها أصابت بعض الأحداث التاريخية بالسكونية. فكيف يمكن قبول قول المؤرخ (لافيس LAVISSE) ... (في ملكية يوليو زاد عدد العمال، وبالتالي صاروا أكثر استقرارا). أو قوله (بعد عام 1848 بدأت المآسي العالمية، وبالتالي فإن أسباب الثورات الهامة في بعض الأحيان ليست لها صلة بأيامنا هذه). وإذا كانت بعض الأحداث العظيمة أو الشخصيات الكبيرة لم تمنع وقوع البؤس أو المآسي التاريخية، فإن الواجب يقتضي الحرص علي عدم تجميد المفاهيم في أذهان الطلبة. وكيف نتوقع أن يفهم التلاميذ هذه العبارة (إن الأقنان كانوا يباعون مع الأرض في القرن 13) ما لم تكن هناك مقدمات تشرح نظام الرقيق في القرن 13. إن القاعدة يجب أن تسبق حتي نشرح الحدث في المرحلة التعليمية الأولي.
نحو الأمركـة
وتحدث النائب الاشتراكـي (جان بيير شوفونيمونJEAN PIERRE CHEVENEMENT) عن حجج الداعين إلي إلغاء التاريخ قائلا: أولا الاهتمام بتدريس التكنولوجيا العصرية، ثانيا: الاكتفاء بدراسة العلوم الاجتماعية عن التاريخ. ثالثا: قلة عدد المتخرجين من الفروع النظرية في التاريخ، في عام 1972 كان هناك 225 تخصصًا عاليا في التاريخ. وفي عام 1979 تقلص العدد إلي 48 فقط. ناقش الحجج من زاوية سياسية فقال: إن محاولة تقليص التاريخ القومي لحساب التاريخ العالمي أو الاقتصاد العالمي هو في الحقيقة محاولة رأسمالية أكثر منها دولية. هذه المحاولة التي تعطي أولوية للأحداث المعاصرة أو اللغة العالمية لا يوقفها إلا موقف سياسي حازم يستقيم به التاريخ الفرنسي علي صفحات الكتب المدرسية. إنها محاولة إفقاد الذاكرة. إن صب الأفراد في قوالب مكررة تحت شعار ثقافة حديثة هي محاولة تسعي لمصلحة قلة علي خلاف ما تدعو إليه من عالمية في الظاهر.
وتساءل النائب: ماذا لو ارتبطت فكرة إلغاء التاريخ بسياسة الدولة الرسمية؟
يقول شوفونيمون: ماذا لو فقدنا الإحساس بقيمة التاريخ؟ أو غرقنا في ظروف الحاضر أو العموميات التي تحكم البعض.. هل هذه صدفة؟
أليست هذه خطوات واضحة نحو (الأمركة).. أمركة التفكير الفرنسي. وقال ساخرا... إنها دعوة لإلغاء الحلم. دعوة للاهتمام بالسوبرمان. وطالب بإعطاء التاريخ حقه.
هنا قال مقدم الندوة (آلان ديكو) إنه تلقي تعليقات مكتوبة بعضها يقول أن دعوة إلغاء التاريخ مؤامرة شيوعية. وقالت تعليقات أخري إنها مؤامرة أمريكية. وقالت ثالثة إنها مؤامرة جيسكاردية (نسبة إلي جيسكار ديستان).
وتحدث البروفيسور (إيمانويل لو روي لادوري EMMANUEL LE ROY LADURIE) في الكوليج دي فرانس فقال:
إن القضية في رأيه ليست سياسية.إن الذاكرة لا تتصف بالثورية أو الرجعية. إنها التفكير بطريقة جمعية لما تنتمي إليه. التاريخ تتابع أجيال ومن المهم معرفة الأزمات التي مرت بها الأجيال من قرن لآخر. إن الطاعون الأسود الذي مر بأوروبا عام 1348 لأجدر بالاهتمام في أبعاده من معركة مارينان عام 1515 (انتصر فيها فرانسو الأول علي السويسريين). وفي تدريس التاريخ لا يجب ترك جانب لحساب الآخر. التاريخ أحداث وشخصيات وتواريخ وظواهر اجتماعية. إن الطالب لديه الاستعداد للاهتمام بـ لويس 14 بقدر ما لديه الاستعداد لمعرفة أحوال الفلاح في عصره. إن التعارض هنا مصطنع. الاساطير اليونانية والرومانية تثير شغف الطفل، وفي سن الثانية عشرة يصير أكثر اهتماما بالبطولات والشخصيات الكبيرة، ولا يؤثر هذا كما يصور البعض علي تفكيره في سن الثلاثين فيصير فاشستيا. وفي سن الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة يبدأ في الاهتمام بالتاريخ البنائي. الانعزال أو المحلية يثيران الذعر. ولكن تحقيق الذات شيء لا يختلف عليه أحد... إذن لماذا لا يسعي الطالب لتحقيق ذاته عبر تاريخه، كمثل ما يحاول تحقيق ذاته عبر فريق كرة القدم؟ الخطوات الطبيعية هي التي تسير من المعرفة الأقل، إلي المعرفة الأكثر. ولكن يجب الاحتراس من تسييس التاريخ. النتيجة الطبيعية لذلك هي نفور الطالب من هذه المادة في المستوي العام. وفي مستوي القوي الوطنية.
وتحدث (إدجار فور).. وزير التعليم السابق فوضع للتاريخ ثلاث ثمرات هي:
* التدريب علي أدوات البحث، وتنمية قدرة النقد خاصة نقد الجذور نفسها. هنا يأتي دور الأرشيف والمكتبة، والوثائق المصورة الحية.
* التاريخ يعتمد علي قاعدة يغذيها الماضي. ومعرفة الماضي مهمة في إدراك أبعاد الحاضر. الماضي لا يعطينا تراكيب جاهزة قابلة للتطبيق. إنه يعطينا إدراكًا معمقًا للحاضر بوعي.
* التاريخ يشكل شخصية الفرد. يزوده بذاكرة إضافية. إننا نعيش في عصر أصاب الفرد بالاختـلال، ويستطيـع التاريخ أن يعيد توازنه. واذكركم بقول الفيلسوف جان لاكروا «حقيقة الذكري (الماضي) هي بما تعد (في المستقبل) ».
انتهت الندوة بحديث كريستان بولاك (وزير التعليم آنذاك) تعرض فيه للمشاكل العملية من زيادة عدد التلاميذ وقلة مدرسي التاريخ. وأعلن عدة قرارات اتخذها بناء علي ما أوضحته الندوة. بدءا من مناقشة دور التاريخ في التربية القومية، إلي ما يجمل الأزمة آنذاك. والتي استمرت واحتدت الآن... وهي ضرورة التوازن بين ميراث تاريخ يجب الحفاظ عليه، وحاضر سياسي يكاد يفرض التغييب للتاريخ.
وأنهي آلان ديكو الجلسة الأخيرة للندوة بالتذكير بكتاب (القياصرة القادمون) لمؤلفه أموري د. رينكور.
فماذا عن هذا الكتاب ونبوءته التاريخية؟
القياصرة القادمـون
كتاب (القياصرة القادمون) صدر في الستينيات من القرن الماضي، ويعتمد في قراءته للتاريخ علي فكرة الدوران أو صعود الحضارات وهبوطها، ويستبعد بالتالي النظرية العنصرية القائلة بأن حضارات البشرية جميعا صبت في حضارة الغرب، فهي القمة وهي النهاية (كما صورها فيما بعد فوكوياما) وهي الإبداع المتكامل. التاريخ في نظر (رينكور) نبضات تنقبض وتنبسط، والانقباض هو لحظة الإبداع، ولحظة الإبداع هي إفراز للثقافة الأصلية، ولحظة الانبساط هي لحظة توزيع هذه الثقافة علي أنحاء بعيدة وتحويلها إلي حضارة. فالثقافة في نظره إذن لها صفة الفردية المبدعة في كافة الأنشطة الإبداعية للإنسان، والحضارة لها صفة الجمعية، والانتشار، والمنفعة العملية. ويطبق هذه القاعدة علي شعوب الأرض المبدعة قديمها وحديثها.
كيف أبدعت ثقافة؟ كيف تحولت إلي حضارة؟ كيف تدهورت؟
في موضوع حديثنا يري رينكور في أوروبا ممثلة واضحة لحضارة اليونان القديمة، ويري في أمريكا ممثلة لحضارة الرومان القديمة. أوروبا عصر النهضة من 13 إلي 15 م أعادت ثقافة اليونان بمواصفات الإبداع وأيضا النقص (نترجم عادة رينيسانس RENAISSANCE بنهضة وترجمتها الدقيقة التي تفصح عن مغزاها هو إعادة الميلاد، والمقصود إعادة ميلاد الحضارة اليونانية) وظهور أمريكا وتطورها كجوهر أعاد دور الرومان قديما في مفهوم نفعي، عملي، عسكري.
ويستمر في قراءته للتاريخ فيري أن استمرار هذه الحضارة بنفس المواصفات القديمة سينتهي بها إلي نفس المصير... القيصرية ثم الدكتاتورية. وانهيار الإمبراطورية الرومانية الجديدة أي أمريكا بيد فرد سيعني انهيارا وتهديدا للعالم. لأن قيصر الجديد يتحكم في قوة مدمرة ستهدم المعبد علي رؤوس الجميع.. العدو والصديق.
كانت بلاد اليونان مزدهرة قبل ميلاد المسيح بـ 700 سنة، وبدأت أوروبا نهضتها بعد ميلاد المسيح بألف عام. وكما أعطت اليونان إبداعا علي يد (يوربيد،وسوفكليس، وارستوفان) و(سقراط، وأفلاطون، وأرسطو)،... وغيرهم أعطي عصر النهضة الأوروبية إبداعا علي يد (دانتي، بوكاشيو، وإنجلو، ودافنشي، ورفائيل)... وغيرهم. وكأمثلة لتحول السلطة قامت المدينة اليونانية «اسبرطة» بالتخلص من الملكية وإعلان الجمهورية، أي التخلص من حكم الفرد والانتقال إلي حكم القلة المتميزة.. وقامت أوروبا بنقل السلطة من يد الملك إلي يد الاقطاعي في (الماجناكارتا) بإنجلترا عام 1215، ومجلس طبقات الأمة 1302 في فرنسا.
وحينما بدأت الثقافة اليونانية في التدهور قام إلي جوارها الرومان بطبيعة خشنة.. يلبس الجميع (التوجا) البسيطة، ولا يعرفون طبقة النبلاء اليونانية. يعرفون ضبط النفس، وأهمية العمل الجماعي والسلوك النفعي، ولا يهتمون بالابداعات الفردية. وقد قال إنجليزي عن الأمريكيين أيام ثورتهم علي الإنجليز (أن أهل أمريكا متخلفون عن بلاد العالم القديم من ناحية التهذيب بمائة عام). وفي المقابل قال أمريكي آنذاك (أما من حيث الإنسانية والعفة، والطهارة، والعدالة، واحترام حقوق الإنسان وكل فضيلة خلقية فهم أي الأوروبيين متخلفون عنا مائة عام). ويجب أن نلاحظ أن أحكام أهل أوروبا علي أهل أمريكا أو العكس تنطبق عليهم فقط دون غيرهم من الشعوب، كما كانت رؤية اليونان والرومان قديما للعالم... خاليا إلا منهم كبشر، وما عداهم فهم من البرابرة. هذا يعني أن الفرع تعارك مع الأصل، أهل أمريكا اصطدموا بأهل أوروبا.
كما اصطدم أهل اليونان بأهل روما قديما. وحاولت اليونان أن تستعيد يقظتها في القرن 4 ق.م علي يد الإسكندر قديما.. وحاولت أوروبا أيضا علي يد نابليون في القرنين 18/19. وكلاهما فشل في الشرق. يندرج في هذا أيضا محاولات إنجلترا أيام الملكة فيكتوريا لمدة ستين عاما، ولكنها أيضا فشلت. وأخليت الساحة لشعب يمزج الواقعية بالمثالية. وانتهي إلي جعل الواقع هو أساس الحكم، ومصدر التشريع، وميزان العدالة... طرد الأسبان، والهولنديون، والفرنسيون.. وأخيرا إنجلترا من أمريكا، وأخليت الساحة بكاملها لجماعة جديدة.
تناول الأبناء أجدادهم بالنقد والتشريح، وربما بالاستهانة، أو الاحتقار فقال (جون آدامز) الرئيس الثاني لأمريكا (يجب علي أولادي أن يدرسوا الرياضيات والفلسفة والجغرافيا، والتاريخ الطبيعي والبحرية، ليعطوا لأطفالهم حق دراسة التصوير، والشعر، والموسيقي، والعمارة، والتماثيل، والطنافس والخزف). وقال فرانكلين: (إن في أمريكا حفنة قليلة من أولئك الذين يستطيعون دفع الأثمان الباهظة التي يدفعها الأوروبيون في شراء الصور، والتماثيل، وأعمال العمارة والفن. وكلها غريبة أكثر منها مفيدة).
هذه أقوال تشابه ما قاله المهندس الروماني (فرونتينوس) عام 104م الذي نظم شبكة روما المائية الشهيرة (من الذي يجرؤ علي أن يقارن هذه الساقيات العظيمة التي تنقل الماء بالأهرام العقيمة، أو بأعمال اليونان الشهيرة العديمة النفع).
بشائر القيصرية
وابتداء من الرئيس جاكسون (1767/1845) يضع الكتاب الخط الذي ستبدأ منه بشائر القيصرية الأمريكية... والسبب لا يعود إلي دكتاتورية جاكسون ولكن لشعبيته.. هنا يجب أن نفرق بين النظام الاستبدادي الفردي الظالم الذي يفرض نفسه بالقوة والسلطان والأعوان، وعادة لا يعم طويلا وينتهي بانقلاب دموي، وبين النظام القيصري، أي تحلق الجماهير حول شخصية تاريخية ترتفع بها إلي درجة البطولة، ولا تسمح بخلق حاجز بينها وبينه في صورة مجلس شيوخ أو نواب أو غيره.... الصلة مباشرة، والأوامر مباشرة، والتنفيذ مباشر من المحكومين لأوامر الحاكم.
الرئيس جاكسون استخدم حق الفيتو أمام الكونجرس اثنتي عشرة مرة، في مقابل تسع مرات فقط طول حكم السابقين عليه، وارتفعت النسبة بشكل واضح أيام رئيس آخر ستتمثل فيه مرحلة أخري من القيصرية هو (روزفلت) فقد استخدم حق الفيتو 631 مرة أمام الكونجرس.
جاءت الثورة الصناعية بعد انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية، فأعطت الفرصة بشكل قوي لسيطرة رأس المال، وحولت الإنسان إلي آلة، أو جزء من التركيب الآلي علي حساب الإنسان... ويكفي أن نتأمل كيف ألغي الرق في أمريكا، ولكنه تحول إلي قيمة من قيم المجتمع الأمريكي يصعب التنازل عنه. وفي ذلك يقول زعيم زنجي (لقد تحرر العبد المعتق من ربقة سيده ولكنه ظل عبدا للمجتمع. ليس له مال ولا عقار ولا أصدقاء... لقد تحرر من الضيعة القديمة، ولكنه ظل يتمرغ في التراب)... وظهر نظام المنبوذين في أمريكا.
أكد هذه النزعة الرومانية العنصرية الاتجاه الاستعماري علي الطريقة الرومانية... السيطرة علي البحار لفرض السلم الأمريكي أو الروماني... وفي مقابل ذلك كان الشاطئ الأوروبي أو الهيليني أو اليوناني يأخذ في الأفول. ولم تكن محاولة الملكة فيكتوريا في إنجلترا إلا المهرجان الأخير لأفول نجم آلهة الثقافة اليونانية أو ثقافة أوروبا. ويعتبر كتاب (رينكور) مسرحية (فاجنر) الشهيرة (غروب الآلهة) رمزا لغروب ثقافة أوروبا، أو وقوعها في الاضطراب نتيجة لسيطرة وسائل الانتاج الضخمة علي حساب الابداع الفني والأدبي والمعماري الأصيل... وأكدت الصراعات القومية بين دول أوروبا هذا الاضطراب. حولت الابداع الفني الأدبي، إلي صراع سياسي عسكري واستعماري. اختفي زمان (بتهوفن)، و(موزار) و(شوبان) المنتمين إلي أوروبا كما اختفي زمان سقراط، وأفلاطون، وأرسطو المنتمين إلي الثقافة الهيلينية، وليس لمدينة أو ولاية بعينها.
ولما ساءت الاحوال بين الاجداد، أي تصارع أهل أوروبا في الحرب العالمية الأولي، تدخل الابن البار أمريكا لفض الاشتباك، ولكن تدخله ولد أمرين:
الأول: ارتفاع سلطان (ويلسون) الرئيس الأمريكي أمام الكونجرس فقد صار (الملك ورئيس الوزراء الذي يهيمن علي السلطة التشريعية)، والقائد العام، وزعيم الحزب، والدكتاتور الاقتصادي، ووزير الخارجية.
الثاني: نمو بذور الشك بين الأجداد والأبناء... الشك بين أوروبا وأمريكا.. ظهر أسلوب رجل الأعمال (اليانكي) الذي يريد أن يرث الاجداد وهم علي قيد الحياة. ذهبت ربة الحرية المثالية، وأعطت مكانها لشخص العم (سام) الفظ.
ونتيجة الحرب العالمية الأولي انعكست أيضا علي المجتمع الأمريكي... زاد غرور الأمريكي... زاد سلطان صاحب المال... ظهر الانحلال الخلقي، وهوس المضاربات، وتهريب الخمور، وعصابات المافيا، والفساد والمؤسسات الصناعية الضخمة، والمباني العملاقة... ويصف روائيو هذه الفترة هذا الجيل الضائع. انتهي الجيل الضائع إلي أزمة اقتصادية عالمية بدأت عام 1929، وتحولت سيطرة رؤوس الأموال من الجانب الاقتصادي إلي الجانب النفسي... أصبح الأمريكي يؤمن بالبطل (رجل الأعمال)... ولما جاء (روزفلت) محاولا انقاذ الموقف تحول بدوره إلي بطل من لون آخر.. تضاءل الفرد أمام ضخامة أجهزة المجتمع، وأصبح مستعدا للتنازل عن قسط من حريته مقابل الامن الاقتصادي. وحظي روزفلت بالرئاسة ثلاث مرات بعد تعديل الدستور، ومات قبل انتهاء مدته الثالثة، ولذلك اعتبر دكتاتورا مدي الحياة. وحينما اشار في إحدي خطبه عام 1940 إلي تركه الرئاسة بعد أربع سنوات، ارتفعت الأصوات مهللة (كلا.. كلا).
مشكلـة الناخب الأمريكي
أراد الأمريكيون روزفلت كما أراد أهل روما يوليوس قيصر زعيما مدي الحياة.. واتفق ذلك مع نزعتهم العملية، وقلة خيالهم، واهتمامهم بالكم قبل الكيف، واهتمامهم بالتعليم لصب قوالب عملية تري الإنسان نموذجا قابلا للتعديل، والتحوير حسب الحاجة، أما الحقائق الميتافيزيقية فيجب إغفالها أو هي غير موجودة. انتجت هذه الفلسفة (البرجماتية) العملية طبيعة تبدو متضاربة للوهلة الأولي. محافظة متقلبة في آن. متقلبة نتيجة لطبيعتهم العملية النفعية، ومحافظة لإصرارهم علي أن فلسفتهم في الحياة هي أفضل ما أنتجته البشرية.
من هنا كما يقول الكاتب كانت سيطرة المرأة الأمريكية بطبيعتها المحافظة، وكانت في المجتمع الروماني قد غزت عالم السياسة، شهدت المؤتمرات وأخذت من الحرية ما يعادل الرجل. وتعددت حوادث الطلاق بشكل فاضح واهتزت سلطة رب الأسرة الاستبدادي. وكان الزوج الخنوع المستسلم لزوجته قد غدا فعلا شخصية مألوفة مبتذلة في المسرحيات الهزلية.
وفي مجال الابداع الأدبي والفني لم تكن روما كما لم تكن أمريكا، إلا تقليدا وإنتاجا ضخما بالجملة، وتنمية لما تم إبداعه في أوروبا. ولما كان المجتمع الأمريكي بسيطا يسوي بين الجميع دون البحث عن الأصل، مع حسابه بالكم دون الكيف، لذلك ارتفع شأن الدولار، وأصبح مقياس النجاح. فدخلك هو الذي يحدد اقترابك أو ابتعادك من الناس، من هنا كان زيف استقلالية المرأة. فهي استقلالية مرهونة بقدرتها الحالية وليس لمساواتها كإنسان بالرجل. من هنا كانت مأساة سن الشيخوخة أو المعاش... فهي تعني عجز الإنسان عن العمل، أو عدم قيمته لأنه لم يدرب من صغره علي ما يعرف بالحياة الثقافية كالأوروبي واعتبارها جزءا مكملا لحياته. وكان الرومان يعتبرون الشيخوخة والعجز مهانة، واستقرت عندهم فكرة انتحار كبار السن، وجعلوا لذلك موضعا بعينه.
وكما حاول الرومان بقتل قيصر إعادة الجمهورية ولكنهم فشلوا... حاول الأمريكيون بعد روزفلت الحد من سلطان الرئيس. ولكن كانت المشكلة ليست رغبة الرئيس في السلطة، بقدر ما كانت رغبة الناخب في الاتكال علي السلطة التي تحقق له ذاته دون تعديل أو نقد. لقد بدأت القصة بدعوة المساواة بين جماعة مهاجرة ترفض أي شكل من أشكال السلطة التقليدية إلا سلطان القدرة علي العمل والإنتاج.. وكان الإمعان في المساواة فيما بينهم معناه إضعاف التدرج الهرمي. وإضعاف التدرج الهرمي أضعف بدوره السلطة الرقابية المتخصصة (الكونجرس). وإضعاف الكونجرس معناه الاعتماد علي الصلة المباشرة بين الرئيس والجماهير... والاتصال المباشر ينمي عادة السلطة عند الفرد الحاكم.... ويعني ازدياد سلطة الرئيس الأمريكي، ازدياد سلطة القائد العام الذي يتحكم في قوة يمكن أن تدمر العالم.
وتأسيسا علي ما ذكره (رينكور)...
تكون المأساة حينما يصل إلي القيصرية الأمريكية شخصية ضعيفة، والأسوأ أن يصل إليها شخصية تافهة. وقبل وصول (رونالد ريجان) إلي السلطة عام 1980 كان الحديث يجري بشكل تلقائي عن تفاهته.. يلهو بالقطارات يعجب بنفسه علي شاشة التليفزيون. يجهل كل ما يجري في العالم الخارجي تكتب له الخطب القصيرة. يتهرب من التصريحات السريعة. يدهش من حوله إذا تورط في تعليق، يطلق (بوب هوب) عليه النكات. وعلق الممثل الراحل (مارلون براندو) علي انتخابه قائلا... إنني أعرفه تماما وأعرف محدودية ثقافته فهو لا يعرف كيف يفرق بين الضغط علي زر الإضاءة، والزر النووي.
أليست نفس الصورة التي قدمت عن (بوش) الأب عند انتخابه وتأكدت بصورة أكثر وضوحا عن بوش الابن؟
ونعود لكتاب (القياصرة القادمون) فنراه يقول أن لدي الأمريكي نزعة عنيفة، ولكنها لا تظهر في صورة جماعية لنزعته الفردية. وهي نزعة لا ترفض في الوقت نفسه الدخول في قالب الجماعة، أو قبول القيصرية... الأمريكي يطلب المساواة، ويريد في الوقت نفسه واحد منهم. ليس بأفضلهم يتولي المسئولية... يسخرون منه وينادونه باسمه، ويستهينون بانتصاراته كاستهانة الرومان بأبطالهم. يريد الرئيس موظفا بامتيازات خاصة في مقابل تحمل الأعباء. ولكنه لا يفطن إلي أن كثرة الاتكال عليه تؤدي إلي زيادة نفوذه علي الجميع. وإذا زاد نفوذه أصبح من الصعب انتزاعه، وقد يطالب الجميع أنفسهم ببقائه. وتكون هذه قمة القيصرية... نوعا من اتكال الجماعة علي الفرد ليحل المشاكل، ويأتي بالترياق، ولكنهم لا يدركون أنه قد يأتي أيضا بكارثة.
وكلها دلائل تشير إلي أن نبوءة (رينكور) في كتابه قد تحققت.
ونعود لندوة (ديكو) حول الدعوة الأمريكية لإلغاء التاريخ، مقرونة بفكرة صراع الفيل الأوروبي مع الأسد الأمريكي، أو النموذج الأوروبي الهيليني مع النموذج الأمريكي الروماني.
قد تخدعنا الوقائع الأخيرة من مصالحة بينهما بعد مؤتمر الثمانية، أو بعد احتفالات مرور 60 عاما علي تحرير أمريكا لفرنسا أو لأوروبا بكاملها من الحكم الهتلري، وقد شارك في الاحتفالات ألمانيا نفسها.
المصالحة لن تتم بين أوروبا وأمريكا. إنه قدر تاريخي. إنها إطالة فقط لمدة العرض... القصة مكررة ولأن التاريخ لا يعيد نفسه، فإنها أيضا عبرة منسية.. وهذه حكمة حضارية.
بعد أحداث 1968 ظهرت محاولتان
ضد التاريخ. الأولي تقول بأنه لم يعد هناك
ما يسـتحق العناية أو الرعاية في التاريخ. والثانيـة
تنادي بالتعـديل أو إعفـاء المراحل الأولي من دراسة
التاريخ لصعوبة إدراك أهميته
في أوائل القـرن العشرين بدأ
الوعي القومي الأمريكي في تدريس
التاريخ، إلي أن لجأ الأمريكيون إلي الحلول
الخاصة، وهي الاستهانة بالماضي،
أو خلق نمـط خاص يعتمـد
فقط علي الحاضـر
يقول شوفونيمون ماذا لو
فقدنـا الإحسـاس بقيمـة التاريخ؟
أو غرقنا في ظـروف الحـاضـر؟ أليسـت
هذه خطوات واضحة نحو (الأمركة)..
أمركـة التفكـير الفرنسـي
قال إنجليزي عن الأمريكيين أيام
ثورتهم علي الإنجليز (إنهم متخلفون
من ناحيـة التهذيب بمائـة عام). وفي المقابل
قـال أمريكي آنـذاك (أمـا مـن حيـث
الإنسانيـة والعفة، فـإن الأوروبيين
متخلفون عنا مائـة عـام)