إذا كان العالم كله مدينا فَمَن الدَّائن ؟!



يتحدث هذا الكتاب عن الاقتصاد بلغة جديدة ويتناول الأفكار والمسلمات الاقتصادية التقليدية بالتحليل والنقد، ويثير حولها شكوكًا منطقية ويكشف عما فيها من تناقض، وفي كل هذا تنكشف للقارئ حقائق مذهلة لم تكن لتخطر له علي بال. فهل تصدق مثلاً أن دول العالم كله مدينة، ليس فقط الدول الفقيرة أو دول العالم الثالث، بل إن أكثر الدول ديونًا هي الدول الأغني والأكثر إنتاجًا وتقدمًا، وديون هذه الدول هائلة.. لا تتناقص أبدًا بل في صعود مستمر، وقد وصفها المؤلف بحق بأنها: «اللامعقول واللامنطقي.. الذي يصعب علي العقول فهمه». من أمثلة هذا «اللامعقول» أن بريطانيا مدينة بمبلغ 400 بليون جنيه إسترليني، وتبلغ ديون كندا 650 بليون دولار، وألمانيا مدينة بأكثر من خمسين بليون مارك، أما اليابان فقد بلغ دينها العام 2 تريليون دولار، وأصبح دين الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من 5 تريليونات دولار. يقول المؤلف: هذا الدين المتصاعد أبدا يتناقض تناقضًا صارخًا مع وجود ثروة حقيقية واضحة في هذه الدول التي توصف بأنها دول غنية ومتقدمة. علمًا بأن هذه الأرقام تمثل الديون العامة فقط أي الديون الحكومية، فإذا أضفت إليها الديون الخاصة (المتعلقة بالأفراد والشركات) تجد نفسك أمام أرقام فلكية.. فمثلاً مجموع الديون العامة والخاصة في الولايات المتحدة بلغ 26 تريليون دولار، ولست أزعم أنني أعرف كم صفرًا ينبغي وضعها علي يمين هذا الرقم ليصور حقيقته، ولكني علي يقين أنه رقم مفزع، كما أنني أعرف أنه من الناحية العملية يستحيل تسديد هذا الدين الهائل لأسباب اقتصادية كثيرة لعل أبسطها أن مجموع ما في بنوك أمريكا والعالم وما في خزائن الشركات وجيوب الأفراد من دولارات لا يبلغ خُمس هذا الرقم، وهذا واحد من عدد كبير من الألغاز الخفية في عالم الاقتصاد. فإذا كانت كل دول العالم ـ بلا استثناء مدينة ـ فإن هذا يجعلنا نعتقد أن العالم بأسره في حالة اقتصادية مزرية.. وهذا شيء يبدو غير منطقي وغير مفهوم.. ويسلمنا هذا الاعتقاد إلي أن نتساءل: إذا كان العالم كله مدينًا فمن هو الدائن؟ وكيف حدثت كل هذه الديون؟ ومن أين جاءت؟ وماذا نقول عن دول العالم الثالث التي ترزح تحت أعباء ديون ثقيلة وقد أسلمت زمام قيادتها للدول المتقدمة وأخذت تقلد وتبني مؤسساتها المالية والاقتصادية علي غرار مؤسسات هذه الدول، ويقال لشعوبها اكدحوا في العمل والإنتاج والتصدير، وسوف تتخلصون من الديون وتتحررون من الفقر وتصبحون مثل أمريكا، ولكن أحدًا لا يذكر لنا أبدًا حقيقة أن أمريكا هذه هي أكبر دولة مدينة في العالم؟ فهل هذه حالة عبثية أم أننا لا نحسن فهم ما نراه؟! وهل نستطيع أن نفهم حقيقة أن يكون الشعب الأمريكي وهو أغني من دبّ علي هذه الأرض من البشر هو أكثر شعوب العالم مديونية! كان من المفترض وفقًا للمبادئ الاقتصادية المتداولة أن النقود هي وسيط طبيعي ومقياس دقيق وأنها لا تفعل أكثر من أن تعكس حقائق الواقع الاقتصادي، ولكنها في الحالة التي عرضناها لا تفعل ذلك، فهناك ندرة مزمنة في النقود حتي أن الدول المتقدمة تقلص ميزانيات المشروعات والخدمات الصحية والتعليمية بحجة عدم توفر المال الكافي.. إذن لابد أن يكون هناك خلل جوهري في المنظومات الاقتصادية، خلل يجعلنا لا نثق في كثير من الافتراضات والمسلمات الاقتصادية، بل في كل المعطيات المالية الأخري التي تضع الاقتصاد وخصوصًا الاقتصاد النقدي والديون غير الواقعية في نطاق اللامعقول. محاولة للفهم: يأتي هذا الكتاب ليتحدي هذه المسلمات ويكشف لنا: أن الثقة العامة في النقود والأحكام النقدية ليست في موضعها، وأن الحياد الظاهري للمنظومات المالية الحالية زيف كامل، وأن النقود (الحديثة) ليست وسطًا طبيعيا محايدًا، وأنها ـ كما يتم خلقها الآن ـ تمنح نفسها طبيعة خاصة وتحيزًا خطيرًا، وهي تعمل في إطار عالمها الحسابي الخاص بها، وتعكس حقائقها الخاصة وتصورها الاقتصادي الخاص، ويحيطها سدنتها بعبارات غامضة زائفة ومضللة. فإذا انتهي الكتاب من تقرير هذه الحقائق مفصلة ينتقل بعد ذلك إلي تفسير هذه الألغاز، وأول هذه الألغاز هو الندرة النقدية في مجتمعات متقدمة تتمتع بالثراء ووفرة الإنتاج، وأول ما يصدمنا من حقائق أن نعرف السبب وهو كما يشرحه المؤلف راجع إلي أن النظام المالي النقدي قائم علي أساس من الديون، وبتعبير مباشر وأكثر دقة يقول: «إن النقود تنشأ في توازٍ مع الديون، ذلك لأن خلق النقود وتداولها متروك للبنوك إلي جانب عدد من مؤسسات الإقراض الأخري. ويظن أكثر الناس أنهم عندما يقترضون من البنك فإنهم يقترضون أموال أناس آخرين سبق أن قاموا بإيداع نقودهم في البنك، وهذا وإن كان يمثل بعض الحقيقة إلا أنه لا يمثل الحقيقة كلها، فالصحيح أن نقود القرض لا تكون بالضرورة موجودة في البنك لحظة طلبها وإنما هي تنشأ ابتداءً عندما تتم عملية الاقتراض. وهذه حقيقة أخري بالغة الإثارة: أن البنك بعملية القرض نفسها يضيف إلي رصيده نقودًا جديدة لم يكن يملكها (قبل القرض)، وأن البنك بهذه القروض يرفع رصيده ولا ينقصه!. أعترف أنني شخصيا لم أستطع أن أفهم أو أستسيغ هذه الحقيقة لأول وهلة.. وقلت لنفسي لابد أن مؤلف هذا الكتاب يهزأ بعقلي.. كما أعترف أيضًا أن هذا اللغز الذي صدمني وحيرني كثيرًا بدأ ينحل خطوة خطوة كلما تقدمت في قراءة الكتاب، وأدركت أنني أمام مؤلف عبقري استطاع أن يحرر عقله من أسر الأفكار التقليدية السائدة في عالم الاقتصاد وأن يتخلص من جبروتها، بل استطاع أن يحطم الهالة المقدسة التي تحيط بها وأن يقدمها إلينا عارية من كل زيف أو ادعاء.. وتأكدت أن مثل هذا الرجل لابد أن يتهم بالجنون وقد حدث بالفعل.. ولكنه لم يثنه عن عزمه أو يحرفه عن مواصلة رسالته في الكشف عن التزييف والخداع الذي تمارسه مراكز القوي الاقتصادية الكبري في العالم علي الشعوب بدعوي التنمية والتقدم وإشاعة الرخاء. المؤلف: لم أشعر برغبة ملحة في لقاء مؤلف كتاب قرأته كما شعرت بالنسبة لمؤلف «قبضة الموت» فقد لمست في كتابته حرارة الداعية المخلص جنبًا إلي جنب مع رسوخ فكره الأكاديمي في مجال تخصصه.. اقترحت علي جامعة جرينتش دعوة «مايكل رُوبَثَام» مؤلف الكتاب في محاضرة يعرض فيها أفكاره وتكون فرصة للطلاب والأساتذة لمناقشته.. وقد تولي ابني ـ وهو محاضر بالجامعة ـ دعوة «روبثام» فاستجاب علي الفور.. استمتعت بمحاضرة ذات مذاق خاص لمست فيها قوة منطق المؤلف وقدرته علي التحليل والإقناع.. ثم دعاه ابني بعد المحاضرة لتناول طعام الإفطار وكان شهر رمضان قد انتصف، ووجدها «روبثام» مناسبة مثيرة للاطلاع علي تقاليد الأسر المسلمة في رمضان فقبل الدعوة مبديا شكره وامتنانه. أما بالنسبة لي فكانت فرصة متاحة لمزيد من الحوار حول أفكار هذا الرجل العجيب وحياته، استغرق الحوار شطرًا من الليل دون ملل، فعلمت كثيرًا عن منطلقاته الإنسانية وأنه صاحب رؤية إصلاحية يشاركه فيها كثيرون مثله من أحرار الفكر في بريطانيا وكندا واستراليا وفي دول أوروبا.. إنه يدعو إلي بناء اقتصاد متحرر من الفائدة وإلي نظام نقدي غير مؤسس علي الديون، فلما لمس شدة اهتمامي بهذه الأفكار الجديدة قال «أدرك مصدر اهتمامك هذا ـ إن لم أكن مخطئًا في تقديري ـ.. إنه عقيدتك الإسلامية.. أليس كذلك؟ فأجبت: بلي.. لقد أصبت الحقيقة.. وما يثيرني حقًا هو أنك بجهدك العقلي وتوجهك الأخلاقي متجردًا من أي أيديولوجية إسلامية مسبقة قد توصلت إلي نفس النتيجة. كان حوارًا مثمرًا وممتعًا بلا شك، سمّه ـ إن شئت ـ حوار حضارات أو حوار أديان، أو حوارًا إنسانيا خالصًا لوجه الله والحقيقة، ففيه شيء من كل هذا.. بلا قصد ولا ترتيب مسبق ولا مؤتمرات دولية»! نقود تنشأ من لا شيء: نعود إلي كتاب «قبضة الموت» الذي لا مفر منه!، وقد انتهينا إلي نقطة رأينا فيها كيف تخلق البنوك أرصدتها من خلال القروض، ولنا أن نستنتج أن حجم الديون في اقتصاد ما هو مقياس لكمية الأموال التي يجري عليها التداول، وفي هذا أمثلة شارحة يوردها المؤلف بالتفصيل، منها: أنه قد جاء في تقرير للبنك المركزي «بنك إنجلترا» سنة 1997 تقرير لجملة النقد الوطني بمبلغ 680 بليون جنيه إسترليني، من هذا المبلغ أصدرت وزارة الاقتصاد البريطانية 25 بليون جنيه فقط، وهنا نتساءل: من أين جاءت بقية المبلغ وهو 655 بليون جنيه وهو يمثل 97% من جملة النقود المتداولة في الاقتصاد البريطاني؟ والإجابة ببساطة: أن الذي خلق هذه النقود هي البنوك التجارية، وأن هذه الكمية الهائلة من النقود نشأت من لا شيء.. وسوف يصاب الناس بالذهول لأنهم يعلمون أنه إذا فعل هذا واحد منهم اعتبر مزيفًا للنقود، وليس لمرتكب هذه الجريمة مكان إلا السجن يقضي فيه بقية عمره.. والفرق الوحيد بين جريمة التزييف وما تفعله البنوك التجارية أن النقود التي تخلقها البنوك ليست هي الأوراق النقدية ولا العملات المعدنية وإنما هي نقود غير حقيقية أو غير طبيعية تمثل قيمة الديون والعقارات والمنازل المرهونة، ومعني هذا أن الحكومة تعتمد في إنشاء النقود اللازمة لتسيير الاقتصاد علي وقوع أبناء شعبها في الديون، ومعناه أيضًا أن كل جنيه موجود سواء في التداول أو مودع في حساب بنكي هو دين معلق في رقبة شخص ما أو مؤسسة أو شركة.. هنا سيتوقف الناس عن الأسئلة وينظرون إليك بريبة ولسان حالهم يقول: هذا رجل قد خرج من عقله!.. وقد يعترض أحدهم فيقول إذا كان خلق النقود بهذه الطريقة متروكًا للبنوك فلابد أن يكون هناك سبب وجيه لذلك.. ويقول المؤلف: «علي العكس تمامًا فليس هناك أي سبب وجيه لذلك.. بل أكثر من هذا: توجد أدلة لا حصر لها علي الآثار المدمرة لهذه الطريقة في خلق النقود المعتمدة علي استخدام القروض وما يترتب عليها من فوائد، ليس في حياة الأفراد فقط بل في حياة الشعوب أيضًا. الشراء بالرهن: ويسمي اصطلاحًا Mortgage وهي عبارة فرنسية الأصل ومعناها «رهن الموت» أو «قبضة الموت» وهي الترجمة الحرفية باللغة الإنجليزية التي اختارها المؤلف عنوانًا لكتابه. وكان شراء الأراضي بهذه الطريقة معروفًا منذ القرون الوسطي ولكنه كان محرمًا بحكم القانون المسيحي، لأن الإنسان لا يضمن بقاءه علي قيد الحياة حتي يتم تسديد أقساط ثمن الأرض، فإذا مات تُنتزع ملكيتها منه بمقتضي العقد المبرم.. وقد تبدو الصورة في أيامنا هذه أقل كآبة، حيث يتمكن قلة من الناس من تسديد قروضهم بفوائدها في مجري حياتهم بينما تظل الأغلبية من المشترين ديونهم معلقة في رقابهم حتي الموت. من هذا البند وحده تضخمت أرصدة البنوك بأرقام فلكية: ففي أستراليا مثلاً بدأ بنك «الكومنويلث» سنة 1912 برصيد بلغ مقداره عشرين ألف دولار، فإذا به سنة 1984 يقفز إلي ما يقرب من ثلاثين ونصف بليون دولار، وكان تعليق «المعهد الأسترالي للديمقراطية الاقتصادية» سنة 1989 في تقرير له بعنوان «لعبة النقود» كالآتي: «في تقييم الثروة الأسترالية بالنقد قامت البنوك بإصدار نقود علي شكل ديون، ومن ثم حصلت علي أرصدة تساوي ما يقرب من ثلث إجمالي الثروة في أستراليا.. فهل تنبهت إلي اللعبة؟! هل صدم هذا الواقع عقلك كشيء مخالف لكل منطق؟: إن مؤسسة ما لا تنتج شيئًا أكثر من أرقام في سجلات يمكن أن تستولي علي ملكية موجودات أعظم بكثير مما تملكه صناعتنا الكبري التي يعمل فيها مئات الألوف من الناس، والذين يعتمد علي إنتاجهم المادي كل اقتصاد أستراليا! وجاء التحذير الأقوي والأكثر وضوحًا علي لسان لورد «جوشوا ستامب» وكان مديرًا سابقًا لبنك إنجلترا.. قال في محاضرة ألقاها سنة 1937: «يخلق النظام البنكي الحديث النقود من لا شيء فالعملية ليست أكثر من «خفة يد» بارعة هي أكثر الأشياء التي اخترعها عقل الإنسان إثارة للذهول.. ذلك لأن هذه البنوك ولدت في سفاح وعاشت في خطيئة متواصلة الحلقات.. فالبنوك تكاد تملك الكرة الأرضية.. فإذا شئت إن تكون عبدًا للبنوك وفي نفس الوقت تدفع ثمن عبوديتك فدع البنوك تُصدر النقود». ولا يتوقف خطر النظام البنكي القائم علي الديون والفوائد المركبة علي أن يسلب الأفراد ملكيتهم للمنازل التي يشترونها لسكانهم، أو أن يخرج الشركات والمؤسسات من ملكياتها ويدفعها إلي الإفلاس، بل يمتد هذا الخطر إلي الحكومات والدول التي تضطر إلي الاقتراض لإطعام شعوبها الجائعة فإذا هي تهوي في مستنقع من الديون لا تستطيع تسديدها ولا حتي تسديد فوائدها فتضطر للاقتراض من جديد لتتمكن من تسديد الفوائد المستحقة علي الديون، وتدخل بذلك في حلقة جهنمية مفرغة لا سبيل إلي الفكاك منها، كما هو حادث بالنسبة للدول الأفريقية خاصة ودول العالم الثالث بصفة عامة. الديون شرط أساسي لتوفير النقود: في المنظومات المالية الغربية ـ كما رأينا ـ لابد من وجود الديون لأنها هي الشرط الأساسي لتوفير المال اللازم لحركة الاقتصاد، وليست هذه حالة باقية عند مستوي معين تثبت عنده وإنما هي حالة دائمة التعاظم والتفاقم، فقد كان مجموع الديون الصناعية سنة 1963م (في بريطانيا) 3.3 بليون جنيه إسترليني بنسبة 11% تقريبًا من الدخل القومي الذي بلغ آنذاك ثلاثين بليون جنيه، ارتفع هذا الدين سنة 1996م (أي بعد ثلاث وثلاثين سنة إلي 140 بليون جنيه بنسبة 20% من الدخل القومي البالغ قيمته 720 بليون جنيه. أما ديون الأفراد سنة 1963 فقد كانت 4 بلايين جنيه بنسبة 14% من الدخل القومي فإذا بها ترتفع سنة 1996 إلي 490 بليون جنيه بنسبة 70% من الدخل القومي. هذا الطراز من النمو الاقتصادي القائم علي تصاعد الديون له انعكاسه المباشر علي الأسعار والدخول، فالمنتجون يرفعون أسعار السلع لتعويض الديون والفوائد البنكية، وبذلك تزداد تكاليف الحياة المعيشية علي المستهلكين، ويضطرون لمزيد من القروض وتسديد أقساطها وفوائدها، وبهذا تزداد الهوّة بين الدخول المتدنية والأسعار الصاعدة مما يؤدي إلي تضاؤل القوة الشرائية عند المستهلكين. الكوابح والضوابط: لكي تعمل البنوك في المنظومة الاقتصادية الغربية بفاعلية تضع لها الحكومات ـ عادة ـ ضوابط أو كوابح حتي لا تسرف في خلق نقود علي هيئة ديون إلي ما لا نهاية، حيث يفترض أن يمثل النظام النقدي هرمًا من الرصيد Credit له قاعدة راسخة من النقود الحقيقية أو (الطبيعية) وأعني بذلك العملات المعدنية والنقود الورقية التي تصكها الحكومة، علي هذه القاعدة يتم بناء هرم تتقارب أضلاعه كلما ارتفع بفعل قوانين تضعها الدولة تحدد بها حجم هذا الهرم ونموه، ومن ثم يتوقف نمو الهرم عند نقطة معينة وارتفاع معين لا يمكن أو لا يصح تجاوزه.. من أهم هذه القيود ما يسمي بـ «نسبة السيولة» التي لا يصح أن تقل عن 10% من الأموال المتداولة في البنك، ومعني هذا أنه من حق البنك أن ينشئ في تعاملاته نقودًا بنسبة 90% عن طريق القروض، حتي إذا بلغ الهرم قمته لم يعد من حق البنك أن يمنح عملاءه قروضًا جديدة، حتي يتم حقنه بدفعة جديدة من النقود الحقيقية «السيولة» التي تصدرها الحكومة محررة من الديون، وبذلك يستطيع البنك حينئذ أن ينشئ هرمًا جديدًا من القروض علي أساس من هذه القاعدة الجديدة. هذا هو المفترض من الناحية النظرية، ولكن هذه النظرية لا يتم تطبيقها في الواقع العملي، فقد وجدت البنوك سبلاً كثيرة للالتفاف حول هذا القيد، يذكرها المؤلف بالتفصيل في كتابه.. يلفت المؤلف نظرنا أيضًا إلي حقيقة أخري من استغلال البنوك الشائن للعملاء، تتمثل في الفرق الهائل بين الفوائد التي تمنحها للمودعين علي ودائعهم، والفوائد الباهظة التي تفرضها علي المقترضين، وهكذا نري أن المنظومات البنكية تقوم علي الربا الفاحش منذ عصور، حتي أصبحت مصدرًا للاضطرابات الاقتصادية وأصبحت بقروضها وفوائدها الباهظة عبئًا علي المواطنين وعلي الاقتصاد الوطني. والخلاصة هنا أن الاقتصاديين يصورون لنا أن النظام البنكي يعمل في إطار ضوابط وكوابح صارمة في حين أن هذا لم يحدث في الماضي ولا هو حادث الآن! من أهم وأخطر الضوابط الحكومية هو تدخل الحكومة في تحديد سعر الفائدة علي القروض، فمن خلال رفع سعر الفائدة أو خفضه تتحكم الدولة في النشاط الاقتصادي العام، لأن سعر الفائدة هو الذي يشجع أو يثبط الاقتراض، ومن ثم يتم التحكم في حجم النقود المتداولة وفي حركة النمو الاقتصادي. فإذا رفعت الحكومة سعر الفائدة يفاجأ الناس وأصحاب الأعمال بأعباء إضافية علي الديون والفوائد المستحقة عليهم، ومعني هذا أن الحكومة في سعيها لتقليل حجم الأموال المقترضة تفرض «أوتوماتيكيا» علي أناس آخرين أعباء جديدة تؤدي بهم إلي الإفلاس، أو الخروج من ممتلكاتهم نهائيا، مثلاً يجد أصحاب المنازل المشتراة عن طريق «الرهن العقاري» أنفسهم عاجزين عن دفع أقساط الديون والفوائد الصاعدة فيتدخل البنك ويستولي علي مساكنهم ويطردهم منها.. ويقول المؤلف: «لا أجد في هذا ذرة من عدل علي الإطلاق.. وهو أمر منافٍ للأديان وللأخلاق الإنسانية». جوهر المشكلة كامن في قلب النظام البنكي القائم علي القروض والفوائد المركبة وهو نظام ـ بطبيعته ـ محكوم بالغلو والشطط والجشع، مما يؤدي بالضرورة إلي فواجع إنسانية وكوارث اقتصادية متكررة. وفي هذا يصف لنا المؤلف السيناريو المتكرر لدورة الازدهار والأزمات الاقتصادية. يبدأ الاقتصاد في الانتعاش والحركة وتتوفر الاستثمارات وتنشأ وظائف جديدة ويتسع حجم العمالة ويزيد الإنتاج ويعم الرخاء، حتي إذا بلغت الحركة الاقتصادية قمة سخونتها وازدهارها يهبط غول التضخم المالي.. ويهرع أصحاب النظريات الاقتصادية يهددون وينذرون: أوقفوا التضخم المالي فالاقتصاد يندفع نحو الركود، في هذه الأثناء تكون كثير من الشركات والأعمال قد أعلنت إفلاسها، واستولت البنوك علي منازل وعقارات وأملاك آلاف من البشر، وفقد ملايين الموظفين والعمال وظائفهم بسبب إفلاس الأعمال وإغلاق الشركات والمصانع. ولكي يخفض أطباء الاقتصاد المحموم حرارته المفرطة، ولكي يهبط التضخم المالي، يرفعون سعر الفائدة ويفرضون مزيدًا من القيود علي القروض ويخفضون سقف الإنفاق الحكومي إلي أدني مستوي، فيتراوح الاقتصاد في مكانه ويعم الركود والكساد ويغرق الناس في بحر من البؤس الإنساني، ويقبض الناس أيديهم عن الإنفاق والشراء حتي لا يتبخر ما بقي من مدخراتهم، فلا يجدون ما ينفقون عندما يزج بهم إلي طابور العاطلين. ثم تبدأ دورة اقتصادية جديدة بتخفيض سعر الفائدة.. وتمر فترة انتظار حتي تعود الثقة من جديد عند المستثمرين والمستهلكين، ويتوفر المناخ الاقتصادي المناسب لانطلاق دورة جديدة من الانتعاش.. حتي إذا بلغت ذروتها نبدأ في فترة ركود اقتصادي أخري ويتكرر السيناريو ! فما معني هذا؟.. معناه أن هذه الدورات الاقتصادية المضطربة صعودًا وهبوطًا، وما يترتب عليها من مآس لا تأتي محض صدفة وليست حادثًا طارئًا أو عارضًا، إنما هي جزء لا يتجزأ من طبيعة النظام المالي نفسه.. هي حريق لابد أن يشتعل بفعل آليات «جوانية» تتنامي مع حركة النمو الاقتصادي وسخونته، حتي إذا بلغت نقطة معينة يشتعل الحريق وتنطلق صفارات الإنذار ويأتي رجال الإطفاء للإنقاذ. ومعني هذا أيضًا أن الضوابط والكوابح التقليدية في أي نظام مالي لا تعمل عملها ـ كما نظن ـ بطريقة تلقائية لتؤدي النتائج المتوقعة منها، ولكن تضطر الحكومات للتدخل من وقت لآخر لكبح جماح التقلبات الاقتصادية قبل حلول الكارثة. وهناك مشكلات أخري كثيرة في النظريات الاقتصادية الشائعة تؤكد تناقضها واضطرابها، وهناك أسئلة قد لا تخطر علي بال أحد منها مثلاً: إذا كان أغلب الناس والشركات والحكومات كلها غارقة في الديون.. فمن يملك النقود؟! تقول البنوك إن القروض جُعلت لخدمة العملاء، ولكن الحقيقة التي لا يتحدث عنها أحد هي أن البنوك تُقرض النقود لتعود إليها أضعافًا مضاعفة، فكأنها تخلق النقود لخدمة نفسها لا لخدمة العملاء.. وأكبر دليل علي ذلك هو أن البنوك عندما يحدث الركود الاقتصادي ويكف الناس عن طلب القروض تتوفر لدي البنوك فوائض مالية تستثمرها في سوق المال العالمي في شراء الأسهم والسندات، وتستحوذ علي مزيد من العقارات والأراضي بأسعار رخيصة غير تنافسية في السوق المحلية، فالبنوك تفترض أن لها حقًا مقدسًا في امتلاك ثروة الأمة بما يساوي الديون التي تقرضها للعملاء. وشراء المنازل في بريطانيا مثلاً (بنظام الرهن) يعطي هذه الحقيقة شحمها ولحمها، ذلك لأنه إذا كان 36% من المنازل المسكونة مشتراة عن هذا الطريق فمعناه أن البنوك تمتلك بالفعل 36% من مجموع المنازل في بريطانيا. والخلاصة: أن المنظومات الاقتصادية في العالم تنطوي علي خفايا وكوارث كامنة تتربص بالناس من حيث لا يشعرون، وفي النظريات الاقتصادية السائدة فروض ومسلمات ما أنزل الله بها من سلطان، لا يمكن أن تثبت أمام التحليل الدقيق القائم علي منطق العدل ولا أمام مبادئ الأخلاق والدين، وستظل أوضاع المحتاجين والمستضعفين في تدهور مستمر ما بقي النظام المالي والبنكي مؤسسًا علي الديون والفوائد. وإذا كان «مايكل موبثام» قد أطلعنا في كتابه «قبضة الموت» علي أطراف مأساوية من تطبيقات هذا النظام في الدول المتقدمة مثل بريطانيا وأمريكا وأستراليا فإن المأساة الحقيقية الكبري تتمثل في ديون العالم الثالث التي عالجها بتحليلاته الجزئية ونظراته الثاقبة، ويقترح لها حلولاً عبقرية في كتاب آخر له بعنوان: «وداعًا أمريكا: العولمة والديون وإمبراطورية الدولار».
إن بريطانيا مدينة بمبلغ 400 بليون جنيه إسترليني، وتبلغ ديون كندا 650 بليون دولار، وألمانيا مدينة بأكثر من خمسين بليون مارك، أما اليابان فقد بلغ دينها العام 2 تريليون دولار، وأصبح دين الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من 5 تريليونات دولار
تقول البنوك إن القروض جُعلت لخدمة العملاء، ولكن الحقيقة التي لا يتحدث عنها أحد هي أن البنوك تُقرض النقود لتعود إليها أضعافًا مضاعفة، فكأنها تخلق النقود لخدمة نفسـها لا لخــدمة العملاء
هذا المحتوى مطبوع من موقع وجهات نظر
وجهات نظر © 2009 - جميع الحقوق محفوظة