مـايكــــل مـــور.. الحـكـمــــــة والجنـــون!!



مايكل مور مؤلف وممثل ومخرج أفلام حازت شهرة عالمية وحظيت بجوائز عالمية أيضًا، عرفناه نحن من خلال فيلمه الوثائقي الذي أثارت شهرته ضجة في كل مدن العالم غربًا وشرقًا.. ذلك هو فيلم «فهرنهايت 11 9، رسم عنوانه بهذه الطريقة ليوحي إلينا بفكرة الفيلم كأنه يريد أن يقول عند هذه الدرجة من الحرارة تذوب الحقائق الخفية وراء حادثة برج التجارة العالمي في 11/9/2001. ولكن مور في هذا الفيلم يكشف لنا عن حقائق مثيرة، وعلاقات مالية وصداقة استمرت ربع قرن من الزمان بين أسرتي بوش وبن لادن. ولم تكن كتب مايكل مور أقل حظًا في الشهرة والانتشار من أفلامه.. ففي خضم الحرب الإعلامية التي شنها «جورج دبليو بوش» علي «الإرهاب» وقد تمكن من حشد تأييد شعبي ودولي وراءه ـ صدر كتاب مزلزل لمور بعنوان «رجال بيض أغبياء» يسخر فيه سخرية لاذعة من الرئيس بوش، ويتهكم علي شخصيته ويفضح أكاذيبه. فإذا بالكتاب يثير اهتمامًا جماهيريا واسعًا وتباع منه ملايين النسخ في العالم، خصوصًا في أمريكا وبريطانيا وكندا واستراليا. أما كتابه الأخير الذي سنعرض له بشيء من التفصيل فعنوانه «ديود.. أين بلادي؟!» عندما نشر في بريطانيا سنة 2004م حقق مبيعات هائلة، بلغت مليون نسخة في ثلاثة أسابيع فقط، وبذلك ارتفع إلي قمة أكثر الكتب مبيعًا.. وقد حظي بتعليقات واسعة من الكتاب والصحفيين البريطانيين الذين أذهلتهم جرأته وعفويته، حتي إن الجارديان قالت عنه: «لو لم يوجد مايكل مور هذا لكان من الواجب علي العالم إيجاده». من المعروف تقليديا أن الإنجليز يعتبرون الإنجليزية الأمريكية لغة ركيكة مقارنة بلغتهم الإنجليزية الأصلية الرصينة.. ولكن يبدو أنهم أخذوا بجرأة مور وسخريته اللاذعة وخروجه عن المألوف في التعبير اللغوي العنيف، حتي في استخدامه للحروف الكبيرة أحيانًا للتأكيد علي أفكار بعينها وتنبيه القارئ لأهميتها.. استوعب القراء الإنجليز كل هذا وسامحوا مايكل مور في كثير من تجاوزاته اللغوية والتعبيرية. مور في كتاباته وفي أفلامه ليس كاتب قصص خيالية.. حتي إنه اتخذ من الفيلم الوثائقي أداته الرئيسية في التعبير الفني.. إنه يغترف من الواقع ويغوص وراء الحقائق المستورة، ويعتمد في أحيان كثيرة علي الأرقام والإحصاءات، ولكنه يمزج هذا كله بنبرة واضحة من السخرية اللاذعة والتهكم.. وتشعر في ثنايا كتاباته بدفقات من العاطفة والانفعال ولكنه يصيب كبد الحقيقة ولا ينحرف عنها. يصف بعض النقاد مور في أفلامه بالجنون، أليس هو الصحفي الذي أقام جنازة ساخرة كتب علي صندوق النعش فيها اسم رجل مريض كان قد تقدم إلي مركز للعناية الصحية بطلب لإجراء عملية نقل كلية لإنقاذ حياته لأنه فقير فرفض طلبه.. وضع مور النعش أمام المركز وشرع يتلقي العزاء، وجاءت الصحافة والإعلام تسجل الواقعة مما اضطر المركز ـ منعًا للفضيحة ـ أن يوافق علي العملية.. وهو مخرج فيلم Bowling for Columline الذي ذهب فيه إلي محلات «كي مارت» ومعه طفلان لا تزال في جسميهما رصاصات أطلقت عليهما عشوائيا، فالأسلحة النارية متوفرة لدي الأمريكيين حتي الصبيان منهم ـ ذهب مور ومعه الطفلان ليطلب من «كي مارت» إرجاع هذه الرصاصات واسترجاع ثمنها.. وكانت النتيجة أن محلات كي مارت توقفت نهائيا عن بيع المقذوفات النارية. أما كونه سياسيا نشطًا ومجادلاً قوي الشكيمة وصحفيا جسورًا فإن مايكل مور يشغل حيزًا متميزًا في الإعلام الأمريكي.. ليس لأنه معارض فقط، ففي أمريكا أصوات معارضين كثر وإن كنا لا نسمع عنهم كثيرًا.. ولكن حاز علي هذه المكانة المتميزة لأنه يقول ما يفعل ويفعل ما يقول، ويتطابق كلامه دائمًا مع أسلوبه في التعبير سواء في التليفزيون أو في أفلامه أو في كتبه، ويبدو في كل أعماله كأنه فرقة كاملة لا فرد واحد.. وفي هذا السياق يقول عنه «جاري يونج» من «الجارديان» البريطانية: «مايكل مور يعمل وكأنه جوقة في شخص واحد بلا مجموعة تسانده بالصوت أو العزف». وهذه نقطة مهمة ندع جاري يونج يوضحها لنا بتفصيل أكثر، حيث يقول: «إن لمور نظراء في النقد والتهكم في الجناح اليميني ولكن لهؤلاء الصحفيين جوقة تساندهم في الإدارة الأمريكية وفي الكونجرس والإعلام، كما أن له نظراء في بريطانيا من اليساريين والثوريين.. ولكن هؤلاء يتحركون ضمن شبكة ليبرالية راسخة التقاليد في بريطانيا.. يدعمها فهم جماهيري يتذوق إنشادهم ويعزز مواقفهم النقدية».. أما مور فلا يستند إلي مناخ ثقافي مماثل، ولذلك يبدو وكأنه ظاهرة غريبة في ثقافة أمريكية لم تنتج أمثال «جون بلجر» أو «بول فوت» أو «توني بين».. ثقافة لم يقدر لها ـ عبر التاريخ ـ أن تنتج حزبًا للعمال، فحزب الجمهوريين وحزب الديمقراطيين في نظر مايكل مور نفسه ليسا إلا وجهين لعملة واحدة غايتهما النهائية هي خدمة المصالح الرأسمالية لنخبة مسيطرة علي الاقتصاد والمال والسياسة والصناعة جميعًا. ومن هنا كان علي «مور» أن يسلك إلي الجماهير طريقًا آخر: أن يثابر علي إطلاق صيحات مدوية شديدة الإخلاص صادقة المنزع لعلها تصل إلي الجماهير التي غيب عقلها الإدمان علي إعلام مضلل استنزف وعيها بسيل من الأكاذيب والأخبار والصور المفبركة، فيما يسمونه بـ «صناعة الرأي العام»! ظل مور يطرق الآذان بصيحات عالية الرنين.. كان من أعلاها وأوفرها حظًا في جذب الانتباه إليه كتابه «رجال بيض أغبياء» ثم فيلمه الوثائقي «بولينج فور كولبين».. هذان العملان رفعاه علي أكتاف مجموعة كبيرة من الجماهير المحبة، ليخترق الأسوار الحصينة في عالمي السياسة والثقافة والتي كانت تحول بينه وبين الوصول إلي جمهور أوسع من الأمريكيين، الذين يكنون في قلوبهم رفضًا ومقاومة، ولكن كانت أصواتهم خافتة وصفوفهم مشرذمة، وكان هذا بالنسبة لمور نصرًا سياسيا وليس مجرد إنجاز شخصي. صدر كتاب مور «رجال بيض أغبياء» في لحظة بدا فيها الرأي العام الأمريكي والعالمي محتشدًا خلف بوش، فكان بمثابة الطلقة الأولي في صدر أكبر أكذوبة في التاريخ.. ومن ثم نهض كتاب السلطة وكلابها الحارسة، يحطون من قيمة الكتاب ويستهزءون بصاحبه.. فوصفه بعضهم بأنه «تشومسكي الأطفال».. ولكن الناس لم يستسيغوا هذا النقد لأنهم يرون الحقيقة أمام أعينهم، فتشومسكي علي ذيوع شهرته تصل كتبه إلي عشرات الآلاف من القراء، أما «مور» فإنهم يرونه يصل ـ من خلال كتبه وأفلامه ــ إلي عشرات الملايين. ونستطيع باطمئنان أن نقول إن أعمال مايكل مور كلها في السنوات القليلة الماضية كانت كلها حملات ناقدة لسياسات بوش وبطانته الحاكمة، وأنها أثارت موجات إعلامية حامية الوطيس بين المؤيدين والمعارضين.. ثم جاءت رحلاته داخل الولايات المتحدة وفي بريطانيا لتضيف إلي هذه الحملات وقودًا من القوة والحيوية.. ولتفسح له مجالاً أوسع للتواصل الشخصي والمباشر مع قطاعات كبيرة من المثقفين والجماهير في كل مكان.. وأثناء رحلاته في بريطانيا دعا البريطانيين لكي يقوموا بواجبهم لحمل حكومتهم علي شن هذه الحرب لولا تشجيع توني بلير له.. أما «مور» فقد رأي أن رسالته الأولي في بلاده هي أن يقوم بتثوير الشعب الأمريكي ضد نزعات حكومته الإمبريالية وإجبارها علي وقف حربها علي الإرهاب المزعوم.. لأنه يؤمن أن الإرهاب الحقيقي هو الإرهاب الأمريكي للشعوب الضعيفة، وأن هذا الإرهاب هو الذي أحدث ردود أفعال مقاومة بين الشعوب المغلوبة علي أمرها في مواجهة الغزو الأمريكي. الذين حضروا احتفالات الأوسكار لسنة 2003 لاحظوا أن الأوسكار في ذلك العام كان يفتقد البهجة والإبهار المعتادين، فقد جاء الاحتفال بعد ثلاثة أيام فقط من الغزو الأمريكي للعراق، ولعل هذا كان هو السبب الذي جعل منظمي الاحتفال يهملون بسط السجادة الحمراء.. وجعل عددًا من الفنانين والفنانات يحجمون عن دخول قاعة الاحتفال، ولم يعْن الذين حضروا بارتداء الأزياء الجديدة المبهرة.. فقد كان الاعتقاد المسيطر عليهم أن المناسبة لا تحمل مظاهر الفرح والبهجة، في وقت كان الشبان الأمريكيون في طريقهم إلي مذبحة العراق ليموتوا أو يقتلوا العراقيين في بلادهم. توجه أحد المسئولين إلي الفنانين الذين وقع عليهم الاختيار في القاعة لنيل الجائزة حتي يستعدوا ويتنبهوا عند نداء الأسماء.. عندئذ علم مور بأنه أحد المرشحين، ومالت «كاثلين جلين» زوجة مور علي أذنه تهمس له: هل أعددت كلمة لهذه المناسبة؟ فأجاب مور: طبعًا لا، فأنا لم يخطر ببالي أن أكسب هذه الجائزة. والحقيقة أن الخبر كان مفاجئًا له.. ومن ثم لم يفكر في إعداد كلمة. يقول: عندما تلبست بالموقف كان كل ما في ذهني أن أقول شيئًا عما يجري علي الساحة السياسية في الآونة الأخيرة.. ولكني لم أكن أعرف حتي هذه اللحظة ماذا أقول! إنه نفس الشعور الذي انتابني من قبل في مناسبة مماثلة وأنا أتوجه إلي المسرح لاستلام الجائزة.. كنت أنظر حوالي وأري تحت الأضواء المتدفقة حشدًا من كبار القوم والنجوم.. عيونهم جميعًا معلقة بالمسرح تتابع صعود الفائزين واحدًا بعد الآخر.. شعرت وقتها أن علي أحد كتفي ملاكًا وعلي الآخر شيطانًا.. يقول لي الملاك: مايكل.. اشكرهم فقط ثم ألق إليهم بقبلة وانزل من المسرح بسلام.. ولكن الشيطان كان يوسوس لي: لا يا مايكل.. أمامك واجب عليك أن تؤديه.. فيعترض الملاك قائلاً: إنها لحظته التاريخية.. لحظة الأوسكار.. اعتصر نفسك حبًا».. في هذه المرة شعرت بأن كل عظمة في بدني كانت توّاقة لأن أقول ــ بحب شديد ــ شكرًا لكم.. ثم أنصرف.. ولم يزل مور متحيرًا تتنازعه الأفكار المتعارضة حتي اقترب من الميكروفون.. وفجأة وجد نفسه يردد عبارات انبثقت علي الفور من ذاكرته.. قال مور: «لقد أصبحت الأفلام غير الخيالية بالغة الأهمية.. وذلك لأننا نعيش في زمن تنتج فيه الانتخابات الأسطورية رئيسًا أسطورة.. إننا نعيش في زمن يحكمنا فيه رجل يرسلنا إلي جبهة الحرب لأسباب أسطورية». وهنا ضجت القاعة بالضحك، فقد كانت الإشارات واضحة الدلالة.. وإذا بمور يفجر قنبلته الشهيرة التي عبرت القاعة لتصل إلي أسماع العالم بأسره.. صاح مور قائلاً: إننا ضد هذه الحرب العبثية المشتعلة في العراق.. عار عليك يا مستر بوش.. عار عليك ألف مرة..! وإذا كانت كلمة مور هذه في حفل الأوسكار تكشف لنا الكثير عن شخصيته فإن ردود الأفعال عليها تكشف لنا عن المزاج السياسي الذي كان سائدًا في ذلك الوقت.. فقد انهالت عليه سهام النقد والسباب المقذع من كل جانب وفتحت عليه وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمنظورة أبواب جهنم.. ولكنه لم يكن ليعبأ كثيرًا بحملات التشهير والسباب التي وجهت إلي شخصه بقدر ما كان قلقه علي أحبائه وأقرب الناس إليه أنه عرضهم لمخاطر لم تكن منظورة.. فخلال الأسابيع والشهور التي أعقبت حفل الأوسكار لم يمر يوم إلا وقد تعرض له شخص ما في الطريق بالأذي.. يقول: وأنا سائر في الطريق أفاجأ بشخص لا أعرفه يعترض طريقي صارخًا في وجهي ليختلق مشادة معي، فإذا لم أستجب لمشاغبته انطلق لسانه بالشتائم والسباب الجارح، وفي مطار «لوجارديا» بنيويورك اقتربت مني سيدة وقالت لي كان ينبغي أن تنفي من البلاد.. وفي الطائرة رفض رجل أن يجلس بالمقعد المجاور لي». أما منزله في متشجان فقد تعرض لعمليات تخريب عدة مرات، ووضعت لافتات كبيرة علي كل الأشجار أمام المنزل مكتوب عليها بالبنط العريض «خائن»، وهكذا انفتحت علي مور أبواب الجحيم. مع كل ذلك عندما ينظر مور إلي الوراء لا يشعر بالندم علي ما قال، ويحمد الله أنه لم ينشغل بإخراج أفلام عن الطيور والحشرات والروايات التافهة حتي يتجنب السياسة وينجو بنفسه، وإنما توجه بأفلامه إلي المعترك السياسي ليخوض فيه بجرأة غير عابئ بالعواقب. يقارن مور بين حال أمريكا في عهد بوش وبين ألمانيا سنة 1936 فيجد تشابهًا عجيبًا بين الحالتين لا يمكن إنكاره.. إنه لا يشبه بوش بهتلر، ولكنه يعتقد أن التشابه يأتي من ناحية حالة الديمقراطية الأمريكية التي أصبحت في أزمة حقيقية بسبب سلوك بوش وتوجهات إدارته الفاشية.. ويري تماثلاً واضحًا بين هذه الحالة وبين ما حدث في ألمانيا خلال السنوات التي أعقبت حريق الرايستاخ الألماني.. يقول مور: «لقــــــد اســـــــــــتغلت إدارة بـــــــــــوش حـــــــــادثة 11/9/2001 لتبرر اختراقها لدستورنا وحرياتنا المدنية.. وأنا أعتقد بصدق أن وقوع مثل هذه الحادثة مرة أخري.. سوف يؤدي إلي إعلان الأحكام العسكرية وتحويل أمريكا إلي دولة بوليسية.. وينقلب كل شيء رأسًا علي عقب.. أنا لا أتحدث عن بوش وبطانته.. فهؤلاء لن يحتاجوا إلي إطلاق رصاصة واحدة، وإنما أتحدث عن ملايين الأمريكيين الذين سيهبون مطالبين بتطبيق الأحكام العسكرية، ويحاصرون كل الأصوات المعارضة ويطلبون تصفية أصحابها.. لن يحدث هذا بثورة مسلحة ولكن بهدير أصوات أمة مفزعة تملكها رعب قاتل». لذلك يعتقد مور أن الدفاع عن الديمقراطية ضد بوش وبطانته، الذين لا يكنون احترامًا للدستور أو الديمقراطية أو حرية الرأي ــ هذا الدفاع ــ عن مور ــ له أولوية مطلقة، ويجب أن يكون هذا هو موقف كل الأمريكيين الذين يدركون حقيقة ما تبينه بطانة بوش من شر للديمقراطية. ومن ناحية أخري يؤكد مور أن الشعب الأمريكي في عمومه شعب طيب والأمة في أعماقها أمة عادلة منصفة.. ولكن نقطة الضعف عند الأمريكان هي سذاجتهم وميلهم إلي تصديق حكوماتهم التي ضللتهم بالأكاذيب.. وواجب المفكرين والمثقفين أن يناضلوا لتوصيل المعرفة الصحيحة والحقائق إلي هؤلاء الناس. جنة الأحرار أم جنة الأغبياء: هذا عنوان الفصل التاسع من كتاب مور «ديود.. أين بلادي؟».. ضمنه نتائج استطلاعات الرأي الأمريكية التي تكشف عن انقسام ثقافي حاد بين النخب الليبرالية والمحافظة.. أما بقية الجماهير فتبدو حائرة تائهة لا تكاد تعي ما يدور حولها، كأنها قد انتكست إلي الطفولة فأصبحت عاجزة عن التفكير السليم أو التصرف بمقتضي مصالحها، ويرجع هذه الحالة المزرية إلي الإعلام الأمريكي المضلل وإلي القيادات السياسية والدينية السيئة التي أقنعت الناس بأن العراق كان علي صلة بالقاعدة وبأحداث 11 سبتمبر 2001م.. ثم يتساءل: لا شك أنهم مضللون، فهل هم أيضًا أغبياء؟ ثم يرد علي تساؤله متعجبًا: إذا لم يكونوا أغبياء فكيف نفسر إيمانهم بأنهم ما داموا يعيشون في أقوي دولة بالعالم فإن من حقهم أن يسيطروا علي الدول الأضعف، وينهبوا ثرواتها الطبيعية.. ومن ثم يحصلون علي بترول رخيص ويحافظون علي مستوي معيشي مرتفع.. بحسب فهم هؤلاء الناس: إذا أصبح العالم أكثر عدلاً فإن الأمريكيين يصبحون أكثر فقرًا!.. فهل وصلوا إلي هذا الفهم لأنهم مضللون فقط؟! يثير مور نقطة مهمة وكأنه كان يتنبأ بفوز الديمقراطيين الذي حدث في انتخابات 2006م.. يقول: «لقد خيب الحزب الديمقراطي أمل الكثير من الأمريكيين في الانتخابات السابقة.. وهم لم يستوعبوا هذا الفشل بعد.. ولكني شديد التفاؤل، فأنا أعتقد أنه إذا توفرت للناس المعرفة الصحيحة وتولي قيادتهم أناس مخلصون ليس أكبر همهم تحقيق مصالحهم الشخصية.. أناس يؤمنون بما يقولون ولديهم الجرأة الكافية ــ فسوف يحقق الديمقراطيون أغلبية تسمح بحملهم إلي مقاعد الكونجرس أولاً ثم إلي البيت الأبيض في مرحلة لاحقة». وفي حياته الاجتماعية لا يكاد مور يكف عن الضحك والإضحاك حتي لتظن أنه لم يعرف الجد أبدًا.. ولكنه في أعماله الفنية والفكرية ومنها السياسة ــ يمزج بين الجد والسخرية.. وعندما يكتب يصور بكلماته الساخرة الأشخاص والمواقف كأنه رسام كاريكاتير.. وهو يدخر أشد ما في جعبته من تهكم ونقد ساخر للشخصيات القيادية.. فكلما ارتفع موقعها في سلم القيادة كلما كان حظها من السخرية أوفر.. ورغم التزامه في كتاباته السياسية بالحقائق الموضوعية إلا أنه عادة ما يعبر عن أفكاره بأسلوب عاطفي حتي ليشعر القارئ بتسارع نبضات قلبه وارتفاع نبرة انفعالاته، وهنا تتفلت منه الكلمات والعبارات غاضبة جارحة كالرصاص المنطلق فلا يعبأ بكبحها.. ربما لأن مور يعتبر نفسه صاحب رسالة، لذلك فهو لا يكتفي بالإقناع فقط، وإنما يحاول التأثير في جمهوره لحفزه علي الفعل والثورة علي الواقع. وهو في كل الأحوال ليس مستبدًا برأيه ولا متغطرسًا، وعادة ما يقبل علي الحوار بعقل مفتوح. وأفكار مور واضحة ومباشرة إلا أنها تفتقر في بعض المواقع إلي العمق.. وقد اعترف هو بذلك فقال: «إنني لازلت أفكر وأطور في أفكاري». لقد شغلت القضية الفلسطينية عقل مور بقوة حتي إنه أهدي كتابه إلي «راشيل كوري» الأمريكية الشابة التي سحقها جندي إسرائيلي بدبابته عندما وقفت أمامه تمنعه من هدم منزل فلسطيني.. ومع ذلك لم تحظ هذه القضية إلا بصفحة واحدة من كتابه.. وعندما سأله «جاري يونج» عن سبب هذا القصور قال مور: «إنني رغم انتقادي المختصر للتصرفات الإسرائيلية اعترض علي الناشر وقال لي بأنه كان نقدًا شديد القسوة! وسبب هذا الموقف أن معاييرنا في الولايات المتحدة بالنسبة لإسرائيل تختلف عن معاييركم في بريطانيا.. فالإعلام الأمريكي يتجاهل تجاهلاً تامًا كل ما ترتكبه إسرائيل من أخطاء وجرائم.. وفي نفس الوقت يضخم كل ما يقع عليها من اعتداءات ويتوقع الجميع منك أن تسير علي نفس هذا الخط من التفكير»، ثم أضاف مور: «سوف تجد هذا النقص عندي في فيلم «بوليج فور كولمبين» فقد أتيت علي تاريخ العنف الأمريكي في أنحاء العالم، ولكنني تجاهلت تمامًا ما فعلناه في الشرق الأوسط عندما اتصل الأمر بالإسرائيليين والفلسطينيين». وربما يهم القارئ أن يعرف أن مور قد أصبح من الأغنياء، فقد جاءته الثروة في سن متأخرة من بيع كتبه وأفلامه الناجحة.. ورغم ثورته فإنه لايزال بسيطًا شديد التواضع، ويفسر هو ذلك بأنه ظل محافظًا علي أصدقائه السابقين الذين عرفهم منذ نعومة أظفاره، وقد نشأ في بيت متواضع لأسرة من الطبقة العاملة.. ولم تطرق الشهرة بابه ولم تهبط عليه الثروة إلا بعد بلوغه سن الخامسة والثلاثين، عند هذه السن تكون أوضاع الإنسان الاجتماعية قد تم تشكيلها واستقرارها وتحددت دائرة الأصدقاء فيها.. أما الإضافات اللاحقة مهما اتسعت دائرتها فيمكن إطلاق صفة الزمالة أو المعارف عليها.. لذلك لم تغير الشهرة ولا الثروة من سلوكه أو مواقفه، فهو حسبما يعترف.. يقول: «لقد قلصت احتياجاتي المادية في الحياة إلي أضيق الحدود، ولا أجد في نفسي الرغبة في أشياء كثيرة، مما يستهوي الآخرين.. فأنا رجل لا أتعاطي الخمر ولا حتي القهوة.. ولكن أهم ما حققته النقود لي أنها أعطتني مساحة واسعة من الحرية والاستقلال في مجالي السياسة والصحافة.. فلأني أملك هذه الثروة لا أحد يستطيع أن يأتي إلي ويقول: عليك أن تحذف هذا الجزء من فيلمك أو من كتابك.. لأنني حينئذ سوف آخذ الكتاب وأنشره علي نفقتي الخاصة.. وسوف أصنع فيلمي كما أحب، وأقول له لا حاجة بي إلي مالك.. وهذا حلم كل شاب ينتمي إلي الطبقة العاملة في حياة حرة.. أن تملك المال الذي تستطيع به أن تقول لرئيسك عندما يحاول مصادرة حريتك: اذهب إلي الجحيم!». يقول مور عن كتابه «ديود.. أين بلادي؟»: هذا الكتاب في أساسه عن بوش وحادثة 11/9 وما يتصل بها من أمور أخري لم يتناولها الإعلام الأمريكي ولم يحاول بحثها بجدية، ومن ذلك علاقة إدارة بوش بطالبان، وما كان يدور بين هذه الإدارة وبين الأسرة السعودية الحاكمة، وعلاقة أسرة بوش الوثيقة بأسرة بن لادن علي وجه الخصوص، وهي علاقة حميمة استمرت لمدة ربع قرن علي الأقل.. وكيف استخدم بوش حادثة 9/11 ومقتل ثلاثة آلاف أمريكي فيها كستارة دخان لتنفيذ أجندة الجناح اليميني المتطرف في السياسة الأمريكية.. وتطرق إلي علاقة «توني بلير» رئيس وزراء بريطانيا ببوش، حيث اعتبره بمثابة السجادة التي كان يجب سحبها من تحت أقدام بوش حتي يتوقف عن مزيد من التورط في حرب العراق. كيف توقفون الإرهاب؟.. توقفوا أنتم عن الإرهاب!، هذا عنوان الفصل الخامس من كتاب مور المؤلف من أحد عشر فصلاً. يبدأ مور هذا الفصل بتقرير قاطع عندما يقول إن برنامج بوش للأمن القومي لن يحقق أمنًا لأمريكا.. ثم يخاطب الأمريكيين قائلاً: «إذا كنتم تريدون أمنًا حقيقيا فاستمعوا إلي نصائحي ونفذوها».. يورد بعد ذلك ثمانية عشر نصيحة يمتزج فيها الجد الصارم بالسخرية اللاذعة.. من أبرز هذه النصائح: 1 ــ عندما تقومون بانقلاب ضد زعيم دولة منتخب ديمقراطيا ــ افعلوها صح ــ فلا تفرضوا علي شعوب هذه البلاد ديكتاتورًا من صنعكم يسومها سوء العذاب كما فعلتم في شيلي وإندونيسيا وجواتيمالا. 2 ــ عندما تحاولون قتل رئيس دولة كوبا مرة ثانية تأكدوا أولاً أن السيجار الذي ستهدونه إليه محشو بنوع جيد من المتفجرات حتي لا تتكرر المهزلة! 3 ــ عندما تساعدون شركاتكم علي نهب ثروات البلاد الأجنبية فلا تنسوا أن هذا سيجعل شعوب هذه البلاد تكرهنا من الأعماق. 4 ــ لكي تكونوا جادين في دعوتكم لنشر الديمقراطية في العالم لا تحاربوا النتائج التي أفرزتها الديمقراطية في بعض البلاد.. كفلسطين مثلاً..!. 5 ــ توقفوا عن مساندة الأنظمة الدكتاتورية المستبدة لأن الشعوب لن تغفر لنا هذا الموقف أبدًا. 6 ــ عندما يقتلون مدنيين منا تقولون هذا إرهاب، أما إذا قتلنا منهم عشرات الألوف كما في العراق وأفغانستان تقولون إنها عمليات اضطرارية. 7 ــ يخاطب بوش فيقول: «عندما تعلن أن مهمتك قد أنجزت وانتهت الحرب.. كان عليك أن تتأكد أولاً.. فإنجاز المهمة لا يكون إلا بانسحاب القوات الأمريكية من العراق. 8 ــ فيم هذا الضجيج حول الأسلحة النووية!.. لقد قتلنا نحن بهذه الأسلحة أكثر مما فعلته أي دولة في العالم، وأول من يجب تدمير أسلحته النووية هو نحن. 9 ــ يجب أن نتوقف عن لعب دور شرطي العالم.. فنذهب إلي مناطق إنتاج البترول ونقول لهم ارفعوا أيديكم.. سلموا البترول! 10 ــ ماذا لو حاولنا مساعدة الآخرين؟ ماذا لو كففنا عن إرهاب الناس ونهب ثرواتهم وتسخيرهم كالعبيد لخدمة مصالحنا؟.. علينا أن نعترف بأننا نحن الذين صنعنا الإرهاب بسلوكنا الأناني تجاه العالم.. ولن يتحقق لنا أمن إلا إذا تأكدنا أن كل الناس يحصلون علي احتياجاتهم الحيوية ويحلمون بحياة أفضل.. لنتأكد علي الأقل أننا لسنا الذين يسرقون أحلامهم..! وضمن نصائح مور للأمريكيين لوقف الإرهاب في العالم تأتي نصيحته عن إسرائيل السادسة في ترتيب قائمة النصائح الثماني عشرة، يقول فيها: ربما يكون من المناسب أن تعرفوا لماذا فاض الكيل بمئات الملايين من شعوب العالم بالقارات الثلاث علي امتداد الأرض من مراكش علي المحيط الأطلسي إلي الفلبين علي المحيط الهادي بسبب ما تفعله إسرائيل في فلسطين.. كُفوا عن ترديد تلك الأسطوانة المشروخة عن «اللاسامية».. فأنا أتحدث عن حقيقة أننا نحن الأمريكيين نساند إسرائيل في حربها ضد الشعب الفلسطيني.. والآن دعونا نتساءل: من أين جاء العرب بفكرة المظلومية هذه؟ يقول مور ردًا علي تساؤله: ربما حدث هذا عندما تطلع طفل فلسطيني إلي السماء فرأي طائرة أباتشي أمريكية تطلق صاروخًا يسقط في غرفة نوم أخته الطفلة فيمزق جسدها مزقًا! بعض الأمريكيين سيقول لك معترضًا: هل يكفي هذا سببًا ليرقص الفلسطينيون في الشوارع فرحًا عندما هوجم مركز التجارة العالمي وقتل تحته ثلاثة آلاف أمريكي؟! ثم يتابع: لقد قتل كثير من الأطفال الإسرائيليين أيضًا بيد الفلسطينيين.. وأقول: ألا يجعل هذا كل إسرائيلي يرغب في إبادة العالم العربي كله؟.. ولكن الإسرائيليين العاديين فيما يزعم مور ليس لديهم رد الفعل هذا ــ فلم ذلك؟ يجيب مور: لأن هؤلاء الإسرائيليين يعلمون أنهم مخطئون وأنهم سوف يفعلون ما يفعله الفلسطينيون لو كانوا في مكانهم.. ثم يقترح مور الآتي: «هناك طريقة لإيقاف القنابل البشرية.. امنحوا الفلسطينيين بعض طائرات أباتشي قاذفة الصواريخ.. وكما تعطون إسرائيل أربعة مليارات من الدولارات سنويا أعطوا الفلسطينيين أيضًا نفس المبلغ من المال.. ثم دعوا الفلسطينيين والإسرائيليين يتقاتلون حتي يفني بعضهم البعض.. وبذلك تنتهي المشكلة.. ودعونا نستريح! يتضح من كلام مور رغم صدق إشاراته أنه لم يتعمق القضية الفلسطينية كما ينبغي له.. وربما كان هذا التناول السريع والسطحي لها وسيلة لتجنب الخوض في حقل ألغام أمريكي لا نجاة منه.. أما الفصل السادس من الكتاب فقد كنت أتمني أن يحذفه المؤلف، وإذا كان قد رأي أنه ضروري تمنيت أن يكتبه بحذق أكثر وخفة أقل.. ولكن من يعرف مايكل مور لا يستطيع أن يطلب منه هذا المستحيل، فهو يكتب أي شيء يأتي علي خاطره مهما كانت حساسية الموضوع الذي يتعرض له.. ولذلك كنت قد هممت أن أهمله فلا أتطرق إليه في عرض الكتاب.. ولكني رأيت أن هذا لا يتلاءم مع مسئوليتي تجاه القراء فحزمت أمري وحاولت أن أعرض هذا الفصل ملتزمًا بأفكاره الأساسية مستهدفًا الغاية منه متجنبًا العبارات والأوصاف النابية، واستغفرت الله أولاً وآخرًا.. كما دعوت لمايكل مور بالهداية..! تخيل مور أن الله قد تدخل أثناء تأليف هذا الكتاب ووضع هذا الفصل بنفسه، ولأن الله علمه مباشر ويقيني، فلا يمكن سؤاله عن مراجعه.. ولذلك خلا هذا الفصل من الإشارات المرجعية.. قال: دأب واحد من البشر علي إثارتي في الآونة الأخيرة بتقديم نفسه إليكم علي أنه رسولي الشخصي إليكم.. أذكركم بأنني السميع البصير الذي لا تغرب عنه مثقال ذرة في السموات والأرض.. وهذا ما سمعته من هذا الرجل الدعي: «لم يكن في إمكاني أن أصبح حاكمًا لـ «تكساس» لو لم أكن مؤمنًا بأن خطة إلهية تجاوزت كل الخطط البشرية هي التي أرادت ذلك» وقال أيضًا: «أنا أومن بأن الله يريدني أن أكون رئيسًا».. لطالما سمعت هذا البوش يدعي أنه يتصرف في الأرض نيابة عني.. وها أنا ذا أقول لكم قولاً قاطعًا: إن هذا الشخص لا يتحدث باسمي ولا باسم أي واحد هنا في السماء.. إنني عندما أريد أن أتحدث إلي البشر فإنني أبعث بنبي حقيقي بكلامي.. وأنا لم أبعث جورج دبليو بوش بأي رسالة علي الإطلاق.. إنني لم أرسله للقضاء علي صدام حسين.. ولم أرسله لمحاربة أي محور للشر.. ولم يكن من المفترض أصلاً أن يصبح هذا البوش رئيسًا أبدًا.. واعلموا أنني استجبت لدعواتكم وأزحت أباه من الرئاسة.. فلما ظهر ابنه هذا بعد ذلك بثماني سنوات استجبت لدعائكم مرة أخري فجعلت ذلك الشخص المسمي «آل جور» يحصل علي أغلبية الأصوات.. ولكن تدخلت محكمتكم العليا فأفسدت نتائج الانتخابات.. الحق أقول لكم: في بادئ الأمر لم أكن معنيا كثيرًا بهذا البوش الصغير لأنه وفق خطتي الإلهية.. مخلوق ليكون واحدًا من أبناء الذوات الذين يملأون الحفلات الليلية صخبًا ولعبًا ومرحًا.. هؤلاء الأولاد لهم أهمية كبيرة لكم لأنهم يضحكونكم ويدخلون السرور عليكم ويخففون عنكم هموم الحياة.. ولكن قد يحدث أن يقتل أحدهم شخصًا في الطريق بسيارته وهو في حالة سُكر.. وهذا قضاء وقدر..! كان جورجي الصغير هذا يؤدي دوره حسب الخطة علي ما يرام حتي وقع في أيدي من أفسدها وجعله يتوب عن الإدمان والصعلكة وإذا به يصبح حاكمًا لتكساس، ثم بعد ذلك رئيسًا لأمريكا. إنني أخاطب القلة منكم الذين لايزالون يؤمنون بي فأقول لهم: إنني الله ربكم أما هو فإنه ابن جورج بوش وليس ابن الله.. وعندما ينتهي أجله فسأجعله بين عمال النظافة الذين يشرفون علي سيارات كبار الأثرياء والساسة عندما أضع يدي عليهم وأجعلهم في نار جهنم خالدين فيها أبدًا.. إنني لم آمر هذا البوش بغزو أي دولة.. لا أفغانستان ولا العراق ولا غيرهما.. والآن كفاكم هذا الصياح الفارغ: «حفظ الله أمريكا»..! ما الذي جعلكم تعتقدون أنكم احتكرتم بركتي دون بقية البشر؟! أنا ليس عندي خيار وفقوس.. كلكم عندي سواء.. هل سمعتم أحدًا في جيبوتي يقول «حفظ الله جيبوتي» أو «حفظ الله بوتسوانا».. لا تستخدموا اسمي أبدًا لتبرير توجهاتكم العنصرية باعتقادكم أنكم أفضل مخلوقاتي.. أنتم لستم كذلك.. وفي الحقيقة أنتم مصنفون عندي بين أغبي الشعوب علي هذا الكوكب الأرضي..! لقد صرح جورج دبليو بوش في الكاتدرائية الكبري بعد أيام قليلة من حادثة 11/9 بأن رسالته الآن هي أن يطهر العالم من الشر.. واعتقد الناس أنه سيفعل ذلك.. ولكنه لم يفعل ولن يفعل.. فإذا كنتم تريدون حقًا أن تتخلصوا من بعض الشرور فابدأوا بأنفسكم أولاً: إن ترككم للناس هائمين في الشوارع بلا مأوي شر.. وترك ملايين الأطفال جوعي شر وخطيئة.. إذا كنتم تريدون أن تحاربوا صانع الشر! أغلقوا علي أنفسكم أبواب غرفكم واضربوا أنفسكم لمدة ساعة ضربًا لا هوادة فيه.. ثم اخرجوا جميعًا لهزيمة ذلك الشرير القابع في البيت الأبيض الكبير.. هذه هي رسالتي إليكم فإن تقاعستم عن تنفيذها فسأشويكم في ناري بلا رحمة. يتحدث مور عن الخوف ببصيرة نافذة فيقول: إذا تمكن الخوف من قلوب الجماهير البسيطة ينكسر فيهم ذلك الرادار الفطري الذي يميز بين الخطأ والصواب، وبذلك يصبح الإنسان عاجزًا عن التمييز بين ما هو حقيقي وما هو زائف.. ويعجب مور لكل هذه الافتراءات والأكاذيب التي صنعتها الحكومتان الأمريكية والبريطانية فيقول: لماذا ذهبت حكومتنا كل هذا المشوار في اختلاق الأكاذيب وتلبيس الأمور علينا لإقناعنا بأن حياتنا أصبحت في خطر؟!.. ولا يجد مور تفسيرًا مناسبًا لذلك سوي أن هذه الحكومات قد تآمرت لكي تحكم العالم وتسيطر علي موارده.. ورأوا أن ذلك ممكن فقط بتخويفنا والسيطرة علينا، ثم دفعنا لمساعدتهم في الاستيلاء علي باقي هذا الكوكب.. وقد يبدو الأمر علي هذا النحو ضربًا من الجنون المطبق.. أليس كذلك؟! وقد يبدو وكأنه سيناريو فيلم من أفلام الرعب!.. وإنه لكذلك.. فقد تملك الخوف أمريكا بعد 11/9، ووجد بوش وتشيني وأبالسة المال في وول ستريت فرصة هبطت عليهم من السماء، فانقضوا عليها كما تنقض الحيوانات الجائعة علي فريستها. ينمي المؤلف هذه الفكرة ويتابعها في مجال التطبيق العملي بتفاصيل أكثر في الفصل السابع تحت عنوان غريب هو: هوراشيو ألجر يجب أن يموت: يري مايكل مور أن أكبر نجاح لما سمي بالحرب علي الإرهاب هو أنها اتخذت كذريعة لصرف انتباه الشعب الأمريكي عن حرب الشركات علي الولايات المتحدة نفسها وعلي شعبها.. فخلال العامين التاليين لهجوم 9/11 انطلقت منظومة رجال المال والأعمال مدعومة بالمنظومة الحاكمة في البيت الأبيض ــ تعربد بوحشية لتطرح الملايين من الأمريكيين أرضًا وقد جردتهم من مدخراتهم ونهبت معاشاتهم وحطمت آمالهم في حياة كريمة.. فلما ضج الناس بالشكوي كانت إجاباتهم أكثر استفزازًا من صنيعهم.. فقد تنصلوا من مسئولياتهم ونسبوها إلي الإرهاب تارة وإلي إدارة كلينتون السابقة تارة أخري، بل قلبوا لنا ظهر المجن وقالوا: بل لوموا أنفسكم فأنتم السبب فيما لحق بكم وأنتم السبب في الأزمة الاقتصادية.. والحقيقة ــ فيما يري مور ــ هي أن الشركات الجشعة والحكومة المتواطئة معها هما السبب فيما لحق بأمريكا من أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية.. وهنا يصيح مور قائلاً: يا أصدقائي.. الشركات لديها خطة مشتركة لاغتيالكم.. إننا أمام كائنات بشعة تسعي للسيطرة علي حياتنا ومصائرنا.. وإذا استمر الأمر علي هذا المنوال فلسوف تصل بنا الحال إلي أن نقسم قسم الولاء لا للوطن ولا للعلم الوطني، وإنما لجنرال موتورز وسيتي جروب وجنرال إليكتريك.. ولن يبقي سوي أن يتخذ هذا الأمر الواقع صيغة قانونية حيث يتم إعلان اسم السلطة الجديدة في الولايات المتحدة لتكون «الشركات الأمريكية المتحدة». يؤكد مور أن هذا التحول «يحدث تحت أنظارنا ونحن لا نحرك ساكنًا وكأن الأمر لا يعنينا».. وهنا يصل إلي نقطة بالغة الأهمية مفادها كما يقول: «هو إننا نعطي كل يوم نوعين من العقاقير لهما قدرة فائقة علي تخدير وعينا، بينما هم يقومون بنهب أموالنا ويتلاعبون بمصائرنا».. تأثير هذين النوعين من المخدرات هو إحداث الخور والتقاعس والشعور بالاستسلام الكامل.. أحدهما هو الخوف والثاني هو ما يسميه مخدر «هوراشيو ألجر».. أما الخوف فقد أشرنا إليه وألمحنا إلي وظيفته وكيف تستغله الشركات الجشعة في قهر الناس واستنزافهم.. ويتحدث مور في هذا السياق علي لسان هذه الشركات فيقول: «إن هناك أناسًا أشرارًا إرهابيين متعطشين لدمائكم، ويجب أن تضعوا فينا نحن قادة الشركات ثقتكم، فنحن أقدر علي حمايتكم وخدمة مصالحكم، ولأننا نعرف ما يضركم وما ينفعكم.. فلا تسألونا كثيرًا عما نفعل.. عليكم فقط أن توقعوا بالموافقة دائمًا علي قوانين تخفيض الضرائب عنا.. ولا تعارضوا عندما نقلص الخدمات الصحية أو نرفع أسعار المساكن.. وإذا لم تغلقوا أفواهكم ثم تصطفوا خلفنا طواعية أو كرها، فسوف نطردكم من وظائفكم، ثم حاولوا البحث عن مصدر آخر لتوفير العيش لكم ولأسركم إن استطعتم!.. فلن تجدوا أمامكم في نهاية المطاف إلا أن ترفعوا راياتنا وتهتفوا معنا: بالروح بالدم نحن وراءك يا ريس في حربك علي الإرهاب»! أما النوع الثاني من المخدرات فهو أسطورة «هوراشيو ألجر».. وكان هوراشيو هذا أحد كُتاب القرن الثامن عشر الأمريكيين.. اشتهر بكتابته القصصية التي عرض فيها شخصيات من الطبقة الكادحة استطاعوا بكفاحهم وجهودهم أن يحققوا لأنفسهم ثروات طائلة ويرتفعوا إلي أعلي الطبقات الاقتصادية والاجتماعية. والرسالة التي تروج لها قصص «هوراشيو ألجر» هي أن الأرض الأمريكية منجم فرص لا ينضب، ويستطيع كل إنسان أن يغترف منه إذا اجتهد.. يقول مور: «لاتزال هذه الأسطورة تداعب خيال كل الأمريكيين حتي اليوم.. وقد رأت النخبة الغنية المسيطرة أن تستخدمها جزرة تلوح بها أمام الطبقات العاملة، حتي لا يرتفع صوتها بأي معارضة للامتيازات والصلاحيات التي يحصلون عليها من الدولة.. بحيث تنتقل إليهم السلطة الحقيقية في البلاد تدريجيا، إلي أن يتمكنوا من السيطرة الكاملة عليها.. بينما الطبقات العاملة مستمرة في استرخائها تجتر أحلام الثروة بلا معارضة، عسي أن يأتي يوم ويتحقق فيه هذا الحلم.. وعندئذ يمكنهم أن يشاركوا في الاستمتاع بهذه الامتيازات». ويري مور أن تأثير هذا الحلم علي الطبقات العاملة بالغ الخطورة، فعندما فتح الأغنياء الطريق سهلا أمام الأغبياء للمضاربة بمدخراتهم في البورصة، وأغروهم بشراء الأسهم للمشاركة في هذه اللعبة المربحة.. وضع الأغبياء كل ما لديهم من مدخرات وراحوا يلهثون وراء السراب، بينما يحثهم الأغنياء علي شراء مزيد من الأسهم.. وفي نهاية اللعبة تحولت هذه الأموال إلي جيوب الأغنياء.. وهبطت الكارثة فجأة علي الفقراء وإذا بكل مدخراتهم تتبخر في الهواء. لقد ذهبت هذه المضاربات بأكثر من أربعة تريليونات دولار هباء، كما ضاع فيها تريليون دولار من صندوق معاشات العمال.. والغريب أنه بعد هذا كله.. وبعد أن حصد الأغنياء كل هذه الأموال يحصلون من الكونجرس علي موافقة جديدة لتخفيض ضرائب الشركات. ويعلق مور مخاطبًا الأمريكيين قائلاً: أيها السذج المخدوعون إنهم لن يتركوا لكم حتي أطباقهم الفارغة كي تلعقوها! كتاب مور حافل بالوقائع المذهلة والقصص المثيرة عن جشع أصحاب المال والشركات الأمريكية.. وتلاعبها بالناس.. ويكشف عن أسرار وفضائح الشركات التي جري التعتيم عليها في الإعلام الأمريكي.. في هذا السياق يتحدث مور مثلاً عن أسرار انهيار شركة إنرون وعن علاقاتها الوثيقة بالرئيس بوش ونائبه ديك تشيني.. كما يتحدث عن أشياء أخري يصعب علي العقل، بل الخيال استيعابها، منها ــ علي سبيل المثال ــ أن بعض الشركات اخترعت للعاملين فيها وثيقة تأمين تدفع أقساطها من أجورهم، ولكن لا تصرف قيمتها عند وفاة العامل لورثته، وإنما للشركات ليتمتع بها الرؤساء الكبار ولينفقوا منها دون حسيب أو رقيب.. هذه الوثيقة تسميها الشركات «وثيقة تأمين علي موتي الفلاحين»! يقول مور معلقًا: «انظر.. أنت عندهم لست أكثر من فلاح أجير.. وحياتك لا تساوي عندهم شيئًا، فأنت ميت عندهم أفضل منك حيا..!». هكذا يمضي مايكل مور في محاولته لإيقاظ الأمريكيين من حلم الثراء الذي لا يتحقق أبدًا للفقراء.. ولحشد صفوفهم لتحطيم أسطورة أخري، هي أسطورة الأقلية الفاشية من الجمهوريين الأصوليين، الذين يسيطرون علي البيت الأبيض فهم لا يمثلون غالبية الشعب الأمريكي الذي يميل إلي الفكر الليبرالي وإلي التسامح والرغبة في مساعدة الآخرين.. يحاول مور في كتبه وأفلامه جميعًا تغيير أفكار الأمريكيين وحفزهم علي العمل لتغيير الإدارة الإمبريالية المتعصبة، وإحلال إدارة أخري ليبرالية تمثل إرادة الشعب الأمريكي متحررة من الخوف والخنوع.. وهذه هي الرسالة التي حملها مور علي عاتقه، وعبر عنها بأساليب إبداعية في كتبه وأفلامه، التي حازت من الانتشار والشهرة درجة لا يمكن لمثقف جاد معني بالقضايا العالمية أن يتجاهلها.
كان علي «مور» أن يسلك إلي الجماهير طريقًا آخر: أن يثابر علي إطلاق صيحات مدوية شديدة الإخلاص صادقة المنزع لعلها تصل إلي الجماهير التي غيب عقلها الإدمان علي إعلام مضلل استنزف وعيها بسيل من الأكاذيب والأخبار والصور المفبركة
قال مور: «لقد أصبحت الأفلام غير الخيالية بالغة الأهمية.. وذلك لأننا نعيش في زمن تنتج فيه الانتخابات الأسطورية رئيسًا أسطورة.. إننا نعيش في زمن يحكمنا فيه رجل يرسلنا إلي جبهة الحرب لأسباب أسطورية»
هذا المحتوى مطبوع من موقع وجهات نظر
وجهات نظر © 2009 - جميع الحقوق محفوظة