![]() |
|
|
|
الفلسطيني الأخيـر.. «حماس» و«الجهاد الإسلامي» يدركان جيدًا أن برنامج «أبو مازن» غير متناغم مع برنامجيهما وأنه يرفض العنف ووجود الجماعات المسلحة. لكنهما «حماس والجهاد» عاشا معه من قبل، وعلي ثقة أن بإمكانهما فعل ذلك ثانية، و«يعرفان» أن أسلوبه هو التعاون أو التحييد وليس التحطيم، وأن إسرائيل لن تمنحه فرصة عادلة وأنه سوف يفشل، وأن باستطاعتهما الانتظار إلي جولة مقبلة والاستفادة من لحظة استرخاء طال انتظارها. وفيما يتعلق بالولايات المتحدة، إسرائيل، أوروبا، والدول العربية، فاليقين أن «أبو مازن» لا يؤمن، وحسب، بالأجندة التي يتمسكون بها جيدًا: وقف الهجمات المسلحة، بناء المؤسسات الفلسطينية، تأكيد حكم القانون، بل ينظر إلي «أبو مازن» أيضًا، وبأهمية أكبر باعتباره الفلسطيني الوحيد القادر إلي حد بعيد علي تنفيذ هذه «الأجندة». وسط هذا العدد الكبير من الدوائر المحلية والدولية هناك قلة من الموالين المخلصين لرؤيته، والكثرة هم هؤلاء الذين يأملون أنه، في نهاية المطاف، سيري الأمور علي طريقتهم. لكن «أبو مازن»، وفي الوقت الحاضر، لديه كامل الحرية ــ نسبيا ــ لكي يقول ويفعل ما يراه علي طريقته. إنه، بلا شك، أكثر حرية مما يتوقع هو، أو يتوقع الآخرون، لأنهم هم الذين جاءوا إليه، ولم يذهب هو إليهم، والمراكز المتنافسة علي السلطة، والتي وجدت من قبل، تبقي كامنة في الوقت الحالي وغير راغبة في، أو قادرة علي، تشكيل معارضة منظمة أو فاعلة. والأكثر أهمية أن «أبو مازن» حقق مكانته لأن توجهاته السياسية اتسقت مع الأولويات الفلسطينية الملحة: الأمن والتطلع إلي حياة طبيعية محررة من الخوف من الهجمات الإسرائيلية والجماعات الفلسطينية المسلحة، تحسينات مادية واستئناف للأنشطة الاقتصادية الأساسية، حرية الحركة والحياة دون حواجز طرق ثابتة وحظر تجوال وإهانات. ومن السخرية أن الفلسطينيين يتطلعون الآن إلي أوضاع كانت سائدة ما قبل الانتفاضة، أوضاع تعد، إلي حد بعيد، مفجرة للانتفاضة، وفي يقينهم أن «أبو مازن» هو القادر علي إرجاع الأوضاع إلي ما كانت عليه. يبدو أرئيل شارون الآن، وقد كسب الجولة الحالية في الصراع الإسرائيلي ــ الفلسطيني، وكأنه حقق طموحاته. كان هدفه، وضالته التي ظل ينشدها طوال حياته، أن يسأم الفلسطينيون صراعهم الوطني وأن يؤدي إفقارهم وقنوطهم إلي تحويل تركيزهم بعيدًا عن القضايا السياسية، إلي الاهتمامات الدنيوية الأكثر إلحاحًا والخاصة باحتياجات كل يوم. ولقد سبق أن توقع «أبو مازن» هذه المحصلة، ونادي بوقف الانتفاضة المسلحة عند بدايتها في عام 2000. محذرًا من أنها ستكون أكثر إيلامًا للفلسطينيين الذين سيكون عليهم العودة إلي المربع رقم واحد: وقف الانتفاضة وإعادة الإعمار، وهم أكثر انقسامًا ومرارة وعزلة عن ذي قبل. ويبدو «الإنهاك» الفلسطيني، في الوقت الحاضر، وكأنه يخدم أهداف الرجلين (شارون وأبو مازن)، رغم الاختلافات الحادة في نوايا كل منهما إزاء توظيف هذا الإنهاك: يري شارون أن الإنهاك الفلسطيني يقدم وسائل، مرحبًا بها، من شأنها «تفريغ» الحركة الوطنية من محتواها السياسي De politicizes أما أبو مازن فيري في الإنهاك فرصة، ومرحلة قبل أن تستطيع الأمة الفلسطينية إعادة تفعيل المحتوي السياسي علي أسس جديدة. لدي الزعيم الفلسطيني بصيص أمل في إمكانية التوصل إلي تسوية شاملة مع أرئيل شارون، رغم المسافات البعيدة الفاصلة بينهما، والتي ليس أقصرها ما يفضله رئيس الوزراء الإسرائيلي: اتفاق فصل طويل المدي يضمن، وبشكل نهائي، وضع القضايا الصعبة جانبًا، مثل قضايا الحدود النهائية، وضع القدس، ومصير اللاجئين. وفي ضوء مثل هذه النوايا المتباينة يبدو الوقت الحالي ليس بالوقت المناسب لاتفاق ثنائي بل لاتفاقيات أحادية الجانب: انسحاب إسرائيل من غزة وشمال الضفة الغربية، قيام الجانب الفلسطيني بإعادة ترتيب الأوضاع الداخلية، إعادة بناء المؤسسات، والحركة الوطنية نفسها، التخلي الكامل عن العنف، استعادة الصلات الدولية، والإعراب بوضوح عن المطالب الفلسطينية الأساسية غير القابلة للتغيير. ويعتقد «أبو مازن» أن الجانب الإسرائيلي غير المستعد الآن لمفاوضات تؤدي إلي تسوية دائمة، سيكون مستعدًا لذلك في مرحلة ما بعد شارون، وأن الشعب الفلسطيني يمكنه أن يحصد فوائد مرحلة الهدوء الذي طال انتظاره. ويظل الدعم المتوافر حاليا لرؤية «أبو مازن» دعمًا غير ثابت، وعرضة للتقلب، لأسباب تتجاوز مدي الالتزام بشخصه أو برنامجه، وتتعلق بـ «الحالة السائدة» وحالة الصدمة الراهنة بين الفلسطينيين من المحتمل أن تخبو، ويتلاشي خوفهم، ويزول عنهم الإنهاك فترتفع الأصوات بمطالب سياسية من إسرائيل مثل إطلاق سراح السجناء، وقف بناء المستوطنات، أو إنهاء الاحتلال. ومع مرور الوقت تصبح كثرة الخيارات، والإعداد كذلك، أمام «أبو مازن» مسألة حتمية. سوف ينفض من حوله الذين يؤيدونه بأنصاف قلوبهم، تظل إمكانية وجود معارضة منظمة ومؤثرة، وتكثر الدعوات المطالبة بالعودة إلي العنف. ويأمل «أبو مازن» أن يكون قدم، مع مجيء ذلك الوقت، مكاسب ملموسة ناجمة عن الاستقرار وإعمال النظام والقانون وتحسين مستوي المعيشة وحرية الحركة: تراكمات تضاف إلي رصيده السياسي وتحدث التوازن ما بين المؤيدين لبرنامجه، والمعارضين له في الدوائر الانتخابية. ويحتاج «أبو مازن» لكي ينجح إلي مساندة المجتمع الدولي، وخاصة الولايات المتحدة، لكي يتمكن من الوصول إلي ما هو أبعد من التحسينات المادية للأوضاع الفلسطينية. إن إنهاء العنف، وإصلاح المؤسسات وإعمال القانون والديمقراطية، أهداف يؤمن بها «أبو مازن» ويدرك، بعمق، أن تحقيقها هو في صالح شعبه، لكنه يري فيها ــ أيضًا ــ فائدة «إضافية» ومهمة، وهي أن يضع الرئيس بوش في اختبار ويواجهه بكلماته. ولأكثر من مرة قال بوش إن كبح جماح الجماعات المسلحة و«دمقرطة» المجتمع الفلسطيني سيؤديان إلي حل وإلي قيام دولة فلسطينية. ويري «أبو مازن» أن قيام الجانب الفلسطيني بما عليه من التزامات يعني أن تفي الولايات المتحدة بالتزاماتها وتمارس ضغطًا علي إسرائيل من أجل الاعتراف السياسي الذي يحتاجه بشدة لقيام الدولة الفلسطينية». مقالات الأعداد الآخرى
|
||||||||
© وجهات نظر. All rights reserved. Site developed by CLIP Solutions |