![]() |
|
|
|
ثقافـة اسـتباحة حقوق الملكية الفكرية هكذا أسهمت المؤسسات الثقافية الرسمية فى الوطن العربى فى تكوين شبكات القرصنة الثقافية وتنميتها وازدهارها.. فقد أثارت هذه الفرصة الثمينة التى أتاحتها المناقصات الرسمية شهية الكثيرين من الطفيليين والدخلاء ممن لا يمتون بصلة لصناعة الثقافة والنشر للدخول فى الحلبة، وتضخم عددهم، وبعد أن كانوا معدودين على أصابع اليد يستخفون بقرصنتهم خزايا فى الأقبية ومن وراء الكواليس أيام كان سوق الكتاب يقتصر على القارئ المحدود، أصبحوا يعدون بالعشرات وبالمئات، مستغلين بفعلتهم الشنيعة، أيام سوق المناقصات، يحضرون ممارساتها مختالين مفاخرين؛ بياقاتهم البيضاء وحقائبهم (السمسونايت) حتى بلغ بهم الاستخفاف بالثقافة حد انتحال الصفات العلمية (فتدكتر) بعضهم وهو لا يكاد يبين، وحق له ذلك فهو المنافس الأوفى حظًا، والمؤكد فــوزه سـلفًا، وسيطلب منه المثول أمام الوزراء ومديرى الجامعات لتوقيع العقود، وتلقى التهانى بالخدمات العظيمة التى سيؤديها لثقافة المجتمع. ولم تنفع مع المؤسسات هذه، كل التحذيرات التى وجهت إليها، لتجنب الإساءة البالغة التى تقدمها لثقافة الأمة، بتشجيعها على أكل الحقوق ووأد الإبداع، مدعية أن مسألة الحقوق قضية قانونية مردها إلى القضاء، وأن أنظمتها تنص على تحرى السعر الأرخص، ولا علاقة لها بحق المؤلف، متجاهلة أن القانون الذى ترد إليه يعدها شريكة فى سرقة حق المؤلف، متواطئة مع اللصوص فى تسهيل ارتكابهم الجريمة وتسترهم عليها، مرتكبًا أساسيا لإثم وأد الإبداع وضمور ثقافة الأمة. كل القوانين تعاقب على حيازة المسروق والتصرف به، وتعد الحائز كالسارق سواءً بسواء. 5 ـ إحباط الناشر الملتزم يجتهد الناشر الملتزم فى تحرى ثغرات الثقافة ومستجدات العلوم؛ يبحث عنها، يتصيدها، ينشئ السلاسل والموسوعات والمشاريع، ينقب عن مخطوطات التراث المتوارية فى المكتبات العامة والخاصة، يرتاد آفاق المعرفة المتجددة فى العالم، يعِدُّ فريقه للتأليف والتحرير والتحقيق والترجمة، وأجهزته للتدقيق والتنقيح والتصحيح والإخراج، يبذل ماله فى الإنتاج، يفتح مخازنه لاستقبال ما أنتـج، ريثــما تلتهمه القرائح النهمة إلى المعرفة ومستجداتها. كان كلما جاءه البشير بنبأ إصدار جديد له، يحتفى به مثل مولود جديد، يؤذِّن فى أذنه، يعُقُّ له العقيقة، يقدمه لوسائل الإعلام، يهديه لذوى الاختصاص، يعلن عنه لقرائه، يحلم بأن يطوره ويتلافى مثالبه فى طبعة قادمة وشيكة عندما يؤذِنه الخازن بنفاد طبعته الأولي. لكن الخازن لا يؤذنه بغير ضيق المخزن وعجزه عن استقبال وافد جديد، بعد أن تكدست فيه المواليد. يستنجد بمال قارون، وخزائن يوسف، وصبر أيوب، ويتمنى لو كان له عمر نوح وسفينته يحمل فيها بنات أفكاره إذا فار التنور، إلا من سبق عليه القول منهن. وفى غمرة أحلامه وأوهامه، يأتيه النذير مهنئًا: لقد رست المناقصة على فلان متضمنة ستين عنوانًا من إصداراته من كل عنوان ألف نسخة، سيطبعها الفائز المحظى، غير مبالٍ بأضعافها المكدسة فى مخازنه. وقبل أن يبتلع ريقه يأتيه نذير الشؤم بخبر مفاده أن المخطوطة التى جمعت أجزاءها من أنحاء المعمورة حتى اكتملت لك، واستنفرت لتحقيقها ثلاثة عشر محققًا، وقضيت فى إنجازها ثلاث عشرة سنة، وأنفقت عليها ثلاثة عشر مليونًا لتصدرها فى تسعة وعشرين مجلدًا، قد طبعت بكل أمانة، كما أصدرتها تمامًا، فى إيران، وسوِّقت فى باكستان، ووزعت فى المشارق، وانتقلت منها إلى المغارب، وسقط قسم منها فى بلدان الشرق الأوسط. وتتلاحق النذر: أرأيت إلى كتاب يعكف محقق من وزن ثقيل على تحقيقه سبع سنين دأبًا، ليصدر فى ثلاثة مجلدات، ثم نفاجأ جميعًا بطبعة جديدة، تحمل اسم محقق لم يسمع أحد باسمه بعد، ويكشف التحقيق عن أن مغامرًا أعطاه خمسة آلاف جنيه، ومعها سبعة كتب، لا يريد منه سوى أن يمسك ببعض المعاجم، يعبث من خلالها فيما بين يديه من الكتب، ببعض الهوامش والمعالم.. إنه مبلغ مغر لطالب ثانوية سيظهر اسمه إضافة إلى المبلغ الذى تسلّمه على سبعة كتب بوصفه المحقق الكبير، ولا يشعر بأى حرج إن هو احتفظ بكل بصمات المحقق الشهير على الكتاب، حتى بهفواته وأخطائه المطبعية. ثم ما رأيك إن حاولت أن تواكب تقنيات العصر، وتمارس النشر الإلكترونى إلى جانب الورقى، ثم تجد السوق وقد أغرق بعشرات البرامج التى تعبت بإعدادها وإنتاجها، بأسعار تكاد لا تجاوز سعر القرص (CD) الخام إلا قليلاً. يضرب الناشر الجاد المثالى المتشبث بقيم الحق والثقافة يدًا بيد، هل تصدق فيه القاعدة المالية الشهيرة (العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من التداول)، فيهجرُ الكتاب وصناعة النشر؟ هل يجارى مثل غزية إن غوت غوى وإن ترشد يرشد؟! هل ينسحب؟ هل يأوى إلى جبل يعصمه من الماء يفر بدينه من الفتن؟ 6 ـ إضعاف الوازع الأخلاقى ما أظن أحدًا ممن يسوغ لنفسه شراء كتاب مقلَّد أو برنامج منسوخ، أو حتى مجرد استخدامه، يجهل أنه يمارس اعتداءً على حق، ويقترف إثمًا، ويرتكب ذنبًا، ويستحل حرامًا، ويأكل سحتًا يستوجب منه مخافة الله ووخز الضمير. غير أن إغضاء المجتمع، وعجز القانون، وصمت أولى النهى، وتشجيع المؤسسات المعنية. كل أولئك يشكل ثقافة تساعد الفرد على إسكات ضميره كلما استيقظ فاستنكر، وعلى انتحال الأعذار الشرعية واستخدام الحيل الفقهية، ولى أعناقها لتناسب الحال: فالضرورات تبيح المحظورات، والمحظورات تباح عند عموم البلوى، فما مصير القيم إذا كان لدى المجتمع لكل محظور فتوي؟! ولماذا تقشعر أبدان الناس فى البلدان المتحضرة، إذا رأوا مثل هذه المشاهد؟ هل للالتزام بالقيم وأداء الحقوق، والوفاء بالعهود، واجتناب المحظورات صلة بمستوى التحضر؟! لا أشك فى ذلك، وقد كان لنا هذا الالتزام قبل الآخرين عندما كنا نتسنم صهوة الحضارة. 7 ـ زعزعة ثقة العالم بنا: لم يعد العالم جزرًا منعزلة.. لم يعد بوسع أمة أو شعب أن يضرب حوله ستارًا حديديا ويعيش منغلقًا على نفسه.. وإذا كان الاكتفاء الذاتى يمكن تصوره فى السلع المادية ـ على الرغم من أن هذا التصور قد تجاوزه الزمن ـ فإنه لا يمكن أن يتصور فى مجال الفكر والثقافة والمعرفة. مقالات الأعداد الآخرى
|
|||||||
© وجهات نظر. All rights reserved. Site developed by CLIP Solutions |