لا يوجد اى مقال فى السلة
 
 









2

الفلسطيني الأخيـر..

هذا الطراز من المفاوضات كان بغيضًا بالنسبة لـ «أبو مازن» الذي آمن بأن شيئًا جيدًا لن يأتي من ورائه، وأدرك أن ما يقدم في مواجهة العرض الفلسطيني هو «منتج» مضاد يغلق مجال التوصل إلي حلول وسط، أمام الفلسطينيين، ويقدم لهم آمالاً زائفة، وغير أمين بالنسبة للإسرائيليين.

إضافة إلي ذلك، اقترح أبو مازن، في ربيع عام 2000. مفاوضات سرية بين شخصيات غير رسمية من الجانبين، لكن باراك رفض وتم اختيار مسئولين من مستويات أدني لقيادة المفاوضات، في حين نأي أبو مازن بنفسه بعيدًا.

ورغم عدم ارتياحه لكيفية تقدم المفاوضات إلي وقت انعقاد قمة كامب ديفيد، كان «أبو مازن» من أشد المعارضين لانفجارة العنف التي أعقبتها. يري «أبو مازن» أن العنف غير مفيد وغير مؤثر واستهانة باستخدام أضعف الأسلحة للإغارة علي أقوي أجنحة الجيش الإسرائيلي. ينظر «أبو مازن» إلي العنف من زاوية شروط التكلفة والفوائد البحتة، ويري أن التكلفة باهظة والفوائد لا تذكر: أوقف الإسرائيليون التفاهمات، اتخذت الولايات المتحدة مواقف منحازة، أدار المجتمع الدولي ظهره، وانهارت السلطة الفلسطينية.

ويؤمن «أبو مازن»، في المقابل، بأن ما يجب أن يكون هو: مد حبال الحوار مع مختلف الجماعات السياسية الإسرائيلية، الحديث بلغة تفهمها واشنطن، وحشد العالم وراء الهدف الفلسطيني. وإلي أن يتم ذلك، علي الفلسطينيين تهدئة الموقف، استعادة النظام والقانون، كبح جماح الجماعات المسلحة، وبناء مؤسسات مركزية شرعية تتمتع بالشفافية، وفوق ذلك كله، وقف الهجمات المسلحة ضد إسرائيل. وفي تصوره أن من شأن الوسائل أن تلتقي والغايات: إذا تمكن الفلسطينيون من صناعة قضية عادلة يصبح بإمكانهم الحصول علي آذان مصغية، وأن الانضباط الفلسطيني يولد المساندة من المجتمع الدولي، ومن الرأي العام الإسرائيلي علي وجه الخصوص، وتأتي الاستجابة للمطالب المنطقية.

اعتقاد «أبو مازن» بوجوب تقديم الضغط بالمبادئ والإقناع، علي العنف، يبدو كمقامرة محفوفة بالمخاطر في نظر العديد من الفلسطينيين الذين يرون أن إسرائيل هي التي «عسكرت» المواجهة، وأن أرقام الضحايا تضاعفت، خلال الأسابيع الأولي للانتفاضة، بين الفلسطينيين وليس الإسرائيليين، وأن إسرائيل هي التي تنتهك كل اتفاق وقف إطلاق نار مبدئي يتم التوصل إليه، وأن توقف الفلسطينيين عن إطلاق النار من جانب واحد يعني التخلي عن سلاحهم ويرفع الضغط من علي إسرائيل فتمعن في المساومة.

لكن موقف «أبو مازن» يستند إلي خبرة طويلة مع إسرائيل، تعود إلي منتصف السبعينيات وقت أن شكل «ثلاثي» منظمة التحرير الفلسطينية مع ياسر عرفات وخليل الوزير «أبو جهاد». وقتها أدار «أبو مازن» اتصالات مع إسرائيليين بدأت بين نشطاء من مناهضي الصهيونية واتسعت ــ بشكل تدريجي ــ لتضم بعض عرب إسرائيل، شخصيات من اليسار، ضباط جيش سابقين من المعتدلين، وأعضاء من حزب العمل الإسرائيلي. بعد اتفاق أوسلو، وسع «أبو مازن» اتصالاته لكي تشمل قوي أقل وضوحًا في مواقفها لكنها أكثر صلة: الليكود، واليهود الأرثوذكس «التقليديون». ومن خلال هذا التبادل في الآراء والمواقف، خرج باستنتاج مفاده أن المجتمع الإسرائيلي يعاني، بين قطاعاته، من عقدة خداع، لكن لديه بساطة تزيل النقمة، وأمنيات لا تتحقق إلا بالاستقرار والأمن. وإذا تخلي الفلسطينيون عن العنف وضغطوا بالمبادئ والإقناع، فإن الإسرائيليين سيرحبون، بلا حدود، بالموافقة علي المطلوب من أجل سلام مستقر عادل. قناعة تحدث صدمة لبعض الفلسطينيين باعتبارها قمة السذاجة، لكنها تبدو، للآخرين، قمة «البراجماتية».

بعد أربعة أعوام من المواجهة المسلحة المدمرة والشاقة مع إسرائيل، ومع فقدان الزعيم الوحيد الذي يعرفه، أصيب الشعب الفلسطيني بصدمة شعر معها بالخوف والإنهاك. أصبح الجميع في حالة مزاجية ملت الحرب، وأصبح «أبو مازن» الخيار الطبيعي والوحيد للجميع. هو لم يسع إلي حشد الأنصار حوله، ولم يواجه بمعارضة تذكر، وهو اليوم الفلسطيني الأخير صاحب المنزلة الوطنية والمصداقية التاريخية القادر علي الحديث ــ بأصالة ــ باسم الجميع. أي زعيم آخر كان عليه ــ إذا أراد السلطة ــ أن يخوض غمار صراع طويل باهظ التكلفة. لهذا جاء انتخاب «أبو مازن» ممارسة للشرعية وليس مواجهة معها.

لقد التفت حوله الأكثرية صاحبة المصالح المتعددة المتباينة. الأكثرية التي كانت تخشي أن تؤدي وفاة عرفات إلي مزيد من الاضطراب، ورأت في «أبو مازن» الرمز الضامن للأمان والاستقرار. والأكثرية من الذين أنهكتهم الانتفاضة ووجدوا في «أبو مازن» الزعيم الأكثر قدرة علي تحقيق الهدوء وربما إدخال بعض التحسينات علي أوضاعهم المعيشية، والأكثرية من المقاتلين الذين تطاردهم وتعتقلهم إسرائيل ورأوا فيه القادر علي التفاوض من أجل عفو يسمح لهم باستئناف حياتهم الطبيعية. مجتمع رجال الأعمال الذي يدرك تفهم «أبو مازن» لاحتياجاته، وأنه يستطيع خلق مناخ أكثر دعمًا للمصالح التجارية. وأعضاء الطبقة البيروقراطية، التي نمت في ظل السلطة الفلسطينية، ويأملون أن يعيدهم «أبو مازن» إلي مواقعهم التي احتلوها بعد عام 1993. وبالنسبة للاجئين الفلسطينيين في الشتات، والذين يخشون تجاهل مصالحهم عند استئناف المفاوضات، فمن المؤكد أنهم يشعرون بارتياح لمعرفتهم بأصول «أبو مازن» الضاربة في مدينة صفد، (الإسرائيلية الآن)، وبسجله النضالي خارج الأراضي المحتلة، ومساندته الطويلة لحق العودة. ثم هناك هؤلاء الذين لديهم حلقات مغلقة حول الرجل الذي يعتقد بأنه المكرس من قبل الولايات المتحدة، القوة الوحيدة الموضوعة في الحسبان، والمفضل لديها الذي أصبح، بالنتيجة، انعكاسًا للمفضل المتخيل لدي الآخرين.

ومع الانسحاب الإسرائيلي، المقرر من قطاع غزة، هناك ثقة مفتقدة بين فلسطينيي الضفة الغربية الذين يخشون انفصال القطاع، وأهالي غزة الذين يخشون سعي رفاقهم في الضفة إلي تحرك يقود إلي انفصال. افتقاد ثقة وصل إلي مرتفعات جديدة، ورغم ذلك فإن الجانبين احتشدا حول أبو مازن مدركين أن مواقفه لن تمثل تهديدًا لكليهما. وقد يتوقع البعض أن يقدم الجيل الجديد في فتح علي تحدي سلطة «أبو مازن»، لكن وتيرة نقل السلطة، وإجراء الانتخابات، جنبت القيادة احتمالات الانقسام، وأظهرت أن القيادات المستقبلية الشابة تري في «أبو مازن» زعامة غير مقيدة بأي فصيل بعينه وضمانة للاستمرارية، وأهم من ذلك كله تراه أفضل قيادة انتقالية قادرة علي تهيئة الأوضاع الممهدة للوصول الطبيعي إلي السلطة. وفي الوقت نفسه، ينظر الكبار من أنصار عرفات، مثل أعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح، إلي «أبو مازن» باعتباره الضامن لمصالحهم في مواجهة أصحاب الطموحات من القيادات الشابة (القادمين الجدد).





مقالات الأعداد الآخرى
 
© وجهات نظر. All rights reserved.
Site developed by CLIP Solutions