لا يوجد اى مقال فى السلة
 
 









2

ثقافـة اسـتباحة حقوق الملكية الفكرية

أو يطلقها الطلبة فى وجه أساتذتهم الذين يربطون نجاحهم بالمقررات التى يؤلفونها لهم، ثم يستغلون حاجتهم إليها فيغالون فى أسعارها فى وضع احتكارى مزعج لطلبة لم يبدءوا حياتهم العملية بعد.

إننى أتعاطف كثيرًا مع هذه الذريعة، وأكره الاحتكار والتعسف، لكننى أتساءل بحرقة: أليست لدينا وسيلة غير القرصنة لمعالجة هذه المشكلات؟! وهل استنفدنا كل الوسائل المشروعة قبل أن نعمد إلى إهدار الحقوق وأكل أموال الناس بالباطل؟!

إن الحصر الذى تمنحه براءة الاختراع للمنتج، لا يعفى أجهزة الرقابة على الأسعار فى الدولة من واجب حماية المستهلك، ولا بد من تحقيق المعادلة بين حق الابتكار وحق المستهلك فى منع التعسف فى استعماله.

وإن تعدد المصادر والمراجع بين يدى الطلبة وخاصة فى مراحل التعليم العالى يخلصهم من ربقة احتكار المقرر الواحد، فضلاً عن تنمية روح البحث لديهم، وتوسيع آفاق المعرفة أمامهم.

أما نقل المعرفة من مظان توافرها، بلغاتها الأصلية، أو بترجمتها، فإن التفاوض والمناقشات الثنائية والاتفاقات الدولية.. كل ذلك كفيل بالحد من نزعة الاحتكار والمغالاة بالأسعار.

لقد استطاعت الهند الحصول على أذون بطبعات خاصة محدودة النطاق الجغرافى للتسويق، من كبريات دور النشر العالمية المتخصصة بالكتب العلمية، وباعتها بأسعار رخيصة جدًا بالمقارنة مع الأسعار الأصلية. كما حصل الأفارقة عن طريق التفاوض، والاستفادة من الاتفاقيات والمنظمات الدولية، على مساعدات كبيرة فى مجالات نقل المعرفة والثقافة. وإن فى أنظمة المؤسسات الدولية من الاستثناءات فى هذا المجال ما يغنى عن القرصنة، كمفهوم النشر الإجبارى والترجمة الإجبارية بالسعر العادل.

سلبيات الاستباحة

1 ـ عوز الإبداع:

إن حرمان المبدع من استثمار إبداعه، يثبطه ويجعله عاجزًا عن متابعة إبداعه، فعلام يبحث ويحلل ويورى زناد فكره، ويستقرئ ويستنتج ويبذل ماله ووقته وأعصابه لاستيلاد أفكار جديدة، إذا كان يعرف أن القراصنة يقفون له بالمرصاد، ما إن يطرح إبداعه حتى يتلقفوه ليتولوا استثماره نيابة عنه.

إن القرصان لا يتعامل مع الإبداع فى أى مرحلة من مراحله، من تأليف وتحرير وتنقيح وإعداد وتصحيح وتدقيق وفهرسة وتصميم وإخراج، إنما يسطو على العمل بعد أن يستوى على سوقه؛ يصوره، ينسخه، يمسخه، ويسوِّقه وليس له فيه إلا الوعاء الذى ملأه سحتًا ومالاً حرامًا، يستأثر بالغُنم ويترك الغُرم للمبدع خلافًا للقاعدة الشرعية المعروفة (الغنم بالغرم)، فأنى للمبدع المأكول حقه بالباطل أن يبدع؟! وما مستقبل ثقافة مجتمع يخذل مفكريه، ويغضى عن سرقة جهودهم، ويكتفى بما يقدمه له القراصنة فيها؟! أغلب ظنى أنه سيسقط فى حمأة التخلف والجهل؛ ذلك أن القراصنة كالعلق يتشبث بجسد الإبداع يمتص دمه الزكى حتى إذا بلغ منه الثمالة سقطا صريعين جميعًا..

2 ـ هجرة الأدمغة

فالمواهب والكفاءات والقدرات الفكرية رأس مال هو الأرقى والأسمى والأكثر تقديرًا وتقويمًا فى عالم اليوم، الذى يتحول بسرعة مذهلة إلى عصر المعلومات.. سرعة لم يشهدها فى أى من التحولات البشرية السابقة التى كانت تتم فى آماد أطول على الرغم من النعوت الثورية التى أطلقت عليها، فسميت ثورة زراعية، ثم ثورة صناعية، تعايشتا طويلاً، وما تزال شعوب تعيش عصر الزراعة لم تبلغ عصر الصناعة بعد.. ولديها الفرصة الآن أن تتجاوزه إلى عصر المعلومات، إن هى أعملت فكرها، ووفرت المناخ الملائم لازدهار الأفكار وإعلاء شأنها وتقديرها قدرها، وفى طليعة ذلك صونها من العبث بها وحمايتها من العدوان وتحريرها من الخوف والقيود.

وما لم يتوفر لها هذا المناخ الملائم، فإنها مثل كل طاقة ورأس مال آخر سوف تهاجر باحثة عن متنفس لها فى جو تستمتع فيه بعبق الحرية والحماية والاحترام.. ولسوف تجد على الطرف الآخر من ينتظرها ويتسابق إليها ويتودد لها ويغريها، بل إنها غالبًا ما تجد من يبحث عنها، ويرصد تفتحها منذ أن تبرعمت، فيعرض عليها خدماته؛ منحًا دراسية، وفرصًا نادرة، ويستدرجها ليستأثر بمواهبها وتفوقها من دون أهلها وأوطانها.

فإن هى تأبَّت وتمنعت، احتال لها بكل الحيل، حتى إنه ليستثمر جهدها الفكرى وهى فى مكانها، وقد تكفلت العولمة وثورة الاتصالات له باختزال الأبعاد والآماد وتجاوز كل الحدود والقيود، فأصبحت المعلومات والبرمجيات تنتقل من أقصى المعمورة إلى أقصاها عبر الإنترنت من دون جواز مرور، ولا كيان منظور يخضع لرقابة أو رسوم جمركية أو ضرائب مالية.

3 ـ المورد التجارى الأهم

تشكل تجارة البرمجيات أرقامًا مذهلة فى ميزانيات الأمم التى أسرعت فى التحول إلى اقتصاد المعرفة؛ تتضاءل إزاءها الأرقام الصناعية، بله الزراعية.. ولئن كان رأس المال فى الاقتصاد الزراعى يعتمد على خصب التربة وملاءمة المناخ، ويعتمد فى الاقتصاد الصناعى على توافر المواد الأولية ـ وذلك كله متفاوت بين الأمم ـ فإن المادة الأولية فى اقتصاد المعرفة هى الفكر، والفكر مشاع بين الشعوب، موزع بينها بالسوية، مما يضع الجميع على عتبة سباق واحدة، أمام فرص متكافئة، يحوز قصب السبق فيها كل من كان الأسرع لاغتنامها.

يقول بيل جيتس صاحب شركة مايكروسوفت، الذى ارتقى مرتبة الرجل الأغنى فى العالم: «لست أخشى منافسة أى شركة نظيرة فى العالم، إنما أخاف أن تنقدح فكرة فى ذهن ميكانيكى فى مرآب فى زاوية مهملة من العالم؛ تتجاوز أفكارى وتتفوق عليها».

لقد قررت إيرلندا التحول إلى اقتصاد المعرفة، وأعدت عدتها لذلك، فدخلت إلى عصر المعلومات من بوابة التعليم، واستطاعت خلال عقدين من الزمان فقط أن تحصد فى ميزانها التجارى لعام 2000، ستين مليار دولار منافسة بذلك كبريات الدول. وكان احترام الملكية الفكرية بطبيعة الحال مستقرًا فى ضمير شعبها، لا يسمح فرد منه لنفسه أن يمد يده إلى عمل فكرى انتهكت حرماته، ولا يطيق أن تقع عينه على انتهاك لها، فإن وقعت ونادرًا ما تقع، فسرعان ما يتطوع بإحالته إلى القانون.. فيتساند الوعى الاجتماعى الرافض لانتهاك الحقوق مع القانون الذى يقف له بالمرصاد لينزل به أشد العقوبات.

4 ـ دعم القرصنة رسميا

تطرح المؤسسات الثقافية الرسمية (وزارات وجامعات ومراكز ثقافية) مناقصاتها مشروطة بتقديم السعر الأرخص، من دون أى التفات لحق المؤلف، فهى بذلك تقررسلفًا إخراج المؤلف والناشر الأصلى من خطاب المناقصة.. فالقراصنة وحدهم المستهدفون فيها، لأنهم الأقدر على المنافسة وتقديم السعر الأرخص لأسباب عديدة، أولها: تخلصهم من عبء حق المؤلف الذى يسقط نسبة 10% على الأقل من السعر، وثانيها: تحررهم من تكاليف إعداد الكتاب أو البرامج وتصميمها وإخراجها، مما يضيف لصالحهم نسبة أخرى لا تقل عن 10% ، وثالثها: عبثهم بالمواصفات المادية للكتاب لتخفيف تكاليف إنتاجه من ورق وطباعة وتجليد.





مقالات الأعداد الآخرى
 
© وجهات نظر. All rights reserved.
Site developed by CLIP Solutions