لا يوجد اى مقال فى السلة
 
 








1

روايات الهجــرة

لم يعرف المصريون طوال تاريخهم ظاهرة الهجرة، بل علي العكس كانت بلادهم دائما مغرية بالهجرة إليها. وترصد دراسات اجتماعية بداية تجربة الهجرة مع مطلع القرن العشرين، ثم تكاثفت في نصفه الثاني،بحثا عن فرص عمل، أو الحصول علي معدلات أجر أعلي. ونشطت موجة الهجرة للخارج بعد حرب 1967 فحملت عددا من المصريين إلي دول عديدة خاصة: الولايات المتحدة وكندا واستراليا، وتبعتها موجة أشد كثافة بعد حرب 1973 باتجاه الدول العربية النفطية، حيث زادت أعداد المهاجرين زيادة كبيرة، وصلت إلي قمتها في السبعينيات والثمانينيات، وبدأ المنحني في الهبوط قليلا في التسعينيات.

وتشير دراسات إلي أن المملكة العربية السعودية تستأثر بأعلي نسبة من العمالة المصرية المهاجرة إلي الدول العربية (49%)، تليها كل من ليبيا والأردن بنسب متقاربة 18% و12% علي التوالي. وتلاحظ الدراسات حدوث تغير في نمط التوزيع الجغرافي للمصريين المهاجرين للعمل حيث كانت العراق تحتل المرتبة الأولي في نسبة استيعابها للعمالة المصرية المهاجرة قبل حرب الخليج «1990-1991».

ويرجع باحثون أسباب الهجرة إلي ارتفاع معدل زيادة السكان، وعدم قدرة سوق العمل علي استيعاب جميع القدرات البشرية الراغبة في العمل. وتشير لسوء الأوضاع الاقتصادية، ويري 23%أن هدفهم من الهجرة هو السعي بحثا عن حياة كريمة،في حين يرجع 12% السبب لبحثهم عن «لقمة العيش» والباقون يرجعون السبب إلي رغبتهم في التجربة والقيام بما قام به غيرهم.

ويؤكد باحثون أن الهجرة أصبحت أحد أنماط السلوك المصري المألوف، وأن تأثيراتها علي السياسة المصرية داخليا وخارجيا لا تحظي بالبحث والاهتمام الواجب علي الرغم من أنها شديدة الأهمية. ويري آخرون أن تأثيراتها الاجتماعية، خاصة تغيير ترتيب القيم الحاكمة،علي جانب خطير من الأهمية والتأثير في حاضر المصريين ومستقبلهم المنظور.

ينقسم المصريون في الخارج إلي: مهاجرين دائمين، ومهاجرين للعمل أو الإقامة بصفة مؤقتة.

تناول تجربة هجرة المصريين المؤقتة إلي الدول العربية النفطية عدد من الروائيين المصريين.وتقدم روايات علاء الديب: «أطفال بلا دموع-1989»، «قمر علي مستنقع-1995»، «عيون البنفسج-1999»، ورواية عبده جبير «مواعيد الذهاب إلي آخر الزمان- 2004»، ورواية محمد البساطي «دق الطبول-2005»، وجميعها صادرة عن سلسلة «روايات الهلال»، صورا شديدة الثراء والإيحاء والتعبير عن معاناة المصريين في تجارب الهجرة إلي بلاد النفط العربية، وتمثل تنويعات روائية تصلح للإجابة علي سؤال :ماذا فعلت الهجرة إلي بلاد النفط بالمصريين؟

للروائيين الثلاثة تجارب شخصية في العمل ببلدان عربية نفطية، فقد عمل البساطي في السعودية محاسبا لسنوات لم يستطع أن يكتب خلالها حرفا واحدا، وبقي بعدها لفترة تصعب عليه الكتابة، وعمل جبير رئيسا للقسم الثقافي والفني لواحدة من اكبر الصحف الكويتية عاني خلالها حالا مشابها لما عايشه البساطي، في حين كانت تجربة الديب قصيرة للغاية، وصفها بأنها «كابوسا إنسانيا وفنيا» عندما ألحق بروايته «أيام وردية-2002» سردا عن حياته بعنوان«من أوراق علاء الديب» ذكر فيه بعض معاناته في الغربة القصيرة: «طردتني الحكومة من العمل في بلاط صاحبة الجلالة مرتين بلا اتهام ولا إدانة ولا حقوق أو تعويض.. حاولت في هذه الأثناء أن أبحث عن عمل في بلاد الخليج. وحصلت علي عقد متواضع جدا، وعلي تأشيرة دخول مكتوب عليها «صالح للعمل في كل الأجواء»، وبعد شهرين بالتمام والكمال وجدت علي مكتبي خطاب استغناء عن خدماتي لمصلحة العمل والمصلحة العامة. وعدت من مغامرتي الخليجية مدينا «عرفت فيما بعد أن زميلا صحفيا قال لصاحب المال إنني من الشيوعيين الخطرين علي الأمن».. حاولت أن أعبر عن هذه التجربة وما أحاط بها في كتاب مر أسميته «وقفة قبل المنحدر» ولكن بقيت تجربة الأيام الستين رحلتي في الغربة كابوسا إنسانيا وفنيا، ليس لأنها شيء في ذاته ولكن لأنها فتحت لي مغاليق الظاهرة الرهيبة التي يعيشها ملايين المصريين الباحثين عن الرزق والمال، متنقلين في أنحاء العالم العربي بين المدن والبوادي، متحملين أنواعا غريبة من المعاملة والتعامل مما يصنع ملاحم من العذاب والتصادم والكذب. وجميعنا يبقي كلمة العرب والعروبة كيانا آخر يفقد معناه، ويزداد مستقبله غموضا وارتباكا. نكذب ولا نري ماذا صارت تعني. نكذب ولا نتحدث بصراحة، نكذب ونقول إن كل شيء علي ما يرام».

ويقدم الروائيون الثلاثة، في رواياتهم الخمس، ما يشبه «خلاصة معاناة المصريين في دول النفط» خلال ثلاثة عقود،مصريين من طبقات اجتماعية مختلفة دفعت بهم حيواتهم الصعبة في بلدهم إلي «بلاد غريبة» حيث يعانون من شروط الإقامة في بيئات اجتماعية قاسية للغاية تترك في أرواحهم وذواتهم جروحا غير قابلة للمداواة بسهولة.

يبحث الديب في رواياته الثلاث- يمكن اعتبارها رواية واحدة في ثلاثة أجزاء- في تحولات الطبقة الوسطي المصرية خلال ما يقارب نصف قرن، الطبقة التي يصفها في أوراقه بأنها: «الطبقة اللغز في تاريخنا.. صاحبة أكبر إنجازات، وأفظع جرائم» ومع ذلك الوصف المحير يري أنه رغم كل ما حل بها من مآس «فهي الوحيدة التي تملك القدرة علي التواصل والتعبير. لكنها مضطربة متناقضة تعطي إشارات متباينة لا تزيد الناس إلا إرباكا». وينصح الديب«من يبحث عن هوية لمصر، أو عن فن لمصر أن يبحث عنه خارج نطاق الطبقة المتوسطة بكل الأشكال التي أخذتها سابقا وحتي الآن».

روايات الديب الثلاث هي عن الطبقة الوسطي بامتياز منعكسة علي عائلة الدكتور منير فكار، أستاذ الأدب العربي، الذي يسرد في الرواية الأولي «أطفال...» تفاصيل ومسار حياته،من منظوره الخاص، خلال إجازة له للقاهرة من عمله في إحدي مدن النفط العربية. وتسرد مطلقته الدكتورة في إدارة الأعمال سناء فرج، في الرواية الثانية «قمر...» كيفية استجاباتها وتمردها علي تحديات الحياة التي واجهتها. في حين يقدم ابنهما تامر «الشاعر، مواليد 1975، الطالب بالسنة النهائية بكلية الآداب قسم الفلسفة، المولود في الخليج» في الرواية الثالثة «عيون..» رؤيته لما آل إليه مصير العائلة التي يصفها بأنها «تم تدمير أسرتنا من الداخل وتفرقت شظايا».




مقالات آخرى للمؤلف ناصر كامل

سبتمبر 2002


مقالات الأعداد الآخرى
 
© وجهات نظر. All rights reserved.
Site developed by CLIP Solutions