![]() |
|
|
|
قراءة نقدية في رواية حجاج أدول ![]() الفـرد ..القبيلة..الوطن لعل هذه أول رواية في الأدب العربي الحديث تقدم بدرجة عالية من الشمول والعمق والامتداد أول تشريح «فني» لمجتمع القبيلة حول هذا الجزء من حوض وادي النيل المعروف ببلاد النوبة في أواخر العهد العثماني وفي مرحلة بدأ فيها هذا المجتمع القبلي يعرف درجات من الانفتاح علي ما حوله من مناطق مصر العليا والشمال السوداني. ويلوح أن هذا التشريح الفني والأدبي يهدف إلي جلاء صورة الفرد في مرآة القبيلة، وصورة القبيلة في مرآة الفرد وفي ضميره، ففي كل ما يصدر عن شخصيات هذه الرواية من سلوك يمكن للقارئ أن يكتشف أن قيم وعادات القبيلة كامنـة ومؤثرة وفاعلـة في سلوك الفرد، وحتي في سلوك بعض الأفراد الذي يبدو ممعنا في فرديته، ومتمردا وثائرا علي القبيلة، مثل سلوك «همارين الساحر» أو «سلوك سلاطين» المتمرد الذي يصبح عمدة وزعيما للقبيلة أو «أثمان» المنفلت والهارب الذي يصبح أخيرا صانعـا للخمور ومتـاجرا فيها ضد أعراف القبيلة، فان سلوك هذه الشخصيات إنما هو خلاصة جدل عميق بين هذه الشخصيات وبين قيم القبيلة وعاداتها وتقاليدها قبولا وإذعانا أو رفضا، وتطويرا في اتجاه أن يكتسب الفرد مزيدا من الحرية المدفوعة الثمن، وان تكتسب الجماعة مزيدا من المرونة والحركة المدفوعة الثمن كذلك.كما يمكن للقارئ أيضا أن يلاحظ في كل ما يصدر عن القبيلة من أعراف وطقوس وعادات كيف أن القبيلة تفرد مظلتها الكبيرة أو عباءتها علي كل فرد فيها تحميه وترعاه، وتعاقبه وتحاسبه، وتراقبه وتوظفه وتكاد لا تسمح له بأن يفلت من قبضتها حتي في أحلامه، حتي ولو كان في قوة «همارين الساحر» أو «سلاطين» الزعيم.تقوم هذه الرواية علي بناء شبكي، فأي خيط تبدأ منه يقودك إلي بقية الخيوط. يبدأ السرد الروائي غالبا بالحديث عن إحدي شخصيات الرواية عن ابرز صفاتها، بشكل مباشر أو من خلال الموقف أو الحدث، ويتحرك بحركتها في أي اتجاه، وبالرغم من كثرة الشخصيات، وتداخل المواقف والأزمنة، فالقارئ لا يضل أبدا في غابة هذه الرواية، فالشخصيات كلها قريبة وحاضرة وتلتقي فجأة بالشخصية التي كنت تخشي أن تند عن ذاكرتك!كيف حافظ الكاتب علي هذا التوازن المدهش؟ وهذا الحضور المتوازي أو المتقـاطع بين كل هذه الشخصيات؟ هل عبقرية القبيلة التي لا يتحقق وجودها إلا من خلال هذا البناء الجماعي المدهش، فكل فرد من أفراد القبيلة لا يمكنه أن يبقي وحده لوقت يطول أو يقصر، إنه في أقصي حالات تفرده يبقي دائما جزءا من كل، وحتي حين جاءهم تاجر العبيد «بمعتوق الخير» بطل هذه الرواية، والتي تحمل اسمه، ذلك الطفل الذي هو بعض من الإنسان، وبعض من الذئبة التي أرضعتـه في الكهف، وقبل أن يلتقيه تاجر العبيد، فان القبيلة عرفت كيف تجعل من «معتوق الخير» هذا جزءا لا يتجزأ من أبنائها، جزءا يختلط في كل أطوار حياته بسداها ولحمتها، وليكون له بعد موته هذا المقام الكبير الذي يحتل مكانه إلي جوار اكبر أوليائها السابقين.الطبيعة بكل أشكالها، النهر والجبل، والشمس والقمر والنجوم، الطيور والحيوانات، والزرع والشجر، البيوت والرياح والمطر، الجن والإنس، في النهار وفي الليل وفي مختلف الفصول، كل هذا جُزء من البناء الروائي من خيوط الشبكة، كل هذا مبثوث خلال المواقف، وعبر الأحداث، كل هذا موصوف ومرصود بعيون شخصيات الرواية وعلي ألسنتهم بحيث لا يشعر القارئ بافتعال الوصف أو إقحامه بل يأتي كجزء من الحدث أو من رؤية الشخصية يكشف عنها بقدر ما تكشف عنه، الأحداث الاجتماعية في القبيلة يشترك فيها الصغار والكبار، تحرك مشاعر الصبيان والبنات والنساء والرجال، وهي جزء من الأحداث الكونية والروحية والفردية فالزمن الذي تجري فيه مثل هذه الأحداث محسوب بمواسم الفيضانات، وحصاد المحاصيل، وبما يعتري ذلك من وفرة المياه أو نقصانها، وبالتالي زيادة المحصول أو قلته وبالتالي بيسر الحياة وعسرها.هذا عالم يمسك فيه كل شيء بأطراف كل شيء آخر،وكان لابد أن يجيء البناء الشبكي لهذه الرواية ليستطيع الكاتب والقارئ أن يعيش معا هذه المغامرة التي تحاول من خلال هذه البلورة السحرية أن تمسك بالدنيا كلها أو علي الأقل أن تري بعض تجلياتها التي لا يمكن أن تلوح إلا من خلال هذه الرؤية الكلية الجزئية في الوقت ذاته.ومع أن كل شخصية في هذه الرواية تكاد تكون لها صلة بطريقة أو بأخري مع بقية شخصيات الرواية إلا أن هناك علاقات ثنائية بين بعض شخصيات الرواية تميزها، وتمنحها دلالات فريدة وإيقاعات خاصة.![]() مقالات الأعداد الآخرى
|
|||||
© وجهات نظر. All rights reserved. Site developed by CLIP Solutions |