لا يوجد اى مقال فى السلة
 
 








1

نســـاء القصــر

[ 1 ]

ليست نساء السلطة في ألف ليلة وليلة مستبدّات طاغيات فحسب، بل يوجد فيهنّ الزواني اللواتي يخنّ أزواجهنّ كلّما سنحت لهنّ الفرصة بذلك، فهنّ يخطّطن لهذه الخيانة ويحتلن علي أزواجهنّ ليذهبن إلي عشّاقهنّ، وبخاصّة إذا كانت هاته النسوة مُتَخَيلات، وغير معروفات في الواقع التاريخي، مع العلم أنّ هؤلاء الأزواج، كما يصوّرهم الرواة، أوفياء لهنّ، ومؤمنون تقاة في بعض الأحيان. ففي حكاية «الحشّاش مع زوجة أحد الأكابر»، يصوّر الراوي زوجة أحد الرجال المهمّين في حقل السلطة، بصورة المرأة الزانية التي تنتقم من زوجها شرّ انتقام، لأنّها ضبطته يزني بإحدي جواريها، إذ أقسمت يميناً بأنّها ستنتقم منه، وتزني مع أقذر الناس وأحطّهم منزلة. تقول المرأة: «اتّفق أنّني كنت أنا وإياه قاعدين في الجنينة داخل البيت، وإذا هو قد قام من جانبي وغاب عنّي ساعة طويلة، فاستبطأته، فقلت في نفسي لعلّه يكون في بيت الخلاء، فنهضت إلي بيت الخلاء، فلم أجده، فدخلت المطبخ فرأيت جارية فسألتها عنه فأرتني إياه وهو راقد مع جارية من جواري المطبخ، فعند ذلك حلفت يميناً مغلظة أنّني لا بدّ أن أزني مع أوسخ الناس وأقذرهم». عندها تخرج المرأة بصحبة خدمها وحرّاسها ليجوسوا خلال الشوارع والأزقّة باحثين عن طلب المرأة وما إن يشاهدها الناس حتّي يفرّوا مذعورين من بطشها. يقول الحشّاش: «فوجدت الناس هاربين، فقال واحد منهم: ادخل هذا الزقاق لئلاّ يقتلوك. فقلت: ما للنّاس هاربين؟ فقال لي واحد من الخدم: هذا حريم لبعض الأكابر. وصار الخدم ينحّون الناس من الطريق قدّامها، ويضربون جميع الناس ولا يبالون بأحد».

ويمكن أن يتساءل متلقّي الحكاية: طالما أنّ المرأة السلطوية تخرج باحثة عن رجل وسخ لتزني به، انتقاماً من زوجها الزاني، فما ذنب هذا القطاع العريض من الناس الذي يتجوّل في الشوارع باحثاً عن لقمة عيشه، حتّي يبتعد مذعوراً عن طريق هذه المرأة المستبدّة، وحتّي يهان ويضرب، من دون أن يرتكب أي ذنب؟. يبدو أنّ المستبدّين والطغاة في ألف ليلة وليلة، رجالاً ونساءً، كانوا يجدون لذّة في تعذيب الناس وقهرهم، وكان يحسّون بالرضي يملأ نفوسهم، وهم يشاهدون الناس البسطاء يفرّون مذعورين أمامهم، ويبدو أنّ هذا الفرار كان يعزّز لديهم هذا الغرور الأحمق بعظمتهم ومكانتهم السلطوية. فالاستبداد يضعف الأخلاق الحسنة أو يفسدها أو يمحوها. ومن هنا فإنّ المستبدّ الذي تضعف أخلاقه أو تفسد، لا يهمّه إن أُهين شعبه، أو قُهِر جرّاء أفعاله الاستبدادية. فالمرأة المستبدّة زوجة لأحد رجال السلطة المهمّين، وقد سمحت لخدمها بضرب جميع من يمشي في الشارع الذي تمشي فيه، وأمرت خدمها أن يهينوا الحشّاش، ويربطوه، ويأخذوه عنوة إلي منزلها: «وإذا بالطواشي جاء إلي وقبض علي، فتهاربت الناس. وإذا بطواشي آخر أخذ حماري ومضي به. ثمّ جاء الطواشي وربطني بحبله وجرّني خلفه، وأنا لم أعرف ما الخبر، والناس من خلفنا يصيحون ويقولون: ما يحلّ من الله، هذا رجل حشّاش فقير الحال ما سبب ربطه بالحبال؟».

وقد يكون راوي الحكاية السابقة أضفي علي سلوك المرأة نوعاً من الغرائبية والتخيل، قاصداً بذلك إثبات أيديولوجيته المعادية لاستبداد نساء السلطة في ألف ليلة وليلة، لكن كاتب هذه الدراسة يدرس فعل السلطة، لا باعتباره فعلاً سحرياً وأسطورياً، بل باعتباره فعلاً يمكن أن يتحقّق في بنية الزمان والمكان، التاريخي والواقعي، لأنّ الإشارات التاريخية الكثيرة لممارسات السلطة من اضطهاد وتعسّف وقهر لشعوبها في العصور، تثبت أنّ ما ورد في ألف ليلة وليلة من ممارسات سلطوية استبدادية يمكن أن يكون له خلفية تاريخية ذات علاقة بواقع معيش عاصره الراوي، بعلاقاته السياسية والاجتماعية، واستفاد منه في تشكيل حكايته. فـ «قصص ألف ليلة وليلة تنبع أحداثها من حاجات المجتمع وترسم وقائعها من خلال المتطلّبات التي حدّدتها الحاجات (...) وهذا يعني أنّ نشأة القصص هذه مرتبطة بنشأة الشعب العربي، وموصولة بأحداثه التي عاصرها (...) وبإنسانه الذي كان مدار هذه القصص وبطل تلك الحكايات والأمثال». علي حدّ تعبير الدكتور نوري حمود القيسي.

وحتّي لا تحنَث المرأة السلطوية باليمين التي قطعتها علي نفسها، فإنّها قادت الحشّاش مربوطاً، مجروراً إلي قصرها، وأدخلته الحمّام، وألبسته أجمل الملابس الفاخرة، وأمرت جواريها أن يرششنه بماء الورد تمهيداً لتحقيق فعل الزني، والانتقام من زوجها: «ثمّ بعد ذلك أشارت إلي بعض الجواري أن يفرشن لنا في مكان، ففرشن في المكان الذي أمرت به. ثمّ قامت وأخذت بيدي إلي ذلك المكان المفروش ونامت ونمت معها إلي الصباح، وكنت كلّما ضممتها إلي صدري أشمّ منها رائحة المسك والطيب، وما أعتقد إلاّ أنّي في الجنّة أو أنّي أحلم في المنام». فالمرأة السلطوية تزني بالحشّاش القذر تحدّياً لزوجها وانتقاماً منه، لأنّها تعي أنّ وضعها السلطوي يحميها، وأنّها قادرة علي أن تمارس هذا الفعل بكلّ جرأة، لأنّها واثقة من قدراتها علي إخفاء الحشّاش في مخابئ القصر، إذا ما داهمها زوجها، وهي واثقة من قدرة جواريها المقرّبات علي الاحتيال، والإسراع بنجدتها إذا ما حضر زوجها بشكل مفاجئ: «فبينما أنا نائم عندها ليلة ثامن يوم وإذا بجارية دخلت وهي تجري وقالت لي: قم اطلع إلي هذه الطبقة فطلعت في تلك الطبقة».

ويبدو أنّ المرأة السلطوية ـ التي لا يذكر الراوي اسماً لهاـ اعتقدت أنّها لا تنتقم من زوجها، أو تستردّ كرامتها إذا رقدت مع الحشّاش ليلة واحدة، بل إنّها أسرفت في الانتقام منه، واستمرأت النوم مع الحشّاش، ولثماني ليالٍ متواصلة كما يشير الراوي. وإذا كان زوجها السلطوي قد سلك مسلكاً فاسداً، ومارس فعل الزني فإنّها بزّته، وتمادت في طريق الفساد، ولم تكتف بذلك فحسب، بل أذلّته بسطوة جسدها الجميل، وجعلته يقبّل الأرض بين يديها، عندها صفحت عنه، وسمحت له ثانية بامتلاك هذا الجسد. يقول الراوي: «فتقدّم (الزوج) إلي الباب وترجّل ودخل القاعة، فرآها قاعدة علي السرير، فقبّل الأرض بين يديها ثمّ تقدّم وقبّل يدها فلم تكلّمه، فما برح يخضع لها حتّي صالحها ونام عندها تلك اللّيلة».

لم يشأ راوي الحكاية أن يجعل المرأة السلطوية والرجل زوجها، غارقين في الفساد علي قدم المساواة، وذلك بأن يرتكبا فعل الزني، ويناما مع الشريك الزاني، وبعدد الليالي نفسها التي تمّ بها هذا الفعل، بل جعل المرأة تفوق الرجل في هذا الفعل بسبع ليالٍ، لأنّ هذا الراوي محكوم بأيديولوجيا رجولية تعتقد أنّ المرأة أكثر فساداً وفسقاً من الرجل، وأنّها أكثر جرأة، وإقداماً علي ارتكاب المعاصي من الرجل، لأنّ شهوتها الجنسية تفوق شهوة الرجّال، وفق هذه الأيديولوجيا الرجولية، ولأنّ هذه الشهوة عند النساء متأجّجة، ولا تستطيع ضبطها، فإنّها تلجأ إلي إشباعها بطريقة شاذة مع الحيوانات الأليفة كالدّب والقرد، كما في حكايتي: «وردان الجزّار»، و«داء غلبة الشهوة عند النساء»، أو بطريقة سحاقية كما في حكاية «عمر النعمان وولديه شركان وضوء المكان»، إذ تبدو المرأة العجوز السلطوية، شواهي ذات الدّواهي ولعة بسحاق جواري ولدها الملك، فقد كانت تقيم «عند ولدها حردوب ملك الروم لأجل الجواري الأبكار، لأنّها كانت تحبّ السحاق، وإن تأخّر عنها تكون في انمحاق، وكلّ جارية أعجبتها تعلّمها الحكمة، وتسحق عليها الزعفران فيغشي عليها من فرط اللذّة مدة من الزمان، فمن طاوعتها أحسنت إليها ورغّبت ولدها فيها، ومن لا تطاوعها تتحايل علي هلاكها وكانت ترغّب من تساحقها بالجواهر والتعليم».




مقالات آخرى للمؤلف محمد عبد الرحمن يونس

يوليو 2007
نوفمبر 2004
نوفمبر 2003
ابريل 2003
نوفمبر 2002
يونيو 2002
فبراير 2002


مقالات الأعداد الآخرى
 
© وجهات نظر. All rights reserved.
Site developed by CLIP Solutions