![]() |
|
|
|
تحقيـــق مـن كــــوريا..التعليم دين الشرق الأقصي الجديد! ![]() فجأة تسمع صراخًا وعويلاً صادرًا من طفل يتلوي ويتقلب بين أيدي والديه، والطبيب يحاول تهدئته قائلاً: لو تحليت بالهدوء والسكينة فسوف تكون طفلاً جيدًا وسينتهي الأمر بسرعة دون ألم. ثم يبدأ الطبيب في إجراء الجراحة وهي عملية في لسان الطفل لتحسين قدرته علي نطق حروف اللغة الإنجليزية بشكل سليم. وقد عرض لهذه المناظر برنامج وثائقي بعنوان «ربط اللسان» بثته إحدي قنوات التليفزيون الكوري الجنوبي قبل شهور ليكشف عن حالة فريدة من الهوس بين الكوريين لتعليم أبنائهم اللغة الإنجليزية. ورغم أن عديدًا من الآباء الكوريين الذين التقيتهم قالوا لي إن مثل هذه الجراحات نادرة، إلا أن الدكتور كيم سونج هيي الباحث في العلاقات الاقتصادية الدولية والحاصل علي درجة الدكتوراة من جامعة بنسلفانيا الأمريكية أبلغني بأن هناك اعتقادًا لدي الكوريين بأن هناك عيبًا ما في لسان الطفل الكوري يجعله غير قادر علي نطق حرفي «L»، و«R» في اللغة الإنجليزية بشكل سليم، الأمر الذي يستدعي إجراء جراحة للتخلص من هذا العيب.لكن الدكتور نووه كونج صن أحد المتخصصين في علم نفس الأطفال في كوريا الجنوبية يقول إن المسألة لا علاقة لها إطلاقًا باللسان، لكنها ترتبط برغبة عميقة لدي الآباء لتعليم أبنائهم اللغة الإنجليزية باعتبارها «المفتاح» للتعامل مع العالم. ويشير إلي أن هذا الهوس باللغة الإنجليزية يبدأ خلال فترة حمل الأم بالطفل، إذ يتم عزف أنواع معينة من المقطوعات الموسيقية لمؤلفين إنجليز أو أمريكيين للطفل وهو في رحم أمه وعندما يبلغ الطفل عامًا من عمره يأتي الآباء بمعلمين خصوصيين لترديد الكلمات الإنجليزية أمامه، ومحاولة جعلها معتادة بالنسبة له، ثم يُرسل الأطفال في عمر 4 أو 5 سنوات إلي الحضانة التي تعلمهم اللغة الإنجليزية مقابل ما يعادل ألف دولار في الشهر، بل إن بعض الآباء يرسلون أولادهم في سن الخامسة أو السادسة إلي الولايات المتحدة حيث يقضون عدة سنوات لكي يتعلموا اللغة الإنجليزية هناك.وقد أبلغني الدكتور سونج جيون بائي مدير قسم تخطيط السياسات والتنسيق بوزارة التعليم وتنمية الموارد البشرية في كوريا الجنوبية بأنه أرسل نجله إلي الولايات المتحدة في عمر 6 سنوات لتعلم الإنجليزية، حيث قضي 4 سنوات، وأشار إلي أن الأم تذهب، في الغالب، مع الطفل إلي الولايات المتحدة، بينما يظل الأب في كوريا لكي يستطيع توفير الأموال اللازمة وإرسالها إلي أمريكا. وفي حالات أخري يذهب الطفل بمفرده إلي الولايات المتحدة حيث يعيش في مدرسة داخلية.وتكشف الإحصاءات أن 90% من الأطفال في كوريا الجنوبية يذهبون إلي مدارس تدعي باللغة الكورية هاجوانز Hagwons، وهي مدارس خاصة يدرس فيها التلاميذ مواد الحساب والعلوم باللغة الإنجليزية. ويتجاوز حجم الأموال التي تنفقها الأسر الكورية علي هذه المدارس الخاصة إجمالي ميزانية التعليم الكورية.ويرتبط بظاهرة الهوس بتعلم اللغة الإنجليزية في كوريا الجنوبية نوع جديد من المدارس يدعي «القرية الإنجليزية» بدأ ينتشر في بعض مقاطعات البلاد. وهو يقوم علي فكرة أساسية مفادها أن تعليم اللغة الإنجليزية من خلال الدروس المدرسية وحدها ليس كافيا، بل لابد أن يعيش الطفل في «جو إنجليزي» أي أن تتاح له الفرصة لممارسة أمور واكتساب مهارات اجتماعية من خلال وجوده في مكان كل ما فيه ناطق باللغة الإنجليزية ابتداء من أسماء المطاعم وكلها تحمل الطابع الأمريكي أو البريطاني والمدرسين القادمين من دول تتحدث شعوبها الإنجليزية وليس نهاية بالمواد التي يدرسها التلاميذ. وهي مواد ليست في المناهج التعليمية، بل عبارة عن دروس في الدراما والإبداع وإلقاء الخطب والموسيقي والطهي. ويقول جيفري جونز الأمريكي الجنسية ورئيس المدرسة: إن المدرسة تستهدف تحسين قدرة الأطفال علي الاتصال الإنساني ومحاولة تخليص هؤلاء الأطفال من الخجل الذي يتصف به الكوريون عادة. كما أن المدرسة تعمل علي إقناع التلاميذ بأنه ليس هناك نطق واحد للإنجليزية وأن من المهم أن يعبروا عن أنفسهم بصورة واضحة.ويستطرد جونز قائلاً: إن المدرسة تحاول خلق تأثير نفسي علي التلميذ من خلال إشعاره لدي دخوله القرية بأنه خرج من كوريا ودخل بلداً آخر ناطقًا بالإنجليزية، فالمكان أي المدرسة مختلف في كل شيء عن خارجه سواء في طراز المباني أو نوعية الطعام المقدمة أو الدروس التي يدرسها التلاميذ.وتعتمد الدراسة في القرية الإنجليزية علي نظام البرامج الدراسية، فهناك برنامج لمدة يومين وآخر لمدة أسبوع وثالث لمدة أسبوعين وهي كلها تستهدف خلق نوع من الألفة بين التلميذ واللغة الإنجليزية وإشعاره بأنه يمكنه أن يتحدث هذه اللغة بسهولة وبتمكن دون عناء كبير.ولأن تكاليف تلك المدرسة باهظة، فإن المقاطعات تساهم بحوالي 75% من التكاليف علي أن تدفع الأسر الباقي. وقد وجد بعض حكام المقاطعات أن التكاليف عالية ومن الصعب علي المقاطعات الاستمرار في تحملها ولذلك يدرسون حاليا مشاركة القطاع الخاص في العملية إلي أن ينتهي الأمر بتحمل هذا القطاع المسئولية كاملة.الاهتمام باللغة الإنجليزية ليس سوي مجرد دليل واحد علي هوس الكوريين بالتعليم بشكل عام، بل إن بعض الباحثين يصفون هذا الشغف «المبالغ فيه» بأنه أشبه بالمرض الاجتماعي، فالأسر لا تكتفي بتعليم أولادها في المدارس الحكومية التي تقدم حسب اعتراف هذه الأسر تعليمًا جيدًا، لكنها ترسل هؤلاء الأبناء في ساعات ما بعد الدراسة إلي مدارس خاصة هي أقرب للدروس الخصوصية في مصر. وتعترف الحكومة الكورية بهذه المدارس التي يقضي فيها التلاميذ أوقاتًا طويلة قد تصل إلي 7 ساعات يوميا.ويقول الدكتور سونج جيون بائي إن هذه المدارس ترافق التلاميذ منذ بداية تعليمهم المدرسي وحتي الصف الثالث الثانوي وتكون مهمتها إعداد الطلاب للامتحانات وهي تشرح نفس المناهج التي يدرسها التلاميذ في المدارس الحكومية، لكن المدرسين فيها يحاولون توضيح الأمور بشكل أفضل للتلاميذ. ويشير إلي أن الآباء ليسوا راضين بشكل كامل عن المدارس الحكومية وحتي لو كانوا راضين فإنهم يرغبون في أن يحصل أولادهم علي أفضل فرصة ممكنة لكي يحرزوا أعلي الدرجات في الامتحانات.مقالات الأعداد الآخرى
|
|||||
© وجهات نظر. All rights reserved. Site developed by CLIP Solutions |