لا يوجد اى مقال فى السلة
 
 









1

الخيـــــــارات المفتـــوحـــة: مســـتقبل حزب الله

أطل حزب الله علي الساحة العملية من خلال المقاومة، وارتبط خطابه تبعًا لأولويته بالعمل العسكري ضد إسرائيل، وأنجز خلال فترة وجيزة حضورًا مميزًا في عملياته الجهادية النوعية، ولم تكن الحياة السياسية موجودة في لبنان خلال نشوئه بسبب الحرب الداخلية(1)، واتجهت الأنظار الدولية والإسرائيلية إلي نمو الحزب المقاوم وخروجه إلي العلن في مطلع العام 1985، فانهمرت الاتهامات عليه بالأصولية والإرهاب، وظهَّرت وسائل الإعلام الأجنبية ــ بتوجيه استخباري ـ صورة الحزب المقاتل والصلب الذي لا يمكن التعايش معه، وتتالت التصريحات والتحليلات الأجنبية وبعض المحلية عن مناطق مقفلة للحزب، وحياة خاصة لم يعهدها الناس، وصلابة لا تُبقي صاحبًا ولا تبني علاقة، وشدة برزت من خلال المواجهات القاسية مع الجيش الإسرائيلي وعملائه، ما ربط الحزب بحضوره وصورته العسكرية، حتي ترسخت القناعة عند أكثر المحللين والناس، أن وجود الحزب مرتبط بالمقاومة، ولا شيء عنده غيرها، ولا يستطيع الاستمرار بدونها، فإذا تم التوصل إلي تسوية ما في المنطقة، فسيكون الحزب ضحيتها، وبالتالي فحضوره ووجوده مؤقت، ولمرحلة خاصة في الصراع مع إسرائيل.

ولَّد هذا الانطباع مناخًا عامًا عن حصرية اهتمام الحزب بالمقاومة، شمل أيضًا شريحة من قاعدة الحزب، بسبب ظروف النشأة وضرورات التعبئة ضد الاحتلال وواقع لبنان. وهذا ما تطلب جهدًا ثقافيا وتربويا وعمليا في الأوساط المؤيدة، عندما قرر الحزب المشاركة في الانتخابات النيابية عام 1992، كما تطلب خطابًا عامًا، وإجابات عن أسئلة صحفية متكررة ومتلاحقة، وتوضيحات تفصيلية أثناء بناء العلاقة مع الشخصيات والأطراف المختلفة.

ساهم خطاب الحزب، إضافة إلي العمل الميداني شعبيا ونقابيا وانتخابيا ونيابيا وسياسيا في الاكتشاف التدريجي لنظرة الحزب الشمولية، ورؤيته للعمل السياسي، واهتماماته المتنوعة، شأنه شأن أي حزب يعمل في بلده، مع تمايزه بمنهجه وما ترتب عليه من أهداف، وخصوصية المقاومة في لبنان.

فالحزب إسلامي قبل أن يكون مقاومًا، والتزامه العقائدي هو الذي دفعه ليرفض الاحتلال ويقاتل إسرائيل، فهو يحمل منهجًا للحياة بشموليتها، ولا يقتصر واجبه علي ناحية دون أخري، وإن برزت أولوية الجهاد علي غيرها. وقد تحققت مكانته وانتشاره الشعبي من إيمانه بهذا المنهج، الذي يقدم حلولاً لمشاكل الواقع، حيث توفق الحزب في تجسيد جزء منها بمقاومة الاحتلال، بأداء متميز وتجربة ناجحة، أتت ثمارها بالتحرير في 24 آيار 2000، وبسلوكيات فردية وعامة، اجتماعية وسياسية وعسكرية، أثرت في جمهور عريض، أيد وناصر والتف حول قيادته.

بناء عليه لم يعد الحزب فكرة للإقناع، بل تحول إلي واقع متجذر في كيان الأمة، ولم يقتصر الحزب علي المجموعات الجهادية العسكرية، بل دخل في كل النسيج الاجتماعي والسياسي والثقافي للناس، ولم يتوقف عند حدود المحازبين، بل أصبح تيارًا شعبيا واسعًا يشمل الرجال والنساء والأطفال، ويتجاوز الحدود المذهبية والمناطقية، فإذا كانت الاستمرارية ترتبط بالتكون النظري للفكرة والخطة والبرامج، والمسار العملي يرتبط بالامتداد الشعبي، فهما متحققان في الحزب، ما يعطيه قابلية الاستمرار بثبات، فكيف إذا اجتاز امتحانات عدة(2)، راهن البعض عليها لتكون محطته النهائية، فخرج الحزب منها أقوي، وأسس بعدها للمزيد من الحضور والتأثير.

أما التهديدات الأمريكية الإسرائيلية المتكررة، فهي جزء من وسائل الضغط علي الحزب ومن يؤيده، وتدخل في إطار الحرب النفسية، التي إذا نجحت توفر النتائج المطلوبة، من دون التورط بأعمال لها مفاعيل سلبية مضادة، لكنها لم تجد نفعًا مع حزب عقائدي، يعلم تمامًا طبيعة أهدافه، وما يمكن أن يتحمله في سبيلها. لذا كانت تتحول التهديدات في بعض المحطات إلي اعتداءات كبيرة، وهي قابلة للتكرار، فهي جزء من المواجهة، لكنها لا تضمن للعدو فرصة تحقيق ما يزيد بل قد ترتد عليه، وهذا ما حصل فاضطر للانسحاب من جزء كبير من لبنان، علي الرغم من كل الأساليب العدوانية التي استخدمها. ولا يتوقع أحد أن تكون نتيجة العدوان عادية ففيها التضحيات الكبري، إلا أن نتائج الصمود أكبر بكثير. وبما أن السياسة الأمريكية الإسرائيلية مبنية علي فرض واقع الاحتلال وشروطه بالقوة، فالخيار محصور بالاستسلام أو المواجهة.

وقد أحرز حزب الله تقدمًا في النظرة إليه، وتوسعت علاقاته الإقليمية والدولية، وحصل تعديل نسبي في طريقة تعامل الغرب معه، وهذا يعود إلي حكمة أدائه وبيانه وعلاقاته. ولا يمكن التعويل علي هذا المؤشر ومدي استمراريته، إلا أنه يحمل دلالة علي الأهمية التي اكتسبها الحزب، حيث استطاع تغيير الصورة السلبية التي روج لها مع بداية نشأته.

احتمالان للضغط

وبما أن الهجمة شديدة علي الحزب ووجوده ودوره وأهدافه، فإن التساؤل عن استمراريته يبقي حاضرًا، فإذا لم يكن بالإمكان تصفية وجوده مباشرة عبر الاعتداءات الإسرائيلية، فإن تطورات المنطقة قد تؤدي إلي ظروف تحصل فيها إحدي حالتين أو كلتاهما معًا:

1 ــ تحريك فتنة داخلية مع الجيش اللبناني، أو مع قوي محلية، تستدعي أداء سياسيا من الحكم اللبناني يلغي وجود الحزب كمقاومة.

هذا الاحتمال لا يحصل كمشكلة عابرة، بل ينطلق من موقف سياسي تبرز مقدماته تدريجيا باتجاه الفتنة لتسهل النتيجة. ولكن لا قابلية لحصوله، لأن الموقف السياسي للجيش اللبناني والأطراف المحلية الفاعلة والميدانية منسجم تمامًا مع الموقف المقاوم وداعم له، وقد نسجت التحالفات السياسية في لبنان علي أساس الموقف مع إسرائيل، الذي أعطي المقاومة أولوية في الاهتمام والتبني. ومع ارتباط هذا الموقف بالظروف الإقليمية، فإنه لا ينعقد من دونها، وبخاصة الموقف السوري، الذي لا يسمح بما يؤدي إلي التصادم مع المقاومة. فإذا أضفنا أسلوب المقاومة في التعاطي مع القضايا الداخلية، ومراعاة القوي المحلية، وترك التدخل في خصوصيات الدولة الأمنية، أمكن استيعاب سبب اطمئنان الواقع الداخلي، وعدم دفعه إلي التفكير بالتصادم مع المقاومة، فالتصادم لا يخدم هذه القوي، وإنما يستفيد منه خصوم لبنان.

2 ــ مقايضة سوريا بالتخلص من الضغوطات التي تمارس عليها مقابل التخلي عن دعم الحزب، وبما أنها الجهة التي توفر الغطاء السياسي المساعد لاستمرارية المقاومة، فإن رفع هذا الغطاء يكشف الحزب ويجعــــــله مســتفردًا فيسهل ضرب المقاومة.





مقالات الأعداد الآخرى
 
© وجهات نظر. All rights reserved.
Site developed by CLIP Solutions