![]() |
|
|
|
القـُـضاة.. والقـَـضـاء..والقـضـيـة ![]() قبل سنوات طويلة، وبحكم عملي الصحفي، كنت قريبا من مفاوضات طابا والتي كانت بحق ملحمة دبلوماسية وقانونية و «قومية»؛ يوم كانت الأمة كلها علي قلب رجل واحد. ومازلت أذكر الليالي الطويلة التي كنت أسهر فيها مع الدكتور يوسف أبو الحجاج ــ أستاذ الجغرافيا، وأحد جنود تلك المعركة الذين قدر لهم أن يظلوا مجهولين ــ كنا نجلس إلي «طاولة الطعام» المزدحمة بالأوراق والخرائط، في بيته «الصغير» المتواضع في الجيزة. وكان يحكي لي كيف كان الإسرائيليون ــ لإدراكهم ضعف حُجتهم حقا وقانونًا ــ يحاولون كل مرة إغراق الطرف المصري المفاوض في تفاصيل جانبية تتعلق تارة بيوسف طحان ــ تاجر المخدرات ــ المحكوم عليه بالإعدام. وتارة أخري بالتساؤل عن سبب انخفاض عدد صفقات البيض المقرر تصديره إلي هناك... إلي غير ذلك من تفصيلات لم تكن تستهدف في الواقع غير صرف الانتباه عن القضية الأصلية. لا أعرف لماذا تذكرت ذلك كله «متخوفًا» وأنا أتابع ما يجري علي الساحة القضائية في الأسابيع الأخيرة من محاولة إغراق القضاة ــ بل وإرهاقهم ــ ومعهم النخبة السياسية في تفاصيل من نوع محاكمة القاضيين «الجليلين»، أو الإفراط في استخدام عنف أمني غير مبرر مع مؤيديهم، أو الحديث عن جماعات سياسية «محظورة»، أو غير هذا من ادعاء رسمي بأن «القضية داخلية». مما بدا معه الأمر وكأن هناك محاولة لاستنزاف جهد القضاة وصرف أنظارهم، ومعهم كل القوي السياسية المعنية بمستقبل هذا البلد عن «القضية الحقيقية» والتي لا تمثل مسألة محاكمة القاضيين أو غيرها إلا بعض تداعياتها. فأصل المسألة، وهو ما حاول دهاقنة البلاط أن يطمسوه، هو ما نعرفه جميعا (أكرر «جميعا» مع كل الاحترام لمن ينكرون ذلك علنًا) أن هناك «تزييفا لإرادة الناخبين» بشكل أو بآخر شاب الانتخابات البرلمانية الأخيرة (أرجوكم ارجعوا إلي نص تقرير المجلس «الرسمي» لحقوق الإنسان) وهي الانتخابات التي من المفترض أنها تستمد شرعيتها مما قيل إنه «إشراف قضائي كامل» عليها. أصل الأزمة إذن لم يكن أبدا «اشتغال القضاة بالسياسة» كما حاول البعض أن يقول، بل محاولة البعض استغلال مكانة القضاء في جراحة «تجميل سياسية» تهدف إلي إضفاء شرعية علي انتخابات جرت، وجري فيها ما نعلمه جميعًا، وانتخابات ستجري «ذات يوم» ولا يعلم أحد بعد ما سيجري فيها. ولأن ضمان النتائج يستدعي بالضرورة مقدماتها، فقد كان ــ ما نعلمه جميعًا ــ من تجاهلٍ ثم معاندةٍ لمطالب القضاة المتكررة والمصمِّمة علي تعديل قانون السلطة القضائية بشكلٍ يوفر للقضاء استقلالاً «حقيقيا» يضمن للمجتمع عدلاً «حقيقيًا».والحاصل أن المسافة بين من يريدون «شرعية تجميلية» يمكنهم تسويقها، وأولئك الذين لا يمكنهم، بحكم أمانة القاضي أن يقبلوا بغير «شرعية حقيقية» بدت واسعة... وكان ذلك ــ بحكم التباين ــ طبيعيًا. ولأن في مصر ــ ولأسباب ليس هنا مجال تفصيلها ــ تُحسم المعارك عادة لصالح السلطة / الدولة، بدا المشهد بكل تفاصيله (مع الأخذ في الاعتبار عناصر القوة المختلفة تلك المرة) غير مألوف. وعليه فقد كان طبيعي ــ رغم الادعاء بالهدوء ــ أن يستدعي كل هذا «القلق» وكل هذا التوتر. والذي بدت ذروته في الصور التي طيرتها وكالات الأنباء للعالم كله لعاصمة بدت وكأنها تحت حظر التجول. وكان طبيعي أن تصل الهيستريا إلي حد اعتداء رجال الشرطة بالضرب المبرح علي «القاضي» محمود حمزة علي رصيف نادي القضاة (لاقترافه جريمة التصوير) وهي حسب ما يعرف الكافة ليست بجريمة في القوانين المصرية المعمول بها. والمثير للاشمئزاز ــ لا لغيره ــ أن البيان الرسمي الذي صدر تبريرًا لما جري، وتبرئة لمن قاموا بالجرم المشهود، لم يخرج عن القول بأنهم «لم يكونوا حال التعامل معه.. قد تعرفوا علي شخصيته.. وأنهم تركوه فور أن تبين لهم أنه قاض» (!) كأن القانون، في غير حالة القضاة ــ وحاشا له ذلك ــ يبيح لرجال الضبطية أن «يسحلوا» مواطنا في الشارع ويكسروا عظامه (فعلاً لا مجازًا) فالقاضي الضحية خرج من الموقعة بكسر مضاعف في العمود الفقري، لمجرد أنه تجرأ واستخدم هاتفه المحمول للتصوير في «شارع عمومي». ****أخشي أنه وسط وقع أحذية الجنود الثقيلة عبر شارع عبد الخالق ثروت، وصخب الهراوات المشرَعة والهتافات العالية، وأحبار المانشتات الصارخة والمزايدة في هذه الصحيفة أو تلك، والقرارات أو التصريحات المهددة أو المهدئة، أن تضيع في الزحام «القضية» الرئيسة. والتي لا أظن أن أحدا يملك (صراحة) الاختلاف حولها. ولعلها إجمالا، ولا أقول «تذكيرا» تتلخص في الآتي:1 ــ أن يصدر القانون الذي يكاد أن يكون الصبر قد نفد في انتظاره (عشرون عامًا كاملة منذ مؤتمر العدالة الأول 1986) بشرط أن يضمن استقلالا حقيقيا للقضاء بحيث لا يطولهم «سيف المعز» .. ولا يلمع أمامهم «بريق ذهبه».2 ــ أن يجري تحقيق «جدّي» في ما جري في الانتخابات البرلمانية. بحيث لا يتحمل القضاء «مؤسسةً» أو القضاة في مجموعهم، أمام الله أو الأمة ما قد يكون قد شاب بعض دوائرها من حيف أو تزييف لإرادة الناخبين. ليبقي الحكم، كما هو العرف القانوني «عنوان الحقيقة». ويتصل بذلك أن تتم محاسبة من تثبت مسؤوليته في تلك التحقيقات «أيا من كان». 3 ــ أن تتــم محاسبة كل مسـؤول (بالاشــتراك أو التواطؤ أو التقاعس) عن ما تعرض له القضاة من تجاوزات وإهانات حال تأدية واجبهم «الذي دُعوا إليه» في الإشراف علي الانتخابات. 4 ــ أن يتم تعديل قانون مباشرة الحقوق السياسية بشكل يوفر للقضاء إشرافا «كاملاً وحقيقيا» علي كل مراحل العملية الانتخابية. بحيث يضمنون «عدالتها». وبحيث «يطمئن» القاضي ــ كما جري العرف والفقه ــ إلي حكمه بنتيجتها.****هذه باختصار أوراق «القضية» ..ولأنها أوراق ومحاضــر لم يتم التصرف فيها بعد. أملاً من البعض في دفعها إلي «ملفات النسيان» أو طمرها بتراب التقادم، سيظل أصحاب الحق ــ وهم بالمناسبة أصحاب هذا البلد ــ في محراب العدالة ينتظرون. وما أقسي العدالة إذا تباطأت! وما أقسي علي المنتظرين أن يروا أنفسهم في طابور الانتظار!هل نحن بحاجة الي التذكير بأن «استقلال القضاء» ليس مطلبا خاصا بالقضاة وحدهم بل هو شرط لاستقرار الدولة الحديثة؟!هذا باختصار جوهر «القضية»والقضية بلغة أهل القانون ــ مازالت «قيد المداولة».مقالات آخرى للمؤلف أيمن الصياد
مقالات الأعداد الآخرى
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
© وجهات نظر. All rights reserved. Site developed by CLIP Solutions |