لا يوجد اى مقال فى السلة
 
 









1

ســـــيف القــــوة.. وميــــزان العــــدل «المواطن».. يحمل السكين

لا يهم أبدًا إن كان هذا «المواطن» الذي يبدو في الصورة يحمل السكين أمام كنيسة سكندرية مسلمًا أو قبطيًا. كما لا يهم أبدًا اسمه الثلاثي أو محل سكنه أو رقم بطاقته «القومية»، إذ يظل هذا كله من باب التفاصيل التي قد تهتم بها جهات التحقيق الجنائي أو القضائي أو في «ضمائر البشر».

المهم أن هذا «المواطن» الذي خرج إلي الشارع مستنفرًا يحمل سكينًا ليس عضوًا في تنظيم متطرف يستهدف أتباع الدين الآخر، كما كان الحال ــ أحيانًا ــ قبل 1999. وإنما هو «مواطن» عادي استقر في يقينه (وهذا لب المشكلة) أنه لن يتسني له دفاعًا عن نفسه، أو وصولاً إلي حق «يتصوره» إلا بالقوة والعنف.. والسكين.

كيف وصلنا إلي هنا؟!

لابد أن نعرف ــ أولاً ــ أننا نعيش حالة من التوتر (المجتمعي لا الطائفي فقط) لن تهدئه هراوات الأمن المركزي، كما لن تخفيه ــ مهما تكاثفت ــ غازاته المسيلة للدموع.

ولابد أن نعترف ــ ثانيًا ــ أن هناك احتقانًا بات ــ وإن أنكرنا ــ تحت كل جلد. وهناك سيف صار ــ وإن غفلنا ــ قريبًا من كل يد.

ولابد أن نقلق ــ ثالثًا ــ حين نلحظ أن هناك من لم يدرك، أو لعله لا يريد أن يصدق أن عود الثقاب أصبح أقرب:

1 ــ مما نظن.

2 ــ من أي وقت مضي.

كأن لا أحد يريدُ أن يري النارَ تحت الرماد. رغم أن تمردَ الأمن المركزي (1986) إذا ما كنا نذكر ــ ويجب أن نذكر ــ لم تسبقه إشارةٌ، كما لم يكن بحاجة إلي تنظيم وكوادر و«البيان الأول». ولكنه في نهاية المطاف، أو في نهاية «المفاجأة» جاء بالدبابات إلي الشوارع.. وبالقلق إلي النفوس.

****

كيف وصلنا إلي هنا؟!

ألا تُذَكِركم هذه الصورة، وهذا السكين اللامع بصورة مشابهة نشرت هنا قبل أشهر (ديسمبر الماضي) لما جري علي أبواب اللجان الانتخابية من بلطجة سافرة غير مسبوقة؟

يومها مارس الجميعُ العنف.. ربما. ولكن تبقي الدولةُ إذا مارست أو تواطأت أو غضت الطرف.. (وقد فعلت)، المسؤول الأول.

يومها لم يدركْ أصحابُ قرار اللجوء إلي «الهراوة والسكين» لضمان الأغلبية خطورة أن يشيع في المجتمع مفهوم: أن القوة / العنف هي السبيل «الوحيد» لكي تصل إلي هدفك (حقًا كان أو باطلاً).

ويومها لم يفكر بعضُهم كثيرًا قبل أن يصرح في الصحف «الرسمية» بأن أحكام القضاء التي صدرت عشية الانتخابات «لن يُعتد بها».. هكذا(!) غير مدركٍ خطورة أن يتعمق لدي المواطن العادي شعورٌ باليأس من اللجوء إلي التقاضي «سبيلاً سلميًا لحل المنازعات». وغير مدركٍ أنه عندما تُغلُ يد القضاءِ في رد المظالم لأصحابها يصبحُ الأمن الاجتماعي مهددًا. كما يصبح مفهومُ الدولة ذاته في خطر.

وأيضًا يومها ــ ولحساباتٍ انتخابية ضيقة ــ لم يتورع البعضُ في الترويج لحالة من «الفزع» لدي أقباط هذا الوطن. بعد أن نجح عدد من الإسلاميين في الوصول عبر صناديق الاقتراع إلي البرلمان. حتي حزبُ الدولة المُفترض أنه المسؤول «بأغلبيته» عن لحمتها الشعبية، بدا يومها وكأنه أوكل مهمة «إثارة الفزع» المقدسة إلي بعض إعلامييه المفضلين.

يومها حذرنا من الزج بالأقباطِ في مزايداتِ السياسة، ومن العزف المستمر علي وتر التخويف وإثارة الفزع، والذي بدا في تصاعد نشاز أصدائه وكأن هناك من يدعو كلَ «مواطن» إلي أن يضع سكينًا تحت وسادته.. تحسبًا.. وترقبًا.

ويومها ــ وأيضًا لحساباتٍ أمنيةٍ قصيرة النظر ــ أجهض «أصحاب القرار» أكثرَ من محاولة (بعضها بالمصادفة سكندري) لتفاهم إسلامي مسيحي أساسه «المواطنة». كان قد بادرَ بها أولئك الذين أزعج البعضَ وصولُهم للبرلمان، وكان من شأنها ــ لو اكتملت ــ أن توجدَ مناخًا «أفضل» من ذلك الذي امتلأت في أجوائه الخانقة والضاغطة شوارع المدينة الساحلية الهادئة بالمتحفزين والغاضبين.. و«السكاكين».

****

لماذا صرنا هاهنا.؟

يخطئ من يعتقد أن ماجري في الاسكندرية «محض شأن طائفي»، كما يخطئ من ينظر إلي صورة «السكاكين» المشرعة أمام كنيسة القديسين بمعزل عن المشهد السياسي العام المسكون بالعنف و«اليأس».

ربما كلنا مسؤولٌ بشكل أو بآخر عن مناخ السكاكين المشرعة. ولكن.. نكرر: تبقي الدولةُ ــ بحكم التعريف ــ إذا تورطت أو تواطأت أو غضت الطرف «اعتدادًا بالسلطة، أو عزة بالاثم».. المسؤول الأول. والا بماذا نسمي هذه المعارك الرسمية «الخشنة» مع القضاة والصحفيين والطلاب والمهنيين علي اختلاف نقاباتهم. و بماذا نسمي ما ورد في تقرير المجلس «الرسمي» لحقوق الإنسان عن اعتقالات واحتجاز لمواطنين دون سند من القانون، وعن حالات مؤكدة للتعذيب، وعن أحكام للقضاء تجاهلتها السلطات واعتبرتها «محض حبر علي ورق».

و بماذا نسمي إغلاق نادي أعضاء هيئة التدريس بجامعة الإسكندرية «بالجنازير» لمنعهم من عقد جمعيتهم العمومية، رغم حكم القضاء بقانونية الاجتماع؟ أليس في ذلك بلطجــة و«سكينًا» ترفعه ســـلطة الدولة أو بعض دوائرها في وجه أكاديميين جامعيين.

ثم بعد كل ذلك ــ أو بالأحري في القلب منه ــ بماذا نسمي إحالة قضاة «كبار» للتحقيق، لا بتهمة الرشوة أو التربح أو استغلال النفوذ، وإنما ــ لكونهم طالبوا بكشف حقيقة ماجري في الانتخابات البرلمانية الأخيرة. وهل مهمة القضاء «تعريفًا» غير كشف الحقيقة.؟!

لماذا في مصرنا التي عرفت «الدولة» قبل آلاف السنين، علا سيف القوة علي ميزان العدل؟

هانحن نرفع «سكين» الترهيب في وجه القضاة. وهو أمر مهما فرح بعضنا بنتائجه الآنية ستكون «الدولة» ومفهومُها ذاته الذي يستند بالتعريف إلي «النظام» ومن ثم إلي «مهابة القانون وأصحابه» أول الضحايا.

****

وبعد.. فقد ينتصر «سيف القوة»؛ وهي معقودة للدولة بما لديها من سلطة مطلقة علي «ميزان العدل»؛ ولا شيء غيره في يد القضاء. ولكن النتيجة النهائية ستبقي أخطر كثيرًا مما يراه قصيرو النظر: «جميعًا سنخرج خاسرين». فعندما يتأكدُ للجميع أن «القوةَ فوق العدل» سيبحثُ الناسُ عن حقوقهم وعن أمانهم في السكاكين والخناجر والسيوف.

أرجوكم تأملوا الصورة جيدًا.




مقالات آخرى للمؤلف أيمن الصياد

يناير 2010
ديسمبر 2009
يوليو 2009
يونيو 2009
مايو 2009
ابريل 2009
يناير 2009
اكتوبر 2008
نوفمبر 2007
يوليو 2007
يونيو 2007
فبراير 2007
يناير 2007
ديسمبر 2006
اغسطس 2006
يوليو 2006
يونيو 2006
ابريل 2006
مارس 2006
فبراير 2006
يناير 2006
ديسمبر 2005
ديسمبر 2005
نوفمبر 2005
اكتوبر 2005
سبتمبر 2005
اغسطس 2005
يوليو 2005
يونيو 2005
مايو 2005
ابريل 2005
مارس 2005
فبراير 2005
يناير 2005
ديسمبر 2004
نوفمبر 2004
اكتوبر 2004
سبتمبر 2004
اغسطس 2004
يوليو 2004
يونيو 2004
مايو 2004
ابريل 2004
مارس 2004
فبراير 2004
يناير 2004
ديسمبر 2003
نوفمبر 2003
اكتوبر 2003
سبتمبر 2003
اغسطس 2003
يوليو 2003
يونيو 2003
مايو 2003
ابريل 2003
مارس 2003
فبراير 2003
يناير 2003
ديسمبر 2002
نوفمبر 2002
اكتوبر 2002
مايو 2002
فبراير 2002
اكتوبر 2001


مقالات الأعداد الآخرى
 
© وجهات نظر. All rights reserved.
Site developed by CLIP Solutions