![]() |
|
|
|
17 مـــارس ..حبــوب اللقـــاح.. وعواصف الخماسين ![]() عصر الجمعة 17 مارس 2006 التقط مصور AFP هذه الصورة لقضاة مصر أمام ناديهم في وقفتهم «الاحتجاجية». وفي مساء اليوم نفسه، سألني محدثي جزعًا ــ وهو من شيوخهم الأجلاء ــ إن كان هناك من بين من يعنيهم الأمر من «قرأ» الصورة جيدًا، ورأي ما يجب أن يراه فيها من ظلال قاتمة، رغم لمعان الأوسمة ووميض فلاشات المصورين؟! كان السؤال مهمًا.. وكان علي بعد خطوات من المشهد/ الصورة اجتماعٌ حاشد للصحفيين في نقابتهم «محتجين» علي عدم الوفاء بوعد «رئاسي» بدا أنهم حصلوا عليه في ظروفٍ تغيرت. أو اعتقد القائمون علي الأمر أنها كذلك.بعد أن شاهدتُ ــ مع الملايين ــ عبر الفضائيات جلسة نادي القضاة بتفاصيل وقائعها كاملة، وقد أقلقني أن بعضًا من سمت القضاء ومهابته ربما غاب عن المشهد، بعد أن تسني لجمهور المشاهدين من «السابلة» والعامة أن يقتربوا متفرجين ومراقبين من غرف «مداولة» اعتدناها مغلقة دون «أصحاب الأوشحة». وبعدما كان من صخبٍ وصوتٍ عال ليس فيه ماألفناه من وقارِ صوت يظل هادئا مهما كان «منطوقُ الحكم» باترًا أو «قاطعًا». نبهني محدثي (القاضي الجليل) أن القاعدة الشرعية تقضي بأن من الضرورات ما يبيح المحظورات. وأنه لابدَ مما ليس منه بُد ــ كما يقول المناطقة ــ مهما كان ذلك صعبًا علي النفس قاسيًا عليها. وأنه ليس من الحكمة أو «العدل» أن ننظر إلي النتائج بمعزل عن مقدماتها. وأن علي كل حكم أن ينظر في «ظروف الواقعة وملابساتها».بلغ السيل الزبي، يُفصِّل محدثي: في أرشيف الصحف الرسمية تصريحاتٌ «رسمية» بأن أحكام قضاءٍ صدرت عشية الانتخابات البرلمانية الأخيرة «لن يُعتد بها».. هكذا(!) رغم قرارات ملزمة للمحكمة الدستورية. وفي ملفات المحاكم المصرية آلافٌ من الأحكام أهدرتها السلطة التنفيذية وامتنعت عن تنفيذها أو التفت عليها كما قال أحد القضاة الذين تحدثوا في جلسة 17 مارس مشيرًا إلي الأحكام المتكررة بقبول الطعن في قرارات الاعتقال. (هناك من حصل علي 17 حكمًا بالإفراج ولم يزل خلف القضبان).وفضلاً عن شهادات موثقة لقضاةٍ أريد لهم أن «يحكموا زورًا في نتائج الانتخابات، هناك في المكتبات كتابٌ لشيخ القضاة المستشار يحيي الرفاعي يتضمن دراسة «وثائقية» للإشراف القضائي علي الانتخابات (صدر عام 2000) ويورد بيانًا مفصلاً بوقائع جنائية خطيرة ــ وما اقترن بها من أحكام المحاكم، بما فيها محكمة النقض ــ تثبتُ كيف كافأت وزارة العدل من كان يزور الانتخابات تحت إشرافها، كما تثبت كيف حاول المزور محاكمة المجني عليه.«سيف المعز وذهبه» إذن. يقول محدثي، مذكرًا بسطور جاءت في هذه الصفحة ذاتها (يونيه 2005) تنبه إلي أن «في مصر الآن: محاولة لشق صف القضاة. وهو أمر لو تم لكانت «الدولة» ومفهومها ذاته الذي يستند بالتعريف إلي «النظام» ومن ثم إلي «مهابة القانون وأصحابه» أول الضحايا».هل هي «الفوضي».. تلوح في أفق قريب أو بعيد؟رغم أن التعابير «سابقة التجهيز»، ورغم جاذبيتها قد لا تكونُ دائمًا دقيقة؛ «جامعة مانعة» إلا أن علماءَ اللغة يعرفون أن لا وصف يناقض الموصوف، حتي لو افترضنا شيئًا من المبالغة. كما يعرفون أن «الوصف» قد يُكسب «الموصوفَ» بحكم التكرار والتواتر شيئًا من المعني، وكثيرًا من الأثر علي الأرض.< < < في حديثه المهم لجريدة «الدستور» يصف الأستاذ هيكل لحظة مصر الراهنة «باللحظة الحرجة» معتبرًا أننا وصلنا لأول مرة إلي حالة توازن بين قوة المجتمع وقوة السلطة.. وهو ــ في سياقه ــ «توازنٌ قلقٌ».. وخطر.أتذكر حديث هيكل وأنا أضع صورة السابع عشر من مارس في مكانها من هذه الصفحة، وأطالع الصراخ القلق في منتديات الإنترنت، وأقرأ في الصحف عن مؤتمر عُقد في القاهرة تحت عنوان: «هل تصبح النوبة جنوب سودان مصرية؟»، وعن مؤتمر للأقباط في جنيف. وأري من يخرج ــ بغض النظر عن الأسباب أو السياق ــ متحديًا قواعد عقيدية للأقباط «هم أدري بشعابها» مدافعًا عن حق المسيحي في الزواج أكثر من مرة. وأتذكر تقرير التنمية الإنسانية العربية الذي يحذر من «الخراب الآتي» كنتيجة منطقية للتلازم العضوي بين «الفساد والقمع».هل كان حتميًا أن نصل إلي هنا؟!أري اصطفافَ القضاء شامخًا. وأتفق مع المتفائلين بأن 17 مارس يحمل كثيرًا من الآمال ــ أو بالأحري ــ الآمالَ الوحيدة الممكنة. ولكنه ككل أيام الربيع في بلادنا؛ كما أن رياحها حبلي بحبوب اللقاح، مسكونة هي أيضًا بعواصف خماسينية.مقالات آخرى للمؤلف أيمن الصياد
مقالات الأعداد الآخرى
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
© وجهات نظر. All rights reserved. Site developed by CLIP Solutions |