![]() |
|
|
|
«صــــــدام الجهـــــالات»..الأســــئلة الدانماركية ![]() هــــل تذكــــرون الصــــورة التي تكررت في أكثر من عاصمة أوروبية في مثل هذه الأيام (فبراير) قبل سنوات ثلاث؟ يومها كان الأوروبيون يخرجون «بالملايين، في مظاهرات هي الأكبر إطلاقا منذ فيتنام»، كما يقول تعليق «رويترز»، رافضين للحرب الأمريكية «المحتومة» علي العراق.ويومها لم تشهد عاصمة عربية تظاهرة بهذا الحجم.ويومها.. كان الأمريكيون، كما هم علي الدوام غربيين».. وكان العراق، كما هو دائما «مسلما»(!)ويومها.. بدا وكأن العرب والأوروبيين في قارب واحد، يحاول أن يواجه اجتياح أمواج عاتية تدفع بها عبر الأطلنطي طموحات الإمبراطورية الجديدة الوليدة.تذكرت الصورة، وعزمت علي أن أبحث عنها في أرشيفي حين رأيت التظاهرات الأخيرة تجوب عواصم «عربية» لتحرق أعلاما «أوروبية». وحين قرأت كتابات وسمعت تصريحات محتقنة علي الجانبين.وتذكرت الصورة أيضا حين أصر ابن بلدتي (الذي كان معتقلا في جوانتنامو) علي المقارنة بين رد الفعل (الآن) وذلك الذي كان يوم علم الجميع بإهانة المصحف الشريف في المعتقل الأمريكي البغيض.وتذكرت الصورة ــــ طبعا ــــ حين سمعت الخارجية الأمريكية تبدي تفهمها ــــ في تصريحات رسمية ــــ لمشاعر المسلمين، وتعتبر الصحافة الدانماركية، وكذا الأوروبية التي سارت علي نهجها «مخطئة». ثم حين سمعت الشيخ حسن نصر الله يتساءل أمام الجماهير الحاشدة عن «المستفيد» من تعميق الشرخ الإسلامي الأوروبي؟ ثم من هو المستفيد الحقيقي من «فتنة سامراء» ومن إثارة الفرقة الآن بالذات بين المسلمين بعد أن ظهر توحدهم في قضية الرسوم الدانماركية.قد لايكون من الحكمة الانسياق إلي افتراضات سهلة قد تتطلبها مقتضيات السياسة أو الخطاب التعبوي في جماهير حاشدة. إذ ربما لا يكون صحيحًا أبدا أن واشنطون أو أصابعها الموجودة في كل ركن من هذا العالم هي التي استخرجت الجمرة المتقدة من تحت ركام رماد أشهر أربعة (منذ سبتمبر 2005، حين نشرت الرسوم إلي يناير 2006 حين اندلعت موجة ردود الفعل المتبادلة). ولكن يظل من الثابت أن واشنطون تبقي علي رأس قائمة المستفيدين من إحداث أو تعميق شرخ أوروبي إسلامي بعد أن فشلت «علاقاتها العامة» رغم كل الجهود والأموال والجولات في تحسين صورتها لدي العالم الإسلامي. أو علي الأقل يكون منطقيا، ومن باب السياسة، أن يحاول الأمريكيون ركوب الموجة ــــ كما فعلت حكومات عربية ــــ عسي أن يلتفت المسلمون المحبطون الناقمون عليهم وعلي سياساتهم إلي عدو آخر (ضعيف) في أقصي الشمال البارد، يفرغون فيه قهرهم المكبوت.أيا ماكان الموقف الأمريكي، وأيا كانت إجابات أسئلة نصر الله تبقي في ثنايا «المسألة الدانماركية» حقائقَ غابت وأسئلةٌ واجبة.ماذا جري بالضبط؟بدأت القصة بمحاولة من ناشر دانماركي لتأليف كتاب للأطفال عن حياة الرسول محمد (عليه أفضل الصلاة وأزكي السلام). وكان الغرض من وراء الكتاب (والعهدة علي الراوي) تعزيز التسامح الديني في المجتمع الدانماركي. وكان طبيعيا من ناشر (يجهل) ثوابت ديننا ومحرماته، أن يبحث عن رسام ليرسم الكتاب. إلا أن أحدا من الفنانين الدانماركيين لم يتحمس. ووصل الأمر ببعضهم إلي الإعراب عن خشيته علي حياته مذكرا بما حصل للمخرج الهولندي «ثيو فان جوخ». ومرة أخري تعكس المقارنة، لمن يعرف قصة المخرج الهولندي تبسيطًا مخلاً (وجهلا) واضحاً.ثم كان أن دخلت الجريدة الدانماركية علي الخط فطلب محررها الثقافي من عدد من الرسامين أن يرسموا «نبي المسلمين». وكان هدفه (إذا صدق في روايته) أن يختبر تأثير حادثة جوخ «وإذا ماكان رسامو الكاريكاتير سيفرضون رقابة ذاتية علي أعمالهم خشية أعمال عنف من جانب متطرفين إسلاميين». وكان الرجل للأسف ــــ إذا افترضنا حسن نيته ــــ «جاهلا» بما كان يجب ــــ في موقعه ــــ أن يكون عالما به. ثم كان كل ماكان. لا جدال في أن الرسوم مسيئة ومدانة بكل المقاييس. ولكن لا جدال أيضًا في أن الرسوم نشرت في سبتمبر من العام الماضي ثم جري إحياء القضية قبل أسابيع فقط «لغرض في نفس يعقوب». ثم كان أن اجتمع المستفيدون علي تنوعهم لسكب مزيد من الزيت علي النار، ثم للنفخ فيها لتظل مشتعلة تستوعب طاقات الغضب من أوضاع داخلية أو خارجية. والحاصل أن الراقصين حول النار كانوا كثيرين:1 ــــ أنظمة عربية صار يهمها الآن (بعد عقود من الخنوع) استعداء شعوبها علي الغرب أملاً في أن يطول هذا العداء كل ما يأتي من هناك، خاصة دعاوي الديمقراطية. كما يهمها أن تبدو «وقد ارتدت العمامة» أمام شعبيةٍ بدت جارفة للتيارات الإسلامية عند كل اقتراع. ثم أن هذه الأنظمة كانت قد أدركت ــــ أو لعلها أدركت ــــ أن القِدر الذي يغلي لابد له أن ينقلب أو ينفجر، إن لم يجد بخاره المكتوم مجالاً إلي الفضاء الواسع؛ صراخًا أو هتافًا أو حرقًا للأعلام والدمي.2 ــــ زعماء إسلاميون محليون (في دول أوروبية معينة) نظروا تحت أقدامهم بحثًا عن شعبية أو مكاسب سريعة رخيصة.3 ــــ جماعات يمينية أوروبية. وجدت في الأزمة فرصة لطرح مواقفها الثابتة الداعية إلي «تطهير ثقافتنا من أولئك الغرباء» ويبدو أن التفكير قد بدأ فعلا في سن قوانين «تمييزية» تفضل أولئك القادمين من دول أوروبا الشرقية، القابلين ثقافيًا للاندماج في الثقافة الأوروبية الغربية بدلاً من أولئك المسلمين «الذين يشــــكلون الأساس في صدام الثقافات الذي شـــــــهدته أوروبا أخيرًا» علي حد تعبير النيوزويك. فالأوروبيـــــون ببساطة لا يجـــــدون مبررًا يرغمهم علي التخلي عــــــن «ثوابـــــت ثقافتهــــــــم» ســــــواء أرضي ذلك ضيوفهم المســـــــــلمين أم لا: «عليهم أن يقبلونا كما نحن.. أو ببساطة فليرحلوا».4 ــــ واشنطون: التي انتقدت الأوروبيين في العلن. ثم عملت في أروقة الأمم المتحدة علي الحيلولة دون إصدار قرار دولي ينص علي احترام المقدسات الدينية. أيا ما كان الأمر فقد بات واضحا أن الإناء الفائر أوغلت فيه أصابعُ كثيرة. وأن بخار الغليان أخفي الحقيقة التي ربما كانت الأولي بالعناية والاهتمام، والمتمثلة في أن هذه الرسوم ــــ وأستأذن في التعبير القانوني ــــ كانت «كاشفة لا منشئة». فالكارتون ــــ تعريفًا ــــ اختزال وتجسيد «للصورة الذهنية» لما يتم التعبير عنه رسمًا. وهنا المشكلة. فأصل القصة، وعلينا أن ننتبه لذلك، أن المحرر الثقافي للجريدة الدانماركية عندما دعا رسامي الكارتون الأوروبيين إلي التعبير عن صورة نبي الإسلام (ص) كما يرونه، كانت تلك الرسوم » المشوَهة والمشوِهة». والتي ــــ إن استبعدنا سوء القصد ــــ لكانت، وهذا هو الأهم «كاشفة» عن مدي الخطأ والتشويه الذي يعتور صورة الإسلام وعن مدي جهل الغرب بدين محمد وبنبيه الكريم الذي لم يبعث حاملاً قنبلة بل «رحمة للعالمين» ولم يكن أتباعه يومًا ــــ كما هي تلك الصورة الذهنية السائدة في الغرب ــــ بأجلاف قساة غلاظ القلوب. بل هم، بحكم الأمر الإلهي: «الذين يمشون علي الأرض هونًا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا» (الفرقان -63).مقالات آخرى للمؤلف أيمن الصياد
مقالات الأعداد الآخرى
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
© وجهات نظر. All rights reserved. Site developed by CLIP Solutions |