![]() |
|
|
|
و هل نحن نقرأ؟ ![]() حينما كانت الأيامُ غيرَ أيامنا تلك، وحينما كنتُ بعدُ في الحادية عشرة من العمر، كانت معلمتنا تطلب منا أسبوعيًا أن نلخص مقال محمد حسنين هيكل الشهير «بصراحة» لتختار منا من يقرأ الملخص أمام الفصل كله في حصة صباح السبت. كنا وقتها في الصف الخامس الابتدائي. وكان هكذا مستوي تعليم «القراءة» والكتابة والإلقاء. لا أملُّ ترديدَ الحكاية لدلالتها. ولا أستطيعُ إلا أن أتذكر أن «المقهي» الرئيس في بلدتنا الصغيرة «السنطة» ــ وهي كانت أيامها تقفُ ما بين القرية والمدينة قبل أن يلحقها ما لحق وادي النيل كله من «تشويه سبعيني» ــ كان يضمُ بين جنباته «مكتبة» يتنافسُ مثقفو البلدةِ علي مدها بما يستطيعون من كتب. كما يتنافسون علي مراوغة راعيها وصديقهم «حمدي عبد الرازق بركات» ليفوزوا بيوم زائد علي فترة الاستعارة المسموح لهم بها.كانت الأيامُ غير الأيام. وكنا ــ فتية ــ نقضي بعض أمسياتنا مع مدرس اللغة العربية الفاضل «محمد يوسف الرفاعي»، علي جانب حقل أو ترعة أو حتي في فناء المدرسة. لا لدرس خصوصي، وإنما لنناقشه في كتاب قرأه أحدُنا أو لنجادله ونقارعه الحجة بالحجة في معني بيت شعري أو تفسير آية قرآنية.أتذكرُ هذا وأنا أري كيف يحتفل تلاميذ هذه الأيام بنهاية العام الدراسي بإشعال النار في «مختصراتهم الدراسية» المصورة وفي كتبهم المدرسية التي يكرهونها.أتذكرُ هذا وأري ذاك، وأتساءلُ: إذا كانت أجيالُنا الجديدة ــ لأسبابٍ مفهومة ومتعددة ــ لا تقرأ. فهل نحن مازلنا نقرأ؟!تقول الأرقام الرسمية إن عدد النسخ المودعة إيداعًا قانونيًا بدار الكتب القومية في الفترة منذ بداية هذا العام 2005 وحتي نهاية أكتوبر يبلغ 7509 كتب صدرت باللغة العربية و480 عنوانًا بلغات أخري (من المفترض أن هذا الإحصاء يشمل الكتب المدرسية والحكومية والكتب التي يعاد نشرها). ويقول الإحصاء ذاته أن من بين 7509 كتب هناك 2345 كتابًا مصنفًا علي أنه من الكتب الدينية في حين لا يتجاوز عدد الكتب التي تتناول العلوم البحتة 162 كتابًا. وتبقي الأرقام في ذاتها بحاجة إلي «قراءة».أقرأ الأرقام، ويذكر لي زملائي الذين عكفوا علي إعداد ملف «كتاب العام» كيف أن كثيرين من مثقفينا الذين اتصلوا بهم راوغوهم أو صارحوهم معتذرين بأنهم لم يقرأوا كتابًا هذا العام ــ أو بالأحري منذ سنوات. وأتذكر ما قاله لي صديقي الذي «يكتب» عمودًا في إحدي الصحف أن هذا ليس زمان الصحيفة أو الكتاب «هذا زمن التلفاز». ورغم أنني لست متأكدًا من خطأ ما ذهب إليه صاحبنا هذا، إلا أنني أعرف أن أرقام اليونسكو واتحاد الناشرين الدولي تشير إلي أن العالم «المتقدم» (الذي اخترع التلفاز) يصدر فيه سنويًا حوالي مليون وربع المليون عنوان جديد. وحوالي نصف المليون دورية مطبوعة، وحوالي خمسة ملايين تقرير علمي وتقني (احصاءات 2001)لصديقتنا الكاتبة دلال البرزي تقسيم ساخر ومثير لمثقفي هذه الأيام: الذين يكتبون ولا يقرأون.. والذين يقرأون ولا يكتبون.. والذين لا يقرأون ولا يكتبون.الفئة الأولي وصل أفرادُها بالكتابة إلي ما كانوا يصبون إليه، واحتلوا مكانة عالية لدي القارئ.. فاكتفوا بذلك وباتوا لا يقرأون إلا ما يكتبون.(!) والفئة الثانية ــ وهي الأوسع ــ فئة الذين يقرأون ولا يكتبون مع أن الكتابة جل مبغاهم. يعرفون بعضهم بعضًا وتعرفهم مقاهي وسط البلد يحاولون ــ بلا فائدة في معظم الأحيان ــ اجتياز قنوات النشر الضيقة. «يقرأون بحرقة.. ظانين أنهم كلما قرأوا أكثر، أمكن لهم الترقي المعنوي من مصاف الجنود القارئين إلي رتبة البارونات الكاتبين».وبفعل الزمن تتحول القراءة عندهم إلي «فعل صبر وإيمان» وأحيانًا ما تتحول الكتابة عند بعضهم إلي «أكل عيش» حيث يعكفون كالعبيد علي الكتابة لآخرين.أما الفئة الثالثة ــ في تقسيم دلال البرزي ــ فتحتل أعلي الهرم؛ «هم وصلوا عن طريق الكتابة والقراءة.. ولكنهم سرعان ما أدركوا أن عليهم الانشغال بشيء آخر: بالعلاقات العامة والمؤتمرات والمآدب والرحلات وهوامش ذلك كله. والأهم من كل ذلك: الظهور علي الشاشة الصغيرة بصفة الخبرة والمعرفة والوحي..».هل انتهي عصر القراءة إذن؟رغم تقسيم دلال الساخر، ورغم «صاحب العمود» الذي اكتشف التلفزيون. تبقي حقيقة أن «الكتاب» هو المسكن الطبيعي للعلم والمعرفة، منذ أن حفر السومريون ألواحهم. ومنذ أن اخترع جوتنبرج المطبعة. ويبقي أن نتذكر أن القراءة هي التي أتت لهذه الأمة يومًا بالنور من نهاية النفق.مقالات آخرى للمؤلف أيمن الصياد
مقالات الأعداد الآخرى
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
© وجهات نظر. All rights reserved. Site developed by CLIP Solutions |