لا يوجد اى مقال فى السلة
 
 









1

قراءة: مصر الآن

مصر ــ الآن:

توتراتٌ.. واحتقاناتٌ.. وارتباكاتٌ.. وبيانات تبرير وتفسير «شبه يومية»، ورياحٌ خماسينيةٌ تبدو في أفق صيفٍ ملتهب.

في مصر ــ الآن: آملون.. ومتوقعون.. ومحاولون.. ومتربصون.. وغافلون.. ومن لا يجيدون ــ للأسف ــ قراءة «نشرة الأحوال الجوية».

مصر ــ الآن: صفوفٌ من «الخوذات السود».. وشوارعُ لا تخلو من شاحنات الجنود.. وحوارٌ سياسي «مُنفلت».. وصائدون في الماء العكر.. ومزايدون يحاولون بلافتاتهم وإطلالاتهم التليفزيونية تثبيت أقدام لهم «تيبست» في مساحةٍ يظنونها باقية.. وبائعون «جُدد» يُسَوِّقون بضاعةً قديمة في علبٍ جديدة. ويُذّكروننا بباعةِ الأدوية في سوق قريتنا القديم.

في مصر ــ الآن: محاولةٌ لشق صفِ القضاة. وهو أمرٌ لو تم لكانت «الدولةُ» ومفهومُها ذاته الذي يستندُ بالتعريف إلي «النظام» ومن ثم إلي «مهابة القانون وأصحابه» أولَ الضحايا.

في مصر الآن: كلُ احتمالات الغد مفتوحة؛ أكثرها تفاؤلاً.. وأبغضها تشاؤمًا. وهذا وضعٌ أقل ما يوصفُ به أنه لا يبعث بالطمأنينة في النفوس.

لماذا انتظرنا كل هذا الوقت.. لنصبحَ الآن «هنا»؟!

ولماذا انتظرنا اللحظة التي يَصحُ فيها القولُ بأن «ليس هناك وقت لتقديم مرشح معارض جاد.. وأن الأمر سيظل أقرب إلي الاستفتاء..»؟! وحتي نضطر ــ بعد كل هذا الانتظار إلي مناقشة أهم قوانين المشاركة السياسية في الأيام «الأخيرة» لـ آخر» دورة للبرلمان.

لماذا قعدنا في انتظار «المفاجأة».. وكل المفاجآتِ «مربكةٌ» بحكم التعريف.

لماذا أصبحنا هنا؟!

كأننا لم نكن نعرف (قبل سنوات ــ وبحكم الدستور علي الأقل) أن تلكَ اللحظةَ قادمة(!). وكأننا لم نقرأ يومًا أجندةً أمريكيةً معلنة. وكأننا لم ندرك أبدًا استحقاقات عصرٍ جديد. ورغم أننا أمةٌ علمتها الجغرافيا عبرَ آلاف السنين أن تستبقَ الفيضانَ «بتدعيم الجسور»، بدا أننا انشغلنا بالبحث عن «القرابين». وبدلاً من أن نتعلمَ من دروس الأولين «ومما جري للأقربين»، غابت عنا حكمةٌ كانت تقتضي ــ بتعريفها البسيط ــ استعدادًا مبكرًا وجهدًا «مخلصًا» لتوحيد الصفوف.

في مصر الآن ــ رغم العام الخامس من القرن الحادي والعشرين ــ عقلية أمنية لم تدرك بعد أن الكاميرات في كل مكان (بل ومدمجة في كل هاتف محمول)، وأن الأطباقَ قد باتت فوق كل سطح. وأن «الحلَ الأمني» ــ وهو معروفٌ ومرفوضٌ في كل الأحوال ـ لم يعد ملائمًا لزمن السماوات المفتوحة. وأن قصة الصحفية التي سحلها الجنودُ في ميدان سعد زغلول نشرتها عشراتُ الصحف وملايين المواقع علي الإنترنت (واسألوا Google) كما أن صورةَ عمامةٍ أزهريةٍ تداس بأقدام العسكر في طنطا كفيلة بإثارة ما كان من الحكمة قطعًا تجنبه.

ها قد عدنا إلي نقطة البداية؛ لا فرقَ بين الدولةِ «التي هي للجميع» والحزبِ «الذي هو ــ بحكم التعريف ــ لبعضهم». الجنود المختفون في ملابس «مدنية»، والمسلحون بهراوات «رسمية» يندسون وسط الجموع لتأديب المعارضين (أو من تسول له نفسُه الأمارة بالسوء ذلك). وتفضحُ المشهدَ وتفضحُنا معه شاشات الفضائيات وبيانات المنظمات الحقوقية في العالم كله. لماذا نضع صورتنا وسمعتنا في هذا المكان. في وقت نخشي فيه ضغوطًا محتملة من الخارج، ونصبح فيه في أمس الحاجة إلي من يشهد معنا لا ضدنا.

كأن لا جديد هناك، عدنا إلي نقطة البداية.

ما بدا بابًا مواربًا لشيء من الضوء والنسيم، مازال هناك من يحاول إغلاقه حماية ــ من العدوي ــ للذين «لم ينضجوا بعد..». وعلي شاشات التليفزيون المصري (الذي سيكون عادلاً في الانتخابات القادمة.!) تباري المتبارون «دون سقف» فكان أن سمعنا من يصف «اندفاع الجماهير إلي الشوارع لتعانق بعضها بعضًا مهنئة بعيد الفخار الوطني».

عدنا إذن إلي ما ألفناه ومللناه.. وإلي المربع رقم واحد.

هل يدرك الحكماءُ خطرَ أن يتعمقَ إحساسُ «لا فائدة..» في النفوس ونحن علي أبواب عصر «مشاركة» ديمقراطية مطلوبة؟ هل تدركون خطرَ انفضاض «أغلبية» المواطنين عن صناديق اقتراع «ربما» يصبح لها استحقاقاتها.

في مصر ــ الآن.. من لا يري عواصف قادمة، وقلاقل قائمة. مطمئنًا لتمنياته. أو ربما مصدقًا لما علي مكتبه من تقارير.

هل هناك من يدرك بحق ــ ولا يحاول أن يتجاهل ــ أن في كواليس الإدارة الأمريكية من يري أن «التغيير المصري ــ لا العراقي ــ هو القادر علي إطلاق التغيير في العالم العربي»؟ وهل هناك من قرأ بعناية الربط الأمريكي المستمر «والمستقر» بين أمن الدولة العظمي والتغيير «الحتمي» في المنطقة. وهل هناك من يعرف أن المروجين لتلك النظرية التي ولدت من تحت أنقاض برجي نيويورك قد ذكّرت أدبياتهم غير مرة بمصرية محمد عطا وأيمن الظواهري. قد لا نتفق تمامًا مع الطرح الأمريكي. ونعلم ــ قطعًا ــ أن كثيرًا من الغرض وشيئًا من سوء النوايا يكمن في المداد الذي كتبت به هذه التقارير، أو بعضها علي الأقل. ولا ننسي أبدًا أن جورج بوش قال بصراحة أنه ينظر إلي مسألة الديمقراطية في المنطقة بمنظار شارانسكي (الإسرائيلي) صاحب الكتاب الذي يحرص الرئيس علي الاحتفاظ به بجوار سريره. ولكننا ــ ورغم كل ذلك ــ نعرف أن الحكمة تقتضي «قراءة واعية». خاصة أن الذين خطّوا الصفحات وفروا علينا عناءَ قراءة ما بين السطور.

لم نجد في مصر ــ للأسف ــ من يحاول رؤية ما يلوح في الأفق فيبادر إلي «سد باب الذرائع». فوجدنا خارج مصر ــ للأسف ــ من يضغط، فيجد تجاوبًا ــ وإن مرحليًا ــ ممن ضاقت بهم السبل حتي بدا لهم أن ليس أمامهم غير «الرمضاء أو النار».

الآن: يقف جورج دبليو بوش (لا غيره) يعطينا دروسًا في الديمقراطية.. يَطربُ البعض، ويَغضب البعض. وفي وسط القاهرة تَرفع مظاهراتُ «التأييد» لافتاتها «بالإنجليزية»(!) والدلالة لا تخطئها عين. ويصبح واضحًا ــ بكل الأسف ــ أنه في أجواءٍ يحكمُها «إحباطٌ ضاغط» ومناوراتٌ «ميكيافيلية» يفقدُ مفهومُ «الاستقلال الوطني» أرضًا كل يوم.

هل كان من الحتمي أن نصل إلي هنا؟!

في مصر ــ الآن: من لا يدرك أن «المركب واحدة». وأن لا مصلحة لهذا الطرف أو ذاك في ثقبها هنا أو هناك. وأن الكرسيَ ــ وفي مصرَ كراسٍ كثيرة ــ لن يطفوَ أبدًا بصاحبه يومَ الطوفان.

أيها السادة.. هل تعلمون ــ حقًا ــ أين نحن الآن؟

كان صادمًا ــ أو علي الأقل مباغتًا ــ أن شابًا صغيرًا استوقفني معلقًا علي «حالة الاستفتاء»؛ متسائلاً: «لماذا لا يستفتوننا إن كنا نرغب في أن نصبحَ ولاية أمريكية؟» صدمني السؤالُ.. وصدمتني الإجابة التي قد لا تطاوعني نفسي أن أكررها. فقط أتساءل: لماذا وصلنا إلي هنا؟!




مقالات آخرى للمؤلف أيمن الصياد

اغسطس 2010
يوليو 2010
يونيو 2010
فبراير 2010
يناير 2010
ديسمبر 2009
اغسطس 2009
يوليو 2009
يونيو 2009
مايو 2009
ابريل 2009
يناير 2009
اكتوبر 2008
نوفمبر 2007
يوليو 2007
يونيو 2007
فبراير 2007
يناير 2007
ديسمبر 2006
اغسطس 2006
يوليو 2006
يونيو 2006
مايو 2006
ابريل 2006
مارس 2006
فبراير 2006
يناير 2006
ديسمبر 2005
ديسمبر 2005
نوفمبر 2005
اكتوبر 2005
سبتمبر 2005
اغسطس 2005
يوليو 2005
مايو 2005
ابريل 2005
مارس 2005
فبراير 2005
يناير 2005
ديسمبر 2004
نوفمبر 2004
اكتوبر 2004
سبتمبر 2004
اغسطس 2004
يوليو 2004
يونيو 2004
مايو 2004
ابريل 2004
مارس 2004
فبراير 2004
يناير 2004
ديسمبر 2003
نوفمبر 2003
اكتوبر 2003
سبتمبر 2003
اغسطس 2003
يوليو 2003
يونيو 2003
مايو 2003
ابريل 2003
مارس 2003
فبراير 2003
يناير 2003
ديسمبر 2002
نوفمبر 2002
اكتوبر 2002
مايو 2002
فبراير 2002
اكتوبر 2001


مقالات الأعداد الآخرى
 
© وجهات نظر. All rights reserved.
Site developed by CLIP Solutions