![]() |
|
|
|
الفلسطيني الأخيـر.. ![]() يقاس التحول الجذري، الذي تحدثه وفاة ياسر عرفات، في المشهد الفلسطيني المعاصر، بما كان للرجل من ماضٍ سياسي جسد المشهد ذاته طوال حياته. كان عرفات، قيادة استثنائية توافقت بشكل استثنائي، مع حالة شعبه في أعقاب حرب 1948: مهزوم، منفي، مشتت، بلا دولة تحميه أو وطن يعيش فيه، أو استراتيجية سياسية توحده. عاش الفلسطينيون التقسيم، أسرة وطبقة وعشيرة. تناثروا في أنحاء الإقليم، وما وراءه، عرضة للاستغلال، بفعل الأغراض المتصارعة للبعض، وفريسة لطموحات الجميع. وبقوة ما له من تاريخ وشخصية وكاريزما «حضور وجاذبية» ودهاء، أصبح عرفات بالحيلة والاستئساد، بالحظ والمناورة والصبر، الأكثر جدارة بالتعبير عن الفلسطينيين والممثل الشرعي لهم، أمام أنفسهم وأمام العالم. كانت الوحدة الوطنية هدف عرفات الاسمي، وكان يؤمن بأن لا شيء يمكن أن يتحقق بدونها. كان هو الجسر بين فلسطينيي الشتات، وفلسطينيي الداخل، بين الذين شردوا في عام 1948. والذين عاشوا الاحتلال منذ عام 1967. أهالي الضفة الغربية وغزة. كان الجسر بين الصغار والكبار، الأغنياء والفقراء، المتأرجحين والأتباع المخلصين، الحداثيين والتقليديين، أنصار الحرب ودعاة السلام، والإسلاميين والعلمانيين. كان عرفات زعيمًا وطنيا، رجل قبيلة، كبير عائلة، رب عمل، سامريا «متعاطفًا»، ورئيس حركة وطنية علمانية كرس حياته، وبعمق، لكل ما كانه كي يصبح الرمز المبرز لكل جماعة من الجماعات المتباينة، حتي وإن تبنت هذه الجماعة، أو تلك، وجهات نظر معارضة. وكثيرًا ما ووجه أسلوبه بانتقادات أو قوبل باستياء، لكن مكانته المبجلة نادرًا ما كانت موضع شك. ولا يوجد الزعيم الفلسطيني الذي يستطيع أن يكون ما كانه عرفات. وجود هذا النموذج السياسي مرة ثانية يكاد يكون مستحيلاً تحت الاحتلال، ولا شك أنه غير مطلوب الآن. الرجل الذي وقع عليه الاختيار لخلافة عرفات يختلف عنه في وجوه كثيرة ويتشابه معه في وجه واحد مهم: أبو مازن، مثله في ذلك مثل عرفات، شخصية وطنية فلسطينية أصيلة ومتميزة ولكن بأسلوب مغاير بشكل جذري. وبينما حقق عرفات مكانته الوطنية بالتماهي مع، والانتماء إلي، جماهير الناخبين ومصالح كل الجماعات، ابتعد أبو مازن، بأسلوبه، عن التماهي. غاص عرفات في بحار السياسات المحلية لكن أبو مازن عام فوقها مكرسًا نفسه في خدمة الحركة الوطنية ككل، وشق طريقه إلي السلطة بشجاعة مثابرة وحضور معنوي ومادي ملموس كرجل قليل الكلام كثير الأفعال. هذا الرئيس الجديد، الذي صنع حياته السياسية بعيدًا عن الأضواء المبهرة، ولد عام 1935 وخرج من فلسطين عام 1948. هو عضو مؤسس في «فتح» وأمين عام اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. كان مستشارًا لعرفات والمفاوض الرئيسي، من وراء الكواليس، منذ مؤتمر مدريد في عام 1991. وإلي اتفاق أوسلو في عام 1993. كان أبو مازن المؤثر دائمًا وغير المرئي في معظم الأحوال. وكانت الفترة قصيرة العمر التي تولي فيها رئاسة الـوزراء في عام 2003. هي المرة الوحيدة التي احتك فيهـــا بـ «الحكـــم». ومع رحيل عرفات وَلّتْ سياسات توازن القوي وبدأت سياسات اللمسة الخبيرة الفعالة. لقد عاش عرفات في عالم «بورجيسي» Borgesian (1)، حيث يتعايش الشيء وضده في ذات اللحظة في الفضاء والزمان، وحيث تكمن أهمية اللغة في تأثيرها ووقعها، وليس في معانيها الحقيقية، وحيث تختلط الأساطير بالحقائق ومنهما يتشكل الواقع. عالم أبو مازن أكثر ارتباطًا بما هو سائد ومعروف لمعظم الناس بـ «قانون الأشياء»، ولغته من النوع المقبول الأكثر قربًا إلي قاموس كل يوم. الواقع، عند أبو مازن، أكثر بعدًا عن أشباح الماضي. وعوضًا عن السياسات والحماسة الخلاقة، يتبني سياسات هادئة وحصافة واضحة. يصل عمق الالتزام عند أبو مازن السياسي إلي درجة يمكن القول معها أنه، وإلي وقت قريب، لم يكن سياسيا علي الإطلاق. سلوكياته لا تعرف النهج التآمري، الأمر الذي يعد ملمحًا يحسب وراء نجاحاته العديدة وليس محطات فشله القليلة. وهذا ملمح أصيل نما داخل تكوينه الوجداني والمزاجي. نادرًا ما يخضع أو يعاود الكرة إذا ما صُدَّ أو تم تجاهله، يقوده في ذلك إحساس عميق بالأخلاقيات، وبغض شديد للانحرافات السياسية، ويقين زائد بقوة المنطق. ولأنه يؤمن بقوة منطقه وأسبابه، وبأن «المنطق والسبب» يمثلان القدرة والنبراس للآخرين غيره، فمن المرجح أن ينتظر ــ بإيجابية ــ مجيء الوقت الذي يري فيه الآخرون الأمور كما يراها هو. القدرة علي التلاعب والخداع، أو التآمر، تكاد تكون معدومة داخله، وفي ذلك يكمن سبب عدم تسامحه لتلاعب الآخرين أو تآمرهم، كما يكمن أيضًا مفتاح علاقته مع عرفات: لم يتردد في الاختلاف معه، واختار الابتعاد بدلاً من الصدام أو الحلول التوافقية. ولأن دوافعه، حتي وهو في قمة غضبه، كانت صادقة وغير انتهازية، لم يفقد عرفات ثقته فيه، وكثيرًا ما سامحه. أبو مازن مسلم، أيضًا، شديد الورع. يؤدي فروض الصلاة كل يوم، ويصوم، ويقينه أن فروض العبادة لا يجب أن توظف في أهداف دعائية وأنها ليست للعرض العام، ولديه حساسية إزاء دور الدين في السياسة. وفي مفاوضاته الحالية الدائمة مع قادة حماس والجهاد الإسلامي، يتبلور هذا اليقين بوضوح لا تخطئه العين، وثقة كاملة في أنه لا يقل إسلامًا عن أحد. وعندما يتحاور مع سياسي إسلامي لا يخاطب إلا السياسي فيه. يتمسك أبو مازن بمجموعة مترابطة وجوهرية من المبادئ غير الراغب في التنازل عنها أو إحداث توافق بشأنها. ففي خريف عام 1999. وإثر انتخاب إيهود باراك كرئيس للوزراء في إسرائيل، تقدم إلي المسئولين الأمريكيين بعرض مباشر من أجل اتفاق نهائي: دولة فلسطينية داخل حدود 4 يونيو عام 1967. القدس الشرقية عاصمة لها، واعتراف مبادئ بحق اللاجئين في العودة. وفي إطار هذه الحدود الثابتة والمتوافقة مع الشرعية الدولية، ترك أبو مازن مساحة للحوار تسمح بأن تكون هناك مقايضات محدودة منصفة فيما يتعلق بالأرض، وتضع في الحسبان بعض المستوطنات الإسرائيلية، وأوضاع تيسر لليهود ارتياد الأماكن المقدسة، وضمانات بأن إعمال حق العودة للاجئين لن يهدد المصالح الديموغرافية «الطبيعة السكانية» لإسرائيل. ووضع أبو مازن القبول المبدئي بهذا العرض شرطًا وأساسًا لبدء المفاوضات، باعتبار أن عدم القبول به يعني عدم وجود شرعية دولية أو سلام عادل. ولقد تجاهلت الولايات المتحدة هذا الشرط. وبدأـ المفاوضات وتحولت إلي ما يشبه دروب السوق المليئة بالأداء والتقمص والصفقات غير المرتبطة بالمبادئ الجوهرية: تعددت، وتراوحت، نسب أراضي الضفة الغربية التي سيكون علي إسرائيل إعادتها، وكذلك كان الحال فيما يتعلق بالأجزاء المقترح فرض السيادة عليها في القدس الشرقية، وعدد من سيسمح لهم من اللاجئين بالعودة والاستقرار في إسرائيل.مقالات آخرى للمؤلف حسين أغا
مقالات الأعداد الآخرى
|
||||||||||
© وجهات نظر. All rights reserved. Site developed by CLIP Solutions |