لا يوجد اى مقال فى السلة
 
 









1

قــراءة ..العـــراق الجــــديــــــد

ما أشبه الليلة بالبارحة..

كما ذهب الأمريكيون إلي العراق قبل عام ونصف بحثًا عن أسلحة الدمار الشامل، فلم يجدوها، ذهبوا اليوم إلي الفلّوجة ليجعلوا عاليها سافلها، بحثًا عن الزرقاوي.. وبدلاً من أن يجدوه، أوجدوا مزيدًا من مشاعر الكراهية، وحرضوا حتي المسالمين علي الثأر (ولو بعد حين).

ما أشبه الليلة بالبارحة.. ها هي المقابر الجماعية التي رأيناها في حلبجة وفي جنوب العراق.. تعود مرة أخري. هل رأيتم العراقيين يحفرون الأنفاق خارج الفلوجة ليدفنوا ثلاثة آلاف وسبعمائة جثة لا يمكن التعرف علي أصحابها بعد أن شوهتها نيران القذائف الأمريكية تشويهًا كاملاً؟ وهل سمعتم مسؤول الصليب الأحمر الدولي وهو يصف منع سيارات الإسعاف من دخول المدينة المدمرة لإجلاء القتلي والجرحي بأنه «انتهاك للكرامة الإنسانية»؟

يُذكرنا الكاتب العراقي داود الشريان بأنه لو كانت حكومة أخري غير الحكومة العراقية المعينة من قبل قوات الاحتلال الأمريكي هي التي تأمر بشن حرب إبادة في الفلوجة والرمادي... بحجة البحث عن الزرقاوي، لسارعت واشنطن إلي دعوة مجلس الأمن الدولي لعقد جلسة طارئة لبحث الموقف وفرض عقوبات اقتصادية دولية علي العراق.

ولو كانت قوات أخري غير قوات الاحتلال الأمريكية هي التي تقصف يوميًا المدن المأهولة بالسكان وتدفن الأطفال والنساء والشيوخ تحت الأنقاض، لأقامت واشنطن القيامة ودعت إلي وقف المجازر وانسحاب القوات المحتلة فورًا واللجوء إلي البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة للتدخل العسكري ووضع حد للمأساة.

ولو كان سكان الفلوجة وسامراء والمدن العراقية الأخري يتعرضون يوميًا لقصف وحشي من قبل النظام العراقي السابق لبادرت واشنطن إلي اعتبار المنطقة ملاذًا آمنًا يحظي بحمايتها الحربية ويمنع قوات صدام من التقدم نحوها كما حدث في شمالي العراق وجنوبه في التسعينيات.

هل ترون فرقًا حقيقيًا بين وحشية إنهاء التمرد في الفلوجة (اليوم) بقرار من رئيس الوزراء «علاوي» وبين وحشية إنهاء التمرد الشيعي في الجنوب (1991) بقرار من رئيس الجمهورية «صدام»؟

لا فرق.. فقط هو «العراق الجديد».

ما أشبه الليلة بالبارحة..

هل سمعتم ما قاله وزير الدفاع العراقي عن «الجزيرة» بعد أن أكد أن شقيق مراسلها في العراق هو نائب الزرقاوي وأنه حارب السوفييت في أفغانستان (عمر الفتي 24 عامًا فقط والحرب الأفغانية كانت في الثمانينيات!!)؟ قال الوزير العراقي «الجديد» حازم الشعلان مهددًا: سيأتي اليوم الذي نتصدي فيه للجزيرة «بشكل آخر» وليس بالكلام.

ومؤكدًا أن متمردي الفلوجة «أجانب لا عراقيين» قال الشعلان إن عدد الذين ألقي القبض عليهم 60 أجنبيًا (من بين ألف وستمائة تم اعتقالهم في الفلوجة!!!). وعندما سئل متي ستحاكمونهم قال نصًا: «وهل من الممكن أن أترك هذا الشخص حيًا..؟» متسائلاً «أية عدالة هذه؟ هل يريدون مني أن أطعمه وأقدمه أمام محكمة؟ لا.. نحن لسنا في أمريكا أو فرنسا..» (الشرق الأوسط 23/11).

ها هو العراق الجديد.

كأن الغمامات علي كل العيون.

رغم كل التمنيات والتصريحات وابتسامات الساسة أمام الكاميرات، لا يدري أحد ــ تقريبًا ــ ماذا يجري هناك؟ أو إلي أين نحن ذاهبون؟ أإلي حرب أهلية، كما توقع ريتشارد مايرز؟ أم إلي عراق مقسم علي أساس طائفي؟ مقاومة هي أم إرهاب؟ أم عمليات استخباراتية بعد أن أصبحت أرض الرافدين مرتعًا للجميع؟ أم هي مزيج فريد في التاريخ من كل ذلك؟

من يدفع (بالاغتيالات المدبرة وانتهاك حرمة المساجد) بالحرب الطائفية إلي الواجهة؟ رغم وجاهة «منطق البحث عن المستفيد»، لا أحد يعلم.. أو لا أحد يمكنه مطمئنًا أن يقطع بأنه يعلم.

مثلما «أن العالم لم يصبح أكثر أمنًا» كما نبهنا الرئيس الفرنسي جاك شيراك قبل أسبوعين. بعد أن نجح بوش في أن يحقن مزيدًا من الحقد والكراهية في الدماء، لم يصبح العراق (الجديد) أفضل حالاً. ولم تعد المنطقة أكثر استقرارًا. بعد أن أتي الأمريكيون إليها بكل من لهم ثأر معهم، وبعد أن شُحن شبابها بالغضب. وبعد أن ضاعت في صحراء الإحباط القاتلة المسافاتُ الفاصلة بين المقاومة والإرهاب، وبين العدل والظلم. وارتبكت في عقول الكثيرين المعاني والمفاهيم. أبرياءٌ كثيرون سقطوا ضحية هذا الحقد وتلك الكراهية؛ لا فرق بين مارجريت حسان (البريطانية العراقية) وبين الشيخ السبعيني (الأعزل) الذي كان يسند رأسه إلي حائط مسجد الفلوجة قبل أن يعاجله «رامبو»؛ جندي المارينز المدجج بترسانة كاملة من الأسلحة بطلقات من مدفعه الأتوماتيكي المتطور مزهوًا بشجاعته وقوته الطاغية الرعناء.

لم يصبح العالم أكثر أمنًا.. وكذلك لم يصبح العراق.

كم هي اللحظة غائمةٌ وملتبسةٌ في التاريخ العربي والعراقي، حتي لا يكاد الأكثر حصافة بقادر علي أن يتبين الخيط الأبيض من الأسود. وكم كان مشهد المتنادين إلي شرم الشيخ ــ مجبرين أو راغبين ــ متنافرًا وصارخًا بالنشاز؛ فالدوليون، بعد أن وضعت واشنطن الجميع في الزاوية، أجبروا ــ رغم صراحة الفرنسيين ومحاولات المصريين ــ علي الاجتماع في المدينة الساحلية «ليتوافقوا» علي إدانة المقاومة لا الاحتلال. وليمنحوا ــ بحكم الأمر الواقع ــ صكًا بمزيد من الشرعية لحكومة مازالت تبحث عن شرعيتها بين مواطنيها أنفسهم. ورغم حرص الجميع علي تسجيل أسمائهم في دفتر الحضور فقد بدا واضحًا أن العراق «الجديد» سيعكس لأمد طويل كل تناقضات المنطقة الساخنة. هل استمعتم جيدًا للكلمات داخل القاعة، وعلي الهامش؛ العراق الذي يريده الإيرانيون غير ذلك الذي يريده الخليجيون. وهذا أو ذاك ــ أيّاً كانا ــ غير ما يأمله قطعًا الأمريكيون.

كأنما هو قدر المركب العراقي أن تتقاذفه أمواج بحر النظام العالمي الجديد، الذي وإن كانت بوصلته قد استقرت علي الجانب الآخر من الأطلنطي إلا أن رياحه يبدو أنها لم تهدأ بعد.

أو كأنما هو قدر العراقيين أن «يُمتحنوا» بحكم فاسد وحشي.. وبحروب مدمرة.. ثم بمحنة التحول العنيف» كما قال الدبلوماسي الأول كوفي عنان في شرم الشيخ، منتقيًا ألفاظه بعناية كي لا تُغضب نيويورك واشنطن مرة أخري.

يبقي من مفارقات المشهد العراقي المزدحم بالتفصيلات، ملاحظاتٌ ثلاث:




مقالات آخرى للمؤلف أيمن الصياد

اغسطس 2010
يوليو 2010
يونيو 2010
فبراير 2010
يناير 2010
ديسمبر 2009
اغسطس 2009
يوليو 2009
يونيو 2009
مايو 2009
ابريل 2009
يناير 2009
اكتوبر 2008
نوفمبر 2007
يوليو 2007
يونيو 2007
فبراير 2007
يناير 2007
ديسمبر 2006
اغسطس 2006
يوليو 2006
يونيو 2006
مايو 2006
ابريل 2006
مارس 2006
فبراير 2006
يناير 2006
ديسمبر 2005
ديسمبر 2005
نوفمبر 2005
اكتوبر 2005
سبتمبر 2005
اغسطس 2005
يوليو 2005
يونيو 2005
مايو 2005
ابريل 2005
مارس 2005
فبراير 2005
يناير 2005
نوفمبر 2004
اكتوبر 2004
سبتمبر 2004
اغسطس 2004
يوليو 2004
يونيو 2004
مايو 2004
ابريل 2004
مارس 2004
فبراير 2004
يناير 2004
ديسمبر 2003
نوفمبر 2003
اكتوبر 2003
سبتمبر 2003
اغسطس 2003
يوليو 2003
يونيو 2003
مايو 2003
ابريل 2003
مارس 2003
فبراير 2003
يناير 2003
ديسمبر 2002
نوفمبر 2002
اكتوبر 2002
مايو 2002
فبراير 2002
اكتوبر 2001


مقالات الأعداد الآخرى
 
© وجهات نظر. All rights reserved.
Site developed by CLIP Solutions