![]() |
|
|
|
قـراءة .. قصة في الحادي والعشرين من أكتوبر، وبعد عشرين عاما كاملة من المطاردة، وبصاروخين أطلقتهما طائرةٌ بدون طيار، تمكن الإسرائيليون من اغتيال عدنان الغول (48 عاما) المسؤول العسكري لحركة حماس في غزة. وكانوا قد اغتالوا من قبل ولديه؛ بلال/البِكْر (18 عاما) ومحمد (15 عاما) وابن عمه عمران ونسفوا بيته مرةً.. ثم أخري بعد أن أعاد بناءه. وكانوا قد فشلوا في اغتياله؛ مرتين بالصواريخ ومرة بفنجان مسمم من القهوة. ثم كان أن نجحت المحاولة. وليلتها شرب الإسرائيليون الأنخاب، وخرج شارون إلي شاشات التلفزيون ليهنئ قادة جيشه. وليلتها أيضا حكي «أحدُهم» هذه القصة: حتي عام 1948، كان جد عدنان الغول هو مختار (عمدة) القرية العربية «عقير» (اسمها العربي الحقيقي: «هربيا»)، التي ارتبطت بعلاقات جيرة حسنة مع البلدة اليهودية «عقرون»، المسماة حالياً «كريات عقرون». وكانت تربط بين البلدتين؛ العربية واليهودية، علاقات جوار وصداقة رسختها العلاقة بين «شكولنيك»؛ مختار البلدة اليهودية التي كانت تضم قرابة 100 نسمة، وجد عدنان الغول؛ مختار البلدة العربية، التي كان يعيش فيها قرابة 2500 نسمة (لاحظ الأعداد). وكان أنه في بداية الثلاثينيات، وكدليلٍ علي الصداقة التي ربطت بينهما، أن تبادل الرجلان (شكولنيك / اليهودي ومختار القرية العربية) العصي التي كانا يتكئان عليها،ليستخدم كلٌّ منهما عصا الآخر في حياته. وفي عام 1936 عندما اندلعت الثورة العربية، حمل جد عدنان الغول، العصا التي حصل عليها من شكولنيك، وجلس علي الطريق المؤدي إلي «كريات عقرون» اليهودية. وضع العصا إلي جانبه، والبندقية علي ركبتيه، وأبلغ أهالي القرية أنه سيتحتم علي من يسعي إلي المس بيهود كريات عقرون، المرور علي جثته هو، أولاً. وكان أن اجتازت القريةُ اليهودية السنوات الثلاث للثورة، دون أن تسقط ولو شعرة واحدة من رؤوس سكانها. واستمرت العلاقات بين اليهود والعرب، في القريتين الجارتين طيبة... ثم جاء العام الثامن والأربعون. وفي الرابع من أيار/مايو وصلت الوحدة 52 «اليهودية» التابعة للـِّواء الخامس (جبعاتي)، إلي القرية العربية وأبلغت سكانها أن عليهم الرحيل والتوجه جنوبًا، نحو غزة. فحمل جدُ الغول عصاه وتوجه نحو كريات عقرون، لمقابلة شكولنيك. وقال له: «الآن جاء دورك كي تدافع عنا». حمل شكولنيك عصاه، التي أهداها له الغول، وتوجه إلي خيام ضباط جبعاتي التي أقيمت علي مسافة قريبة. وروي لهم كيف دافع سكان القرية العربية عقير / هربيا عن الجيرة الحسنة، وما الذي فعله جد الغول. إلا أن حديث شكولنيك لم يثر أي انطباع لدي ضباط جبعاتي الذين أصروا علي عدم وجود أي اعتبار لكون القرية صديقة، وأنه لابد من طرد سكانها.. «فورا». عاد شكولنيك إلي جيرانه العرب في عقير / هربيا ليخبر أهلها بأنه لا يستطيع فعل أي شيء، لأن الأوامر جاءت من الجهات العليا. فحمل العربُ الذين ظنوا أنهم عائدون لاحقًا ماخّف من متاعهم، واتجهوا شرقـًا نحو أسدود، ومنها جنوبًا، نحو المجدل، ثم إلي وادي غزة... حيث مازالوا هناك؛ يحتفظُ شيوخهم بمفاتيح بيوتهم القديمة «يحلمون بالعودة». ويحتفظُ شبابهم بالبنادق والمتفجرات.. والحجارة، يدافعون بها عن «الشبر الأخير» في أرضهم ضد الدبابات والمجنزرات والطائرات.. والجرافات الإسرائيلية اليومية. لو كانت القصةُ نشرت في صحيفة عربية لكانت قد وجدت طريقها السريع إلي صفحات «ميمري» ورسائلها المنتظمة «الضاغطة» إلي ذوي النفوذ في الولايات المتحدة، مقرونة باتهام زاعق «لا يقبل المراجعة» لصاحب القصة وناشرها بـ «اللاسامية». لولا أنه قد تصادف أن الراوي إسرائيلي هو البروفيسور عميرام شكولنيك؛ حفيد المختار اليهودي نفسه (توفي الجد قبل شهرين فقط)، وأن ناشر القصة أيضا إسرائيلي؛ «يديعوت أحرينوت» (23/10). لا جديد في القصة. فالكل وإن نسي أو تجاهل يعرف ما جري عامي 1947، 1948. والشهادات الموثقة تزدحم بها كتب المؤرخين الإسرائيليين الجدد أنفسهم. المفارقة أن قصة الجد «الفلسطيني» الذي حمي بعصاه أولئك الذين اغتالوا بعد سنواتٍ أربعةً من أحفاده، نُشرت في الأسبوع ذاته الذي وقع فيه جورج دبليو بوش قانونا لمراقبة «معاداة السامية»، وبعد أيام فقط من استخدام واشنطن حق الفيتو (للمرة السابعة حماية لإسرائيل) لإجهاض قرار لمجلس الأمن يدعو إسرائيل (المحتلة) لإيقاف عملياتها في الأراضي الفلسطينية (المحتلة). والتي أسفرت «إجمالا» وحتي تاريخ الفيتو الأمريكي عن استشهاد 3651 بينهم 654 طفلاً وصبيًا و242 امرأة آخرهن عجوز في السبعين كانت تجلس «داخل منزلها» إلي مائدة الإفطار في اليوم الأول من شهر رمضان. فضلا عن مايقرب من 43 ألفا من الجرحي، وتدمير 60685 منزلا. (لا عداء للسامية هنا يستوجب مراقبة سيد واشنطن العادل لما يجري). الفيتو الأمريكي، وقانون الكونجرس الذي وقعه بوش صدرا في الشهر ذاته الذي أصدر فيه الإسرائيليون «المحتلون» قرارًا (غير معادٍ للسامية!!) بعدم السماح للمزارعين الفلسطينيين «أصحاب الأرض» بقطف ثمار زيتونهم «مصدر معيشتهم الوحيد» إلا لثلاثة أيام فقط، الأمر الذي يترتب عليه عمليا أن تذبل 90% من الثمار علي أشجارها. فضلا عن أن معظمهم لن يمكنهم الوصول أصلاً إلي كرومهم بسبب «الجدار». نعرف أن ظاهرة العداء للسامية ظاهرةٌ اجتماعيةٌ تاريخيةٌ مثلت تاريخيًا أحد أبشع أشكال العنصرية داخل أوروبا. وكذلك نعرفُ أن السياسة الإسرائيلية، وهي وحشية من دون أي مجاز، لن تؤدي إلا إلي زيادة العنف وتعظيم المشاعر اللاسامية. ونعرفُ أن «إسرائيل تختبئ خلف أسوار اللاسامية وادعاء العدالة متجاهلةً حقيقة أن أفعالها تدفع بها نحو التفرقة العنصرية والتحول لدولة منبوذة في نظر العالم» (والرأي هنا لميرون بنفنستي في هآرتس 6/11/2003) وفي حين نفهمُ أن اللاسامية (التي نرفضها وندينها) تعني معاداة اليهود «لمجرد كونهم يهودا» إلا أننا نخشي يومًا يصبح فيه انتقادُ السياسات الإسرائيلية، أو وصفها بالوحشية «معاداةً للسامية». ويومها نصبحُ جميعا مدانين. ونعرف أيضا بحكم تراثنا الديني والفكري والتاريخي، وبدليل مافعله جدُ الغول مع جاره اليهودي أن الناسَ سواسية. ولسنا بحاجة لأن يعلمنا أحد أن معاداة السامية (بوصفها تمييزًا للناس علي أساس يهوديتهم) عنصريةٌ بغيضة. وكنا بالتأكيد سنرحب بقانون «السيد الأمريكي» إذا كان ضد العنصرية بجميع أشكالها: سواء كان مقصودا بها اليهود أو العرب أو المسلمون أو المسيحيون أو الأكراد أو الزنوج...الخ. ولكننا نستشعرُ قلقًا مشروعا من «زئبقيةٍ» نعرف بحكم السوابق وموازين القوي، ومحاولة التماهي بين اليهودية والدولة أنها ستطول التعريف والتفسير.مقالات آخرى للمؤلف أيمن الصياد
مقالات الأعداد الآخرى
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
© وجهات نظر. All rights reserved. Site developed by CLIP Solutions |