![]() |
|
|
|
قراءة ..أسئلة هيكل علي مركب في الخليج العربي، وبمناسبة ختام مهرجان سينمائي «محترم» نظمه قبل حوالي العام المجمعُ الثقافي بأبو ظبي، جمعتني طاولةُ الغداء مع المخرج السوري المعروف محمد ملص. ويومها حكي لي، حين عرف علاقتي بهذه المطبوعة: «إننا كنا في مقتبل العمر، وحين لانجد في جيوبنا ثمن الجريدة، نقرأ أهرام الجمعة معلقًا عند باعة الصحف حتي لا يفوتنا ما كتبه (الأستاذ) في مقاله الأسبوعي (بصراحة)». تذكرت ساعتها وحكيت بدوري كيف كانت معلمتنا تطلب منا أن نلخص «بصراحة/هيكل» أسبوعيا، لتختار منا من يقرأ الملخص أمام الفصل كله في حصة صباح السبت. كانت الأيامُ غير الأيام.. وكنا وقتها في الصف الخامس الابتدائي. وكان «هكذا مستوي» تعليم القراءة والكتابة والإلقاء. في فصلٍ صغيرٍ في مدرسة «النصر» الابتدائية بالسنطة في قلب دلتا النيل كنا نقفُ لنقرأ «هيكل». وعلي قارعة الطريق في «القنيطرة» السورية، كان محمد ملص ورفاقه يقفون ليقرأوا «بصراحة».تذكرتُ المشهدَ واتساعَه، حينما عرفت من الزملاء في «الجزيرة» أن نسبة المشاهدة للقناة وقت بث برنامج «مع هيكل» علي مدي الشهرين الماضيين بلغت أرقامًا غير مسبوقة. وكنت قد لاحظت أن رسائل القراء/ المشاهدين إلي موقع «وجهات نظر» علي «الجزيرة نت» قد سجلت أعلي نسبةً من ردود الفعل. كما أن الموضوعات التي طُرحت في الحلقات كانت مادة لكثير من منتديات النقاش العربية علي الإنترنت. والتي كانت قد اعتادت لسنوات أن يستغرقها الجدل حول أسامة بن لادن ومن بعده الزرقاوي.وفي حين كان مفهومًا أن أفكارًا بهذه الأهمية، من رجلٍ بهذا الحجم والتاريخ، ومن علي منصة لها هذا الذيوع والانتشار، لابد لها أن تجدَ ما وجدته من صدي. إلا أن المراقبَ عن كثب لابد وأن يستوقفه ما بدا في بعض الحالات من غيابٍ لثقافة الاختلاف، ومن استقطابٍ كاد يصبح مرضًا في حياة العرب الفكرية. فرأينا من يقف في مربع لايعكس في واقع الأمر «رأيه» اللاحق في الموضوع، بل «موقفه» المسبق من الآخر. ورأينا كيف اختلف المختلفون أو بعضهم لا علي آراء قالها هيكل رغم أهميتها وإنما مع هيكل نفسه. بعد أن استخرجوا من أعماق ذاكرتهم، ومن مخزون ذكرياتهم، ومن جديد حساباتهم ربما موقفًا «معلبًا» سابق التجهيز.ورغم اتفاقٍ بدا علي أهمية ماقام به الأستاذ من «طرق علي الطاولة».. تذكيرًا ببديهيات «تعرضت أو كادت للإهدار والإنكار في خطابنا السياسي والثقافي»، خرج البعض عمّا بدا إجماعًا ليعتبرَ «أحاديثَ المستقبل» اجترارًا للماضي (!) مذكرًا «باكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح»، ونافيا حقائق التاريخ والجغرافيا. كما كان لافتًا ومحزنًا أن البعض جرفته المسائل الفرعية بعيدًا عن القضايا الرئيسية. فبعض التعليقات تجاهلت ما قاله الأستاذ لتتساءل لماذا الجزيرة.. ولماذا قطر؟ وبعضها وكان ذلك غريبًا لم يلتفت أصلاً إلي الأفكار والآراء والقضايا التي ازدحمت بها عشر ساعات من البث عن «ما نواجهه الآن» مصممًا علي أن تتوقف به عجلة التاريخ عند العام السابع والستين من العقد الأخير في القرن الفائت. وهو عَرَضٌ وصفه الأستاذ في حديثه بثقافة الهزيمة. وكان قد حذر منه في «وجهات نظر» من قبل: حين يقصد القاصدون «أن تظل الأمة حبيسة لإحساس الهزيمة وأسيرة لذلها حتي تقبل في أمورها الداخلية والخارجية ما هو مطلوب منها أن تقبله، دون مراجعة أو احتجاج..».هل نعاني فعلاً من ثقافة الهزيمة؟لم يكن هذا سؤال هيكل الوحيد في حلقات «الجزيرة». فأسئلة الحاضر والمستقبل و «الأيام القادمة» كانت كثيرة. وضعها أمامنا، وأمام أجيال قادمة رجلٌ يحرص دائمًا علي أن يقول أن «أيامه وراءه». عن شأن العرب الجاري، كان حديثُ هيكل، وكانت أسئلته، وكانت طرقاتُ مطرقته/قلمه علي الطاولة؛ منبهةً ومحذرةً.. وغاضبة. في زمنٍ هو بالضرورة غير زمانٍ «عربي» كان محمد ملص يشبُ فيه علي أصابع قدميه ليقرأ «بصراحة» معلقةً علي الحائط. وكانت «الأستاذة عطيات» تطلبُ من تلاميذها الصغار أن يلخصوا مقالَ الجمعة. فالعرب وإن لم يعترف البعض في مواجهة الطوفان. وهو طوفانٌ وبغض النظر عن الاختلاف حول الأسباب، أو حتي الوصف و»التكييف» تتسارعُ وتيرتُه وتتلاطمُ أمواجه.. وككل طوفانٍ وبحكم الطبيعة يتسع إطاره الجغرافي؛ من تدميرٍ وإنهاءٍ بات واقعًا لقوةٍ كانت مفترضَةً في وادي الفرات، إلي غيومٍ تجمعت داكنةً في الأفق الجنوبي لوادي النيل. ومن محاولات لمحو قضية العرب المحورية في فلسطين «نهائياً»، إلي محاولاتٍ لمحو الهوية ذاتها، بدعوي التطوير أو التشذيب. ومن ملاحقاتٍ عنصريةٍ بالتوقيف و«التبصيم» في المطارات والموانئ، إلي مطالبات بالتغيير، تحملُ شكلاً واسمًا عنوان «الإصلاح» أو «الشراكة» وتأخذُ بواقع منظومة العلاقات والقوي سلطةَ الجبر. وإن أبدي المجبورون مع اختلافِ أسبابهم غيرَ ذلك. محاولين «هم أيضًا» تسميةَ الأشياء بغير أسمائها. رافعين حينًا شعارَ الواقعية، ومحتمين حينًا آخر بحكمة «بيدي لا بيد عمرو». أو مؤكدين إعلامياً علي الأقل أننا already علي الطريق: فالنساءُ مُمَكَّنات.. وتطوير التعليم علي قدمٍ وساق.. والديمقراطيةُ «مطابقةٌ للمواصفات».. وكل شيء إذن علي ما يرام. ولسنا نحن المقصودين بالخطاب أو المطالبة.ماذا قال الأستاذ هيكل عبر «الجزيرة»؟كما لم يكن سهلاً علي ابن الحادية عشرة تلخيص «بصراحة» في تلك الأيام البعيدة، يصبح من قبيل المغامرة غير المأمونة محاولة الإحاطة في تلك السطور القليلة بكل ماطرحه الأستاذ من أفكار علي مدي عشر ساعات كاملة. وإن كنت شخصيا أود التذكير بماقاله بشأن قضية الإصلاح، والجدل الذي بدا سفسطائيا بين أن يأتي الإصلاح «من الداخل أو من الخارج». أوضح هيكل علي «الجزيرة» ماكان قد فصله سابقًا من أنه وإن كان يتحفظ علي مقولات الإصلاح الأمريكي، إلا أنه يستغرب بعض ما يري ويسمع، «لأن طلب الإصلاح الأمريكي المزعوم للمجتمعات العربية ليس أول ما يقدم إلي عدد من النظم العربية،. ثم يكون جوابه السمع والطاعة».لماذا يرفض البعضُ «إصلاحا يمس أنظمتهم» من بين كل الواردات الأمريكية التي ظلت مرحبا بها لعشرات السنين. لعقود طويلة استجاب العرب لكل المطالب الأمريكية؛ عندما طلبوا سلاما مع إسرائيل، أتيناها «هرولة» حسب التعبير الشهير لعمرو موسي بعد أن أعلنا أكتوبر آخر الحروب، وعندما نادوا بتعميم الرأسمالية، فتح الاشتراكيون أسواقهم ورفعوا الدعم وباعوا قطاعهم العام وبدأوا خصخصة التعليم. وعندما قرروا كسر السوفيات في أفغانستان، شحن العرب أبناءهم إلي هناك، ليعودوا «بألغام في الدماغ ومتفجرات في الحقيبة».. لماذا الآن فقط نتذكر أن «الإصلاح مطلب أمريكي»؟! أسئلة .. وأسئلة .. و«طرقات قلم» علي الطاولةمقالات آخرى للمؤلف أيمن الصياد
مقالات الأعداد الآخرى
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
© وجهات نظر. All rights reserved. Site developed by CLIP Solutions |