![]() |
|
|
|
قـــــــــراءة ..الـقــــــــانـون.. والــقــــــــوة.. والـعــــــــدل طيبون هم أولئك الفقهاء ذوو الشعر الأبيض، الذين يمضون الساعات الطوال ــ والأشهرَ بطولها أحيانًا ــ في جدلٍ حول دقة مصطلح هنا أو لفظة هناك لتخرج النصوصُ التي تشكل بتراكمها ما اصطلحَ علي تسميته «قانونًا دوليا»، في عبارات «جامعة مانعة» كما يقول المناطقة العرب. طيبون هم ــ ربما ــ أو مفرطون في مثاليتهم حينما يحتجون في القرن الحادي والعشرين بنصوصٍ من قبيل «عدم شرعية احتلال أراض الغير بالقوة.. أو التدخل في الشئون الداخلية للآخرين..». لاحظ ما جري ويجري وسيجري في فلسطين والعراق وأفغانستان والصومال والبوسنة والسودان.. إلي آخر قائمةٍ مرنة لا تبدو لها نهاية. يعرفُ الدارسون لفلسفة القانون أنه يصدرُ لتقنين وضع قائم، أو لتقرير ما اتفقت عليه الجماعة الخاضعة له أو المستفيدة من وجوده، تنظيمًا لأمورهم وتحديدًا للموازين والخطوط الفاصلة بين حقوقهم وواجباتهم. ويعرفون أن لا فائدة من قانون لا توجد آلية لتطبيقه. ويعرف التاريخ أدوات مختلفة للاضطلاع بتلك الآلية؛ من جنود فرعون، إلي رجال حمورابي، إلي المحتسب في عهد الخلافة، إلي الشرطة في العصر الحديث، أو حتي «الشريف» في الغرب الأمريكي.والأصل أن يطبق «رجال تنفيذ القانون» قانونهم المحلي. والذي يتضمن بالضرورة ما أضيف إلي مواده من اتفاقات ومعاهدات صدقت عليها الجهات التشريعية للدولة المعنية.وكانت المشكلة دائمًا في القانون الدولي، بعد أن ظهر مفهومه واستقرت أوضاعه تتمثل في آليات تطبيقه. ومن ثم في الجهة (الشرطة) التي من المفترض أن تضطلع بالتنفيذ.ولزمن ــ طال أو قصر ــ بدا أن توازن القوي بوسعه أن يتكفل بالمهمة، وإن «ردعًا لا عقابًا«. وبدا أن «الأممَ المتحدة» قد تنظم الأمرَ بدرجة أو بأخري. وكانت «المحكمة الجنائية الدولية» التي احتاج إنشاؤها لجهد وسنوات خطوةً بدت لازمةًَ لتثبيت دعائم هذا النظام.ثم كان أن جاء قرنٌ جديد. والنظامُ الدولي «المتوازن» تنهار دعائمُه واحدةً بعد أخري. ورويدًا رويدًا لاح في الأفق ــ عبر الأطلنطي ــ ما بدا أنه حكومة «مركزية» أو فلنقل «عولمية». وسرعان ما أعلن القائمون عليها، بالقول وبالفعل، وبصراحة يحسَدون ــ أو نُحسَد نحن ــ عليها، أنهم ماضون لأخذ كل الأمر بأيديهم. وكان أن ارتدوا ــ علنًا ــ شارة «شرطي العالم»: «لدينا مهامٌ في أربع وستين دولة..» كما قال جورج دبليو بوش. الذي اعتقل كويتيين في باكستان وأرسل طائرته لتعدم ــ دون محاكمة ــ مشتبهًا فيهم يستقلون سيارة علي طريق في صحراء اليمن. ثم هاهو يدق الطبولَ علي الطريق إلي دارفور.نظريا.. بدا وكأن القانون «الدولي» قد صارت له «شرطة دولية». إلا أن الواقع لا يأتي عادة مطابقًا للأوراق. كما أنه ــ بطبيعة الحال ــ ليس «ناتجًا لحساب» الأمنيات. فها هو «الشرطي الدولي» تحكمه ثقافته.. وبراجماتيته. وجوهرها منذ أن نشأت دولتهم قبل مائتي عام فقط يتمثل في «إعلاء القوة» شعارًا.. وقانونًا غير مكتوب. ولكنه معروف للكافة. تعرفه شوارع نيويورك وفيافي تكساس زمن البدايات، وثقافة: «أنت تملك من الأرض بقدر قدرة حصانك علي الركض.. وقوة سلاحك في الحفاظ عليها». ويحذَرُه مفكرون «أمريكيون» كثيرون ينبهون إلي «ثمن» الإفراط في القوة.اهتز ميزانُ القوة والقانون أكثر من مرة هذا الشهر:1 ــ في لاهاي أصدرت محكمة العدل «الدولية» قرارها بإجماع الآراء (عدا العضو الأمريكي) بعدم شرعية جدار الفصل الإسرائيلي «العنصري» في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبتعويض الفلسطينيين المتضررين. تعليقًا علي القرار خرج ايريل شارون معلنًا «أننا مستمرون في البناء..». وبلع الأمريكيون ألسنتهم. واستهزأ مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة بالجمعية العامة التي تمثل «قانونا» الشرعية الدولية.2 ــ في نيويورك تقدمت الولايات المتحدة الأمريكية إلي مجلس الأمن بطلب تجديد القرار رقم 1422 والذي يعطي الحصانة عمليا لمواطني الولايات المتحدة (دون بقية سكان هذا العالم الواحد) من الملاحقة القضائية أمام المحكمة الجنائية الدولية في حال اتهامهم في قضايا الابادة الجماعية أو بجرائم الحرب أو بتلك التي توصف بأنها ضد الانسانية. وكانت الجهود الأمريكية لإعطاء جنودها تلك الحصانة لم تتوقف علي مدي الأعوام الماضية. بتواطؤٍ معيب من دول خائفةٍ أو طامعة. وهي الجهودُ التي وصفتها منظمة العفو الدولية في تقرير أخير بأنها «يمكن أن تُقوضَ النظامَ الجديد للعدالة الدولية». 3 ــ في واشنطن قررت المحكمةُ العليا الأمريكية (أخيرًا) أن سلطة القضاء الأمريكي تصل إلي المعتقلين في خليج جوانتنامو. وأنه يجب إعطاء المعتقلين فرصة تحدي أسباب اعتقالهم أمام قاض فيدرالي أو «صانع قرار محايد«. لتكشف كيف أن «روح القانون توارت لثلاث أعوام كاملة أمام طغيان القوة المدفوعة بمشاعر الثأر والانتقام» ــ والتعليق لكاتب أمريكي في الواشنطن بوست.4 ــ في بغداد وفي أولي الجلسات الإجرائية لما وصفه البعض ــ استباقًا ــ بأنه سيصبح محاكمة القرن، وفي تلك القاعة «السرية» في مكان ما من العاصمة العراقية، طفت تساؤلات سقراط الأزلية عن «نسبية العدل» وخرج صدام إلي شاشات التليفزيون ببدلته البالية وبدون رباط عنق ليتساءل: «هل أنا مجرم لأنني غزوت الكويت. وبوش بطل لأنه غزا العراق؟».وبغض النظر عن السؤال الذي بدا شكسبيريا، فقد كان مثيرًا أن تجد أصداءه في كتابات أمريكية تساءلت عن الفارق بعد أن قررت لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأمريكي أن التقارير التي تحدثت عن وجود أسلحة دمار شامل في العراق، والتي بحجتها ذهب الجنود الأمريكيون إلي الحرب «كانت خاطئة وكاذبة«. وبعد أن اعترف دونالد رامسفيلد ــ بكل جرأة ــ أمام مشاهدي «فوكس نيوز» أن الإعلان عن وجود تلك الأسلحة وبالصورة التي تم تقديمه بها إلي الأمم المتحدة «افتقد الدقة.. وكان وهميا».«ما الفارق؟.. من الأخيار ومن الأشرار؟» يتساءل كريستوفر ديكي في النيوزويك، مقررًا أن «سيادة القانون، أصابها الوهن عند كل خطوة علي الطريق إلي بغداد».شريعة الغاب هي إذن. لا فرق ــ تقريبًا ــ بين عدي «المتوحش» ورامسفيلد «الحداثي»، أو قائده الميداني في العراق. فذات يوم وجد الأول في محاكمة عمه حسين كامل المجيد بتهمة الخيانة العظمي، ترفًا لا لزوم له، فغدر به وقضي عليه في مذبحة عائلية دموية شهيرة. وفي الموصل ــ حيث اختبأ ــ وجد الـ Terminator أن لا معني لمحاكمة «أوراق الكوتشينة» فاستسهل إطلاق 20 صاروخًا وعشرات القذائف علي «الشقيقين» وطفل في الرابعة عشرة من عمره، في مذبحة عائلية «أكثر عدلا وأكثر حداثة».!مقالات آخرى للمؤلف أيمن الصياد
مقالات الأعداد الآخرى
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
© وجهات نظر. All rights reserved. Site developed by CLIP Solutions |