![]() |
|
|
|
قـراءة ..أسئلة المحاكمة ![]() من القبو.. إلي القبر. ربما لو كان هذا مصير صدام، كما كان مصير ابنيه وحفيده، لتجنب «مُرمزوه» مشهدَ الإذلال التليفزيوني؛ ذا اللحية الكثة والشعر الأشعث. ولتجنب الكثيرون ــ علي اختلافهم ــ أسئلة المحاكمة.علي أي، فالطاغية (المهيب) قد خرج ــ أو بالأحري أخرجوه ــ إلي حيث لا نعلم. كما كانت عادته دائمًا.ومرة أخري ــ كما هي العادة أيضًا ــ سنغرق في طوفان من المعلومات ــ أو بالأحري ــ البيانات التي ستتضمنها تقارير يومية ــ وربما كل ساعة ــ يكتبها عشرات المحققين والاختصاصيين في كل شيء. بدءًا من أسلحة الدمار الشامل، وحتي السيكولوچيا. والذين وفدوا من كل صوب وكل اختصاص لمراقبة «فأر في القفص». والتعبير المهين الشامت لــUSA Today في تقرير لها عن أسلوب التحقيق مع صدام ذكرت فيه أن مهمة البعض ستركز علي «مراقبة طريقة نومه»! وصدّرته بتصريح لرامسفيلد قال فيه أن خبراء وكالة الاستخبارات المركزية يعرفون المعلومات التي نريدها هنا في الولايات المتحدة.. مؤكدًا علي أن قرار إحالة التحقيق إلي CIA استغرق ثلاث دقائق، وأن الدقيقتين الأوليين «كانتا لشرب القهوة..».أيا ما كان الأمر، فقبل أن يأتي اليوم الذي تطلب فيه إحدي لجان الكونجرس ــ لأسباب انتخابية أو دعائية ــ الاطلاع علي البيانات الخاصة بالتحقيق مع المطلوب رقم واحد؛ الرئيس السابق لجمهورية العراق، يبدو أن اللحية.. والقبو.. والمشهد الهوليودي للرئيس الأسير علي شاشتي الــLCD في المؤتمر الصحفي الشهير ستحقن مزيدًا من الوقود في آلة الأساطير الدعائية الأمريكية التي بدأت فعلاً في الدوران. لتحكي ــ بالتشويق اللازم ــ تفاصيل لن تثبت أبدًا عن الأسير المحتجز في مكان لم يعلن رسميا أبدًا. هل مازلتم تذكرون الروايات الخرافية، بالرسوم التوضيحية الملونة، عن سراديب ومدن كاملة تحت الأرض، لا تؤثر فيها القنابل الذرية؟! وهل تذكرون ما شاع طويلاً عن تقنيات فضائية لدي الأمريكيين، بإمكانها تصوير ماركة الملابس الداخلية لصدام. وهل تعرفون بعد ذلك معني أن الرجل لم يسقط إلا بعد وشاية (متوقعة) وبمصادفة أن تعثرت قدم جندي الفرقة الرابعة بسجادة مهترئة في أحد أركان المزرعة؟!يبدو أنه رغم التقنيات، والحاسبات، والأقمار الصناعية، ومجسات تري ما تحت الأرض.. «أو سُلمًا في السماء»، يبقي الفعل الإنساني.. وتبقي المصادفة.هل خدروه لحظة الاعتقال؟نختلف طبعًا ــ وسنختلف ــ في الإجابة علي هذا السؤال.ولكننا نتفق قطعًا ــ وإن حاولنا أن نتناسي أو ننكر ــ علي حقيقة أننا لعقود خدرناه. كما فعلنا من قبل ــ ومازلنا ــ مع غيره. يتساوي في ذلك؛ الهاتفون في الأزقة والشوارع، و«مواطنون» يقنعون بما يجود عليهم به الحاكم من حصيلة بيع النفط، ومسؤولون يضعون صورته في كل ركن وزاوية، وسياسيون يستبدلون أحزابهم ــ كما الجوارب ــ مهرولين إلي «حزب الرئيس»، وبرلمانيون يوافقون ويرفضون «بالإشارة». ورجال أمن يحمون صناديق الاقتراع من اقتراب الناخبين «غير المرغوبين».. وإلي ذلك كثير.تبدأ الظاهرة، أو تتفاقم. وتُعبقُ رائحةُ «المخدر» الجو، مُغيبةً، وجاثمةً علي الأنفاس، حين تستحكم «التبعيةُ» بالجمهور، و«النرجسيةُ» بالقائد الذي يبدل أزياءه كل ساعة. يرتدي تارة عقالاً عربيا، وتارة يعتمر قبعة مكسيكية، ملوحًا ببندقيته في الهواء. وحين يرتدي البزة العسكرية، يرتديها كل المدنيين! تملأ صوره وتماثيله كل مساحة البلاد، وألقابه كل معجمها. ووسط السحابات «الزرقاء» يكون طبيعيا أن لا يري هو، كما لا يري كل التابعين أو «المتّبعين» السوس ينخر كل شيء.هي المحاكمة.. إذن علينا أن نعترف. كلنا خدرنا صدام حسين. وكل صدام حسين. يتساوي في ذلك قادة وزعماء عرب سكتوا عنه حينًا، وساعدوه أحيانًا، أليس هو «حارس البوابة الشرقية»؛ القادرُ ــ بدماء أبنائه، وأموال جيرانه، وأسلحة الدمار الشامل «الأمريكية» ــ أن يمنع رياح التغيير اللافحة القادمة من الشرق «الخوميني» محملة بــ«لواقح» التمرد. ألم يخدره الأمريكان و«رامسفيلد» شخصيا بزيارته المساندة (مارس 1984) إبان حرب الخليج الأولي كمبعوث خاص للرئيس رونالد ريجان. والتي أبلغ فيها الرئيس العراقي أن محاولات واشنطن عقد صلات طيبة مع النظام العراقي لن تتأثر بالانتقادات «العلنية» لاستخدام العراق أسلحة بيولوجية أو كيماوية (وثائق اللقاء كشفت عنها أخيرًا «الواشنطن بوست» بعد أن حصلت عليها بناء علي قانون حرية المعلومات من أرشيف مجلس الأمن القومي).أياً ما كان الأمر، فربما كان بعض الذين «خدروه» من الجيران أو «الرفاق».. أو التجار. أو حتي القوي العظمي، كانوا يعملون ــ وتلك هي السياسة علي أية حال ــ لمصلحتهم. إنْ علي المدي القريب أو البعيد. ولكن ما عذرنا نحن عامة الناس ومثقفيهم؟ والذي لن يسأله أبدًا أي المحققين. كما لن تتضمنه أبدًا صحيفة الادعاء: ما الذي يجعل استبدادًا بتلك الفظاعة يولد من أحشاء المجتمع العربي؟ وكيف يترسخ العجز والاستسلام لعقود، حتي يأتي الزلزال أجنبيا. ويصبح ترويج المعادلة/ المقايضة ممكنًا: «إما الاستبداد أو الاحتلال»؟! كيف يؤله «الناسُ» «الناسَ» ــ فقط لكونهم هناك «علي المنصة» فيصبح رأيهم دائمًا سديدًا، وقراراتهم صائبة ــ في ثقافة محفور في تراثها: «أصابت امرأة وأخطأ عمر».أسئلتنا الأهم.. ستغيب قطعًا عن المحاكمة.وسواء حوكم صدام.. أم لم يحاكم.. في بغداد أو في غيرها. فالأمر هنا ـ شأن كل المحاكمات ـ تأتي أوراق ملفاته من «الماضي». أما ملامح «المستقبل» فتحددها بوضوح سلة أخبار لم يشأ عام 2003 أن يمضي دون أن يضعها علي عتبة عام جديد:1 ـ عشية جهود إنقاذ مصرية (حثيثة.. ومخلصة) توجت بزيارة هي الأولي لوزير خارجية مصر منذ أعوام ثلاثة، إسرائيل تجتاح غزة وجنين وطولكوم.. ورفح (الحدودية).2 ـ القمة المغاربية (لاحظ أنها قمة) أرجئت ـ حسب التعبير الرسمي ـ في صباح اليوم ذاته المقرر لانعقادها!! ورئيس الأركان الإسرائيلي يقول: «لم يعد هناك شيء اسمه عالم عربي».3 ـ بناء علي إصرار المندوب الأمريكي، وحتي لا يتضمن النص إشارة واضحة لإسرائيل، يسقط مجلس الأمن الدولي من بيان ترحيبه بتخلي ليبيا عن برامجها للتسلح عبارة «أن الإعلان الليبي يجب أن يكون نموذجًا تحتذي به الدول الأخري، بما في ذلك دول الشرق الأوسط».مقالات آخرى للمؤلف أيمن الصياد
مقالات الأعداد الآخرى
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
© وجهات نظر. All rights reserved. Site developed by CLIP Solutions |