![]() |
|
|
|
قــــراءة ..الحـــــالــة "الفكـــــريـة" بــين الـعـــــراق والكــــــويت كنا حشدًا من رؤساء التحرير وكبار الكتَّاب والإعلاميين وأصحاب الأعمدة عربًا وأجانب، وعدد من طلاب الإعلام، أو بالأحري طالباته المجدات ــ أخذًا بالأكثرية ــ من جامعات إماراتية. وكانت المناسبة "منتدي الإعلام العربي" الذي يرعاه نادي دبي للصحافة. وكان الموضوع، تحت العنوان الأكبر "الإعلام والحرب" حول "تغطية الإعلام العربي للحرب علي العراق". وكان المشهد داعيا للتأمل والتوقف.. والنظر. القاعة امتلأت ــ هذه المرة ــ عن آخرها. رؤساء تحرير الصحف الكويتية متكاتفين أخذوا صفًا أول، مستعدين ــ استباقًا ــ للمشاركة، ومن كان من ضيوف المنتدي "العرب" قد فاته، لسبب أو لآخر جلسات أخري، حرص علي أن يكون حاضرًا وشاهدًا، أو بالأحري "متفرجًا" في تلك الجلسة.ويومها بالذات كانت الصحف التي احتسيناها (جميعًا) مع قهوة الصباح، قبل أن تضمنا جلسة النقاش، أو الذي يفترض أنه نقاش تقول: "بعد يومين من الاعتداء الإسرائيلي علي سوريا.. شارون يهدد باستعداد إسرائيل للضرب في أي مكان آخر بالمنطقة. والجيش الإسرائيلي ينشر وحدات للمدفعية علي الحدود مع سوريا ولبنان" (الأهرام 8/10/2003). "وزير إسرائيلي يهدد بإحراق دمشق وبيروت.. وواشنطن تتجه لعقوبات علي سورية" (الشرق الأوسط).ويومها بالذات أيضًا، كانت الأنباء قد جاءت بأن وزير الخارجية العراقي، عضو مجلس "الحكم" صرح بأننا نرفض وجود قوات عسكرية لدول الجوار في العراق. ورغمًا عن ذلك ــ أو عن أنفه ــ لك أن تختار، كان الأمريكيون "المحررون للعراق" قد "قرروا" واتفقوا مع الجار العتيد و"المثير للجدل" تركيا. علي أن ترسل أنقرة عشرة آلاف جندي للعراق. كفاتحة ــ ربما ــ لتوابع زلزال "خليجي" هز منطقتنا التي اعتقدناها لعقود هادئة كالصحراء في هذا المساء الدامي من ليلة العشرين من مارس 2003. وبحكم الطبيعة ــ وهي قاهرة ــ لابد لكل زلزال من توابع، رغم الغافلين واللاهين.. والواهمين بالتمني.هكذا كانت الأنباء، وهذا ما كان في الصحف صباح اليوم الذي تم تخصيص إحدي جلساته لمناقشة "التغطية الإعلامية للحرب علي العراق".كان هذا مناخًا وطقسًا، ومحيطًا وأرضًا ــ أو هذا ما كان ينبغي أن يكون ــ لما جري هذا الصباح في قاعة فندق "السلام" في مدينة الجميرة. إلا أنه بدا بعيدًا كل البُعد ــ للأسف ــ عن كل هذا الجدل القديم.. والعقيم الذي استغرق المتحاورين "المتربصين". عن كل هذا الصياح والصخب.. والذاتية. وكأن الاستقطاب الحاد والتعصب، واستحضار "داحس والغبراء" بسبب أو بدونه، أصبح تقليدًا عربيا وسمة فكرية أصيلة. "لا أستثني أحدًا..". وكأنه ــ بعد كل ما حدث.. وتغير ــ مازلنا واقفين عند الزاوية الأولي: "الحالة بين العراق والكويت"؛ هذا التعبير العبقري في دبلوماسيته، والذي احتل ــ كبند تقليدي لابد منه ــ جدول أعمال الاجتماعات العربية لعقد كامل من الزمان.وفي حين بدا الجميعُ "متبارين".. وصاخبين، تبقي حقيقة أن الجميع ــ علي الأرض ــ "خاسرون". سواء من اعترفوا بذلك، أو من اعتقدوا بغير ذلك. يستوي في ذلك من قال.. ثم "قعد". ومن شارك، ثم عاد بلا غنيمة، وإن أفهموه غير ذلك.ويستوي في ذلك ــ وتلك هي المفارقة ــ من أيد، ومن ندَّد.. ومن حرص علي "ذهب الصمت".بدا المشهد ــ علي أية حال ــ عبثيا. ودالاً علي الحالة الثقافية العربية. كما قالت طالبة صغيرة حرصت علي أن "تقف"لتنبه "الكبار" إلي أنهم خرجوا عن الموضوع. ولعلها ــ بعد أن تتطلع علي تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003 الصادر عن UNDP ــ تنبههم إلي أنهم للأسف ربما كانوا قد خرجوا ــ منذ زمن ــ من "اللحظة".هل يتحاور المثقفون العرب أم يتشاجرون؟ سألتني إحدي الطالبات خارج القاعة. وكنت قد رأيت السؤالَ ذاتهُ علي وجوه الغربيين الذين حضروا "المناقشة". ولم يكن السؤالُ ــ رغم قسوته ــ بالتأكيد وليدَ ساعته. فشيءٌ مما حدثَ في دبي، حدث قبل أشهر في القاهرة حين دُعي إلي مؤتمر للثقافة العربية.. وقبل أسابيع حين دُعي إلي مهرجان للرواية في المغرب. وبعدها حين عُقِدَ مؤتمر في "باريس" تحت لافتة "تجديد الفكر الديني". ويحدث كل يوم علي شاشات الفضائيات العربية. بل وشاهدناه جميعًا في قمة شرم الشيخ قبيل العدوان الأمريكي علي العراق. ولعله حادثٌ الآن في التعليق (وبعضه غير بريء) علي "وقفة" صنع الله إبراهيم علي منصة دار الأوبرا المصرية!!في كثيرٍ من هذا، أو في كثيرٍ مما دار حوله، لم يكن ما جري بحال من الأحوال "حوارًا".ففي الحوار ــ ولعل لنا هنا أن نُعيدَ كلامًا قديمًا: يحددُ الناسُ ــ ابتداءً ــ حول ماذا بالضبط يتحاورون. وما هي نقاط الاتفاق. وما هي تلك التي مازالت موضعًا للخلاف. ومن ثم "موضوعًا" للحوار. ثم ما هي المرجعيات "المشتركة" التي ينبغي أن يكون مُتفَقًا عليها ابتداء. وما هي التعريفات "المحددة" لما سيستخدمونه من مصطلحات. ساعتها ــ وساعتها فقط ــ يمكن أن نتوقع تبادلاً "حقيقيا" لوجهات النظر. بين أطراف يفتَرَضُ أنها تعلم أن "الحوار" يعني بالضرورة أن هناك "رأيا آخر" ليس لنا ــ بالتالي ــ أن نتبرم من الإنصاتِ إليه، بعقلٍ يدقق، وقلبٍ يسمح. واستعدادٍ لكي نقبل منه كما نرفض.كل هذا ــ للأسف ــ نراه بعيدًا كل البُعد عن كثير مما يجري. سواء علي صفحات الصحف، أو شاشات التليفزيون، أو في الشارع وعلي منابر المساجد، أو حتي تحت قبة البرلمان. فلأسباب تعددت منابعها، وتباعدت أهدافها، وفي مناخٍ لم يعتد "حياديةَ" العلم، وغاب عنه تراثُه "الثري" من المنطق، يتركُ الحوارُ "بالتعريف" مكانَه لما يبدو صخبًا عالي الصوت. وتحتقنُ الكلمات ــ التي يفتَرَض أن تكون أداةً لتبادل الرأي ــ حين تبتعدُ عن معانيها الاصطلاحية. ويصبحُ الاستقطابُ حادًا. ونشهُد ــ في أكثر من مناسبة ــ من يقف في مربع لا يعكس في واقع الأمر "رأيه" اللاحقَ في الموضوع، بل "موقفَه" المسبقَ من الآخر. وكأن "الحالة بين العراق والكويت" أصبحت حالة ثقافية عامة.وهذه هي الحال، يصبحُ يسيرًا علي من يقف علي مسافة مناسبة من المشهد، أن يلاحظ أن جانبًا كبيرًا مما يقرأ أو يسمع، لم يكن أبدًا "في الموضوع" بل يدور فعليا علي هامشه. فعلاً ورد فعل، صدي ورجع صدًي. ويصبحُ طبيعيا أن تتواري كعادتها تقاليد الحوار في خضم الصياح والضجيج. وأن يجرفنا "الجدل المستنزف للطاقات" وتستغرقنا الأجواءُ المحيطةُ به. ثم تختفي القضية الأصلية ـ إذا كان ثمة من "قضية".وللأسف، وعلي غير عادة "الحوار"، ينتهي "الشجارُ" عادةً تاركًا كل الأسئلة ــ وراءه ــ مفتوحةً. ودون إجابةٍ "مطلوبة" يقدمها لمجتمعٍ يرقبُ ـ في احتياج وأمل ـ سَاسَته ومفكريهمقالات آخرى للمؤلف أيمن الصياد
مقالات الأعداد الآخرى
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
© وجهات نظر. All rights reserved. Site developed by CLIP Solutions |