لا يوجد اى مقال فى السلة
 
 









1

جـاريـة في مدن الـرماد ... شهر زاد شعرًا

مدخل:

توظيف الأسطورة فى الخطاب الشعرى العربى المعاصر جزء أساسى من مثاقفة حضارية متنامية فى امتدادها بين الماضى والحاضر، وبين الحاضر والثقافات الأجنبية بمختلف تياراتها، وقد أدّت هذه المثاقفة بدورها إلى صياغة أشكال شعرية جديدة، تتباين تبايناً واضحاً مع النموذج الشعرى التقليدى وإحداث فجوات فى الأنماط الخليلية، وبالتالى تغيير جذرى أو جزئى فى شكل القصيدة أو مضمونها، فالمضمون الجديد يخضع للتحول التاريخى والحضارى الذى يعمل عمله فى الواقع، بالإضافة إلى تأثير الفلسفات والأدبيات الأجنبية، والشعرية على الذهنية العربية، ولا يعنى أن يكون هذا التحول الجديد منقطعاً أو متبايناً مع القيم الحضارية والتراثية الفكرية للإنسان العربى المعاصر، وتوظيف الأسطورة نزعة تتضافر قيم نفسية وروحية وجمالية فى تأجيجها والدفع بها صوب الماضى الذى كان مضيئاً ومشعّاً فى بعض قسماته، ومظلماً وكابوساً فى قسمات أخري. وعندما يكون الواقع المعاصر مظلماً وقاسياً، فإنه يحيل إلى حقل تاريخى مظلم، ومهمة الأسطورة حين تُوظف فى القصيدة أن تشير وتدلّ على ما هو مظلم فى الحاضر انطلاقاً من بنية الماضى نفسه.

إنّ ذاكرة التاريخ لهى حاضرة فى الوعى الجمعى للجماعات البشرية فى حاضرها ومستقبلها، والإنسان المتحضر يحتفظ دون وعى منه بمعارف مما قبل التاريخ أدرجها بصورة غير مباشرة فى الأسطورة. فإن صحّ ذلك، فإنّ هذا التخمين يفسّر الرغبة الغامضة بعض الشيء فى الاستماع إلى القصص الأسطورية على الرغم من أنّ ما فيها من عناصر خارقة لم يعد لها أية سيطرة تعبدية كما يرى كارل يونج.

و البطل الأسطورى باعتباره بنية معرفية من التاريخ فإنه فى القصيدة المعاصرة شاهد إدانة لكل العثرات والسوءات من مآسٍ وفجائع مرت بها الأمة، ولا تزال تمرّ، وهو معرّ وفاضح لبنية خطاب السلطة التاريخية والمعاصرة وبطشها وتجاوزاتها، هذا الخطاب الذى يولّد الخطأ عند كل من يتلقاه وبالتالى الشعور بالإثم (...)، ينتظر منا البعض نحن المثقفين أن نقوم، فى كل مناسبة، ضد السلطة بصيغة المفرد. بيد أنّ معركتنا تدور خارج هذا الميدان، إنها تقوم ضد السلطة فى أشكالها المتعددة. وليست هذه بالمعركة اليسيرة: ذلك أنه إن كانت السلطة متعددة فى الفضاء الاجتماعي، فهى فى المقابل، ممتدة فى الزمان التاريخي. وعندما نبعدها وندفعها هنا، سرعان ما تظهر هنالك، وهى لا تزول البتّة. قم ضدها بثورة بغية القضاء عليها، وسرعان ما تنبعث وتنبت فى حالة جديدة. ومردّ هذه المضايقة والشدة والظهور فى كل مكان هو أنّ السلطة جرثومة عالقة بجهاز يخترق المجتمع ويرتبط بتاريخ البشرية فى مجموعه، وليس بالتاريخ السياسى وحده. على حدّ تعبير رولان بارت.

إنّ تاريخ السلطة السياسى والاجتماعى فى توجهاته ورؤاه هو تاريخ القمع والممارسات اللا إنسانية واللا أخلاقية على أفراد الجنس الإنساني، وضماناً لاستمرار السلطة وامتيازاتها الاجتماعية والطبقية داخل القطاعات البشرية التى تحكمها، فإنها تعتقد أنّ القمع والسطوة الاستبدادية هما من أهم الوسائل التى تكفل لها استمراريتها، وهى تلجأ إلى خلق وضعية اجتماعية وأخلاقية، وإنسانية مشوّهة. سواء على مستوى العلاقات الإنسانية والتواصلية أم الأنظمة الفكرية التى تحكم طبيعة هذه العلاقات وتوجهاتها، وقانون السلطة فى حقيقته هو قانون قمعى واستبدادي. فإذا كانت عصور الرقّ والعبودية قد انتهت على المستوى الظاهرى المعروف منذ زمنٍ بعيد، فإنّ الإنسان المعاصر لا يزال يرزح تحت وطأة أصناف عديدة من العبوديات الجديدة، إذ يجبر الناس جميعاً على أن يصبحوا أبناء للسلطة، ومن حقها عليهم أن يدينوا لها بالأبوة والولاء والطاعة، وبالتالى تصبح جميع ممتلكات الجنس الإنسانى من اقتصاد وفكرٍ وثقافة وفن هى ملك للسلطة المتوَّجة إما بفعل إلهي، كما يدّعى بعض الحكّام لشعوبهم بأن أنسابهم تنتمى إلى نسب الأئمة والرُسل، وإمّا بحق السلطة المُكْتسب باعتبارها لنفسها حامية لهؤلاء الناس من الأخطار الداخلية والخارجية، وبالتالى ادعاؤها تأمين الأمان والسعادة والطمـأنينة لهم. ولأنهم يزعمون الاعتناء بسعادة المجتمعات، ينتحل الحكام حقوق المرور عن طريق حسابات منفعة، دون اعتبار للخسارات وشقاء البشر الذى تسببه قراراتهم أو تسمح به إهمالاتهم، وفق رؤية ميشيل فوكو. وأمام الحالة هذه يستَلب الكائن الإنسانى سياسياً وثقافياً واقتصادياً وتسير كل العلاقات الاجتماعية وفق رؤية السلطة وتفكيرها.(( إذ يعْـزَلُ الفرد ويزداد رفض العالم له )). كما يرى آرنست فيشر.

إن عصر شهريار الذى ذكرته ليالى ألف ليلة وليلة، يحيل إلى ممارسات سلطوية، لم تنته بعد، إنها مستمرة فى الواقع المعاصر، فكم من شهرزاد مقموعة تُبتزُ يومياً ؟. وكم من الغلمان والعبيد والوصيفات والإماء والسرارى يرزحون تحت وطأة القهر ؟ صحيح أنّ أسماءهم قد تغيرت بفعل التحولات الحديثة المعاصرة، لكن أدوارهم ومواقفهم وأفعالهم هى نفس مواقف العبيد والإماء بتحويرات جدّ طفيفة، وبالرغم من التحولات المهمة فى تاريخ القرن المعاصر، فإنّ جذور شهريار بأبعاده الذكورية، والسلطوية والسادية لا تزال تتوغل فى فضاءات الحياة العربية المعاصرة.

إنّ فعل السلطة فعل شمولى ومتنام، ومتوالد، إنها ـ أى السلطة ـ متعددة مثل الشياطين. متغيرة كالحرباء. إنها يمكن أن تعرف نفسها بكونها ذات أسماء عديدة، وتوجد فى كل الأمكنة والخطابات من الأسرة إلى الدولة، من التابو إلى الليبيدو، من العلم إلى الأيديولوجيا، من المستشفى إلى السجن، من العقل إلى الجنون، من المدرسة إلى الكنيسة، على حدّ تعبير عمر أوكان. وحضور شهريار المستمر فى أمكنة السلطة وبنيتها المعرفية، يعنى حتمية الذل والعبودية للنموذج الأضعف، من شهرزاد، حتى أبسط رجل وامرأة، وشهرزاد باعتبارها طرفاً مُستلباً، فإنها مجبرة لاستحضارِ ليالٍ جديدة، وتشكيلها تشكيلاً سحرياً بفعل القصّ إرضاء لسطوة شهريار ورجولته.

إنّ شهرزاد الأسطورة والتى تمثّل معاناة جنسها من حرائر ووصيفات وجَوار تقف مسلوبة الإرادة أمام استغلال شهريار لجسدها وروحها ولياليها. وبالرغم من بعض الدراسات التى تؤكد أنّ شهرزاد تمثل وعياً متفوقاً على بناتِ عصرها، من خلال قدرتها السحرية على تقديم العلاج الشافى لشهريار، عن طريق تناغم القصّ وسحريته، وانقطاعه، وسحر حبكاته إلاّ أنها تظل مجبرةً لأن تحكي، لا حباً فى الحكي، بل هروباً من سيف السياف.




مقالات آخرى للمؤلف محمد عبد الرحمن يونس

يوليو 2007
اغسطس 2006
نوفمبر 2004
ابريل 2003
نوفمبر 2002
يونيو 2002
فبراير 2002


مقالات الأعداد الآخرى
 
© وجهات نظر. All rights reserved.
Site developed by CLIP Solutions