لا يوجد اى مقال فى السلة
 
 









1

قــــــــراءة:هوامش على دفتر التحقيق

كان الظلامُ دامسًا في هذا المســـــــاء الرطب البعيد، عندما كنت وزميلي المصور نتسلل محتمين بأستار الظلمة، وبعشوائية المنطقة الفقيرة، عائدين من زيارة صحفية ــ هي الأولى وقتها ــ لمنزل الشيخ عمر عبدالرحمن المتواضع في الفيوم جنوب القاهرة. والذي كان محاصرًا ومراقبًا من قوات الأمن السرية المصرية. ورغم أنه "عالمٌ ثالث" متهمٌ من الغرب ـ كلاسيكيًا ـ بتقييد حرية الصحافة والصحافيين. فقد كان "أقصى" ما نخشاه يومها هو أن يكتشفنا أحدهم، فيصادر أفلام التصوير التي كنا أخفيناها في جواربنا وأحذيتنا.

لم يكن الاعتقالُ واردًا، ولا الاتهام بـ"الاتصال بقادة الإرهابيين".

بعد أيام نشرنا التحقيق والحوار والصور.. وكان كل ما حدث أن صودرت المطبوعة. ولكننا (ودون مبالغةِ أننا عشنا أو نعيش جنة الديمقراطية) عدنا إلى بيوتنا. ونمنا في أسرَّتنا. وذهبنا إلى مكاتبنا صباح اليوم التالي نعد لقصة صحفية جديدة. وفي أسوأ الأحوال ـ وأندرها ـ نستعد لمصادرة جديدة.. ليس أكثر.

لا أعرف لماذا تذكرت القصة القديمة كلها عندما نقلت وكالات الأنباء قبل أيام من غرناطة الأسبانية الأوروبية (الأندلسية سابقًا) خبر اعتقال تيسير علوني مراسل الجزيرة الشهير الذي انفرد بلقاءات بن لادن المثيرة للجدل. والذي نجا من الموت مرتين تحت القنابل الأمريكية في كابول (نوفمبر 2001) وفي بغداد (أبريل 2003). متهمًا بالعلاقة مع قادة تنظيم القاعدة وكوادره.

كان الخبر القادم من بلد أوروبي "يقولون أنه تحرر من ربقة الاستبداد الإسلامي قبل قرون"، مباشرًا وصادمًا ومفاجئًا.. وإن لم يكن للجميع.

قد يكون علوني بريئًا، وقد لا يكون. فلسنا هنا جهة ادعاءٍ أو دفاعٍ أو تحقيق. كما أن هذه الكلمات ليس مقصودًا بها، ولا منتظرًا منها أن تكون سطورًا في عريضة اتهامٍ أو مرافعة دفاع أو أوراق تحقيق. ولكن أيًا ما كان الأمر. وأيًا ما كان منطوق الحكم الذي سَيَصْدرُ في النهاية "أسبانيًا"، تبقي على هامش تلك "القضية" ــ المبعثرة الأوراق ــ ملحوظاتٌ ثابتة.

( 1 )

ستطبق على علوني ــ بالطبع ــ مواد القانون الأسباني وإجراءاته. والقانون ــ أي قانون ــ يأتي في نهاية المطاف ليعكس، أو ليراعي واقعًا ثقافيًا معينًا. ولأن الثقافات ــ بحكم الطبيعة والتاريخ والموروثات ــ تختلف، بل وتتباين. ولأن الله "خلقكم شعوبًا وقبائل.." فإن الباحث في القانون المقارن سيجد ــ ربما ــ لكل سلوك إنساني مفترض مادة تُجرِّمُهُ وتعاقب عليه. فما هو مباحٌ هنا مُجَرَّم هناك، والعكسُ بالضرورة صحيح.

فتعدد الزوجات ــ مثلاً ــ جريمة يعاقب عليها بالسجن في بعض القوانين. كما أن مضغ العلكة قد يؤدي بك إلى الحبس ــ إن أصررت عليه ــ في سنغافورة.

وكان المثل الدارج يقول: "مادمت في الصين افعل ما يفعله الصينيون" وعليه فكانت الحكمة تقتضي أن تحترم قوانين البلد الذي تزوره أو تعيش فيه. وكان هذا يكفيك. أما في "الزمن الأمريكي" فكل شيء يختلف. السجن يصير "عولميًا" في جوانتنامو. حيث يحتجز ــ دون محاكمة ــ معتقلون من 42 دولة. ولأنه لا توجد محاكمة، فقد تكون ــ ولو نظريًا ــ كل جريمة بعضهم أنه "تصادف أن كان هناك".

والقاضي يصير "عولميًا" (فقط إن كان أمريكيًا) فنقرأ قبل أسبوعين كيف أن أحدهم لم يستنكف أن يقضي في محكمة "أمريكية" بتغريم الحكومة "الإيرانية" مئات الملايين من الدولارات. لأنها تساند حزب الله "اللبناني" الذي يشجع إعلامه منظمة حماس "الفلسطينية" التي قام أحد أفرادها بعملية في القدس "المحتلة" راح ضحيتها أحد أقرباء العائلة التي رفعت دعوى التعويض. كما لم يتردد زميله في أن يقضــــي بمصـــــادرة أرصـــــدة منظمة "زكاة" خيرية لأنها تتصدق "من أموال المسلمين على أسر شهداء المسلمين".

هل هي "عولمة" للعدالة والقانون إذن؟ وهل نحن بصدد عالم جديد تتساوى فيه الحقوق والواجبات. ويكون فيه الجميع أمام القانون سواء؟

للأسف لا. إذ يبقى مثيرًا لمشاعر عديدة أن أمريكا؛ رائدة العولمة فكرًا وتطبيقًا، عرقلت أي اتجاه لعولمة القانون. ومحاولاتها الفجة لإجهاض المحكمة الجنائية الدولية التي ارتضاها المجتمع العالمي معروفة. كما انها لم تتردد، وهي بمثابة الحاكم الفعلي للعالم الآن، في أن تتخذ كل خطوة ممكنة، لكي يصبح مسؤولوها وعسكريوها معفيين من الملاحقة القانونية لتلك المحكمة مهما ارتكبوا من أفعال.

وللتذكرة فقط، ففي أدبيات المسلمين المتهمين من مثقفي واشنطن بالتحيز والتعصب والعنصرية، ما يناقض قاعدة "إذا سرق شريفهم تركوه. وإذا سرق فقير منهم أقاموا عليه الحد..".

والخلاصة أنه ــ ومع حفظ الحق في الاختلاف حول تعريف البراءة والإدانة وتكييف الاتهام ــ وسواء كان تيسير بريئًا فيما نعرف، أو مدانًا بما لا نعرف، فعلى الحالين تـظل هناك أسئلة مهمة؛ حول المعايير والقاضي ومفاهيم العولمة القانونية الملتبسة. فما يراه الأسبان، الذين كانوا ثالث ثلاثة خالفوا العالم أجمع بإعلانهم الحرب على العراق في قمة الآزور خروجًا على القانون والشرعية الدولية، ربما يختلف عن مايراه القاضي الشرعي في صنعاء، أو ذلك الذي يرتدي الشعر المستعار في "أولد بيلي".

( 2 )

في عالم اليوم.. ربما كان بإمكانك ــ أو بإمكان غيرك إن أردت ــ أن تُشَكِّكَ حتى في وجود الله. دون عقابٍ على الأغلب. لكن أن تتساءل عن الأرقام الحقيقية لضحايا المحرقة (بدون حتى أن تنفي حدوثها أو تتحدث عن أهميتها) فستتعرض غالبًا للعقاب في بلاد تتباهى بديموقراطيتها.

أما أن تشكك في ــ أو تتساءل حول ــ المسؤول الحقيقي (بالفعل أو المساعدة.. أو الدفع) عن عملية الحادي عشر من سبتمبر، المتقنة كما لم يحدث في التاريخ، والغامضة كما في أفلام هوليوود وأساطير ألف ليلة وليلة، فأنت في أحسن الأحوال مجنون. وستدفع حتمًا ثمن جموحك ــ أو جنوحك ــ الفكري. أما أن تصل درجة تهورك إلى المقارنة بين مقاومة الفلسطينيين أو بعض العراقيين للاحتلال، بالمقاومة الأوروبية للاحتلال النازي قبل ستين عامًا، أو أن تحاول أن تضع تعريفًا لما اصطلحوا على تسميته"بالإرهاب" أو أن تبحث عن التوصيف القانوني لما تفعله (الدولة) حين ترسل طائرات الـF16 لتقصف مجمعًا سكنيًا من سبعة أدوار في غزة أو كابول أو حي المنصور. فأنت مُدانٌ ــ وليس فقط متهمًا ــ بالتحريض. بموجــــــب قوانين "عولمية" جديدة. طالت قائمتها. واستعرضت جغرافيتها. وتمطّت نصوصها. على غير ما يستوجبه القانون حكمًا من دقة (جامعة مانعة) للتعريف والتوصيف.




مقالات آخرى للمؤلف أيمن الصياد

اغسطس 2010
يوليو 2010
يونيو 2010
فبراير 2010
يناير 2010
ديسمبر 2009
اغسطس 2009
يوليو 2009
يونيو 2009
مايو 2009
ابريل 2009
يناير 2009
اكتوبر 2008
نوفمبر 2007
يوليو 2007
يونيو 2007
فبراير 2007
يناير 2007
ديسمبر 2006
اغسطس 2006
يوليو 2006
يونيو 2006
مايو 2006
ابريل 2006
مارس 2006
فبراير 2006
يناير 2006
ديسمبر 2005
ديسمبر 2005
نوفمبر 2005
اكتوبر 2005
سبتمبر 2005
اغسطس 2005
يوليو 2005
يونيو 2005
مايو 2005
ابريل 2005
مارس 2005
فبراير 2005
يناير 2005
ديسمبر 2004
نوفمبر 2004
اكتوبر 2004
سبتمبر 2004
اغسطس 2004
يوليو 2004
يونيو 2004
مايو 2004
ابريل 2004
مارس 2004
فبراير 2004
يناير 2004
ديسمبر 2003
نوفمبر 2003
سبتمبر 2003
اغسطس 2003
يوليو 2003
يونيو 2003
مايو 2003
ابريل 2003
مارس 2003
فبراير 2003
يناير 2003
ديسمبر 2002
نوفمبر 2002
اكتوبر 2002
مايو 2002
فبراير 2002
اكتوبر 2001


مقالات الأعداد الآخرى
 
© وجهات نظر. All rights reserved.
Site developed by CLIP Solutions