لا يوجد اى مقال فى السلة
 
 









1

قراءة ..حين لا يصبح هناك مكان.. للحمائم

ها قد عدنا إلى نقطة البداية.

اغتال الإسرائيليون ــ الذين كانوا قد أعلنوا أنهم غير معنيين بالهُدنة ــ اثنين من رجال "حماس" فى مخيم عسكر، ثم قائدًا ميدانياً لــ"الجهاد" فى الخليل. فردَّ الفلسطينيون ــ الذين يعتبرون حق الرد فضلاً عن مقاومة الاحتلال مشروعًا ــ بعمليتين فى رأس العين لفتح، وفى القدس لحماس ( أوقعت عشرين قتيلاً ومائة من الجرحي). وسرعان ما بدا أن الجميع قد دخلوا الدائرة القديمة ذاتها. فالصواريخ التى طاشت عن سيارة الرنتيسى قبل أشهر لتقتل من تصادف مرورهم بالشارع، أصابت سيارة مهندس الهدنة ذاته "إسماعيل أبوشنب" هذه المرة، ليخرج جثمانه متفحمًا مع رفيقيه. ويمشى فى جنازته مائة ألف يطالبون بالثأر.

انهارت الهدنة. رغم كل الأمنيات. وبدا أن "خارطة الطريق" رغم كل التصريحات التى تُعْلَن ــ قولاً ــ عن التمسك بها، قد وجدت طريقها الطبيعى ــ الذى كان متوقعًا ــ إلى ملف متخم بالمبادرات والخطط التى لم تنفذ أبدًا.

قبل شهرين فقط، وعشية إعلان منظمات المقاومة الفلسطينية هدنتها "المشروطة" فى التاسع والعشرين من يونيو، سادت أجواءٌ من التفاؤل؛ وعود جورج دبليو بوش "اللفظية" المنمَّقة. وابتسامات دحلان/ موفاز الصحفية. ومانشتات الصحف العربية "الانتقائية".

ولكن.. لأن الأمنيات لا تُزهِر ـ بالضرورة ـ واقعًا. ولأن التفاؤل وحده لا يطعم جائعًا. فقد بدا المشهدُ (على الأرض) يومها مختلفًا. كما كانت "قراءته" كذلك.

يومها ـ قبل شهرين ـ ذكَّرْنا فى هذا المكان بأن بوش صاحب وعد الدولة فى 2005 قد يخرج من البيت الأبيض فى 2004. وأن شارون "رجل السلام" ــ كما يصفه بوش ــ أعلن صراحةً أنه لن يسمح بدولة فلسطينية "ذات سيادة" وأن العودة إلى حدود 1967 "غير مطروحة" ابتداء. فضلاً عن إعلان أركان إدارته أن "الهُدنة من جانب واحد.. وأن الجيش الإسرائيلى غير مَعْنِى بها".

ها قد عدنا إلى نقطة البداية. أو بالأحرى إلى "الدائرة" التى لا تعرف ــ بحكم التعريف الهندسى ــ نقطة بداية ولا نهاية.

ولمن يجيد قراءة الرموز أن يعرف أن إسماعيل أبوشنب، خريج جامعة المنصورة فى مصر هو الاسم الثالث فى "حماس"؛ التنظيم الأقوى فعليا فى القطاع. وهو الأكثر اعتدالاً بين قادتها جميعًا. (والتعبير ليديعوت أحرونوت الإسرائيلية ذاتها). كما أنه مهندس الهُدنة الأول. بل إنه ــ كما علمت من مصادر اقتربت من المشاورات التى سبقت إعلانها، إنْ فى القاهرة أو غزة ــ ساعد فى إقناع قادة تنظيمات أخرى بقبولها، رغم قناعتهم التى بدت الآن صحيحة بأن الإسرائيليين الذين يعتقدون أنهم الأقوى لن يحترموها. وأن الأمريكيين؛ الرعاة المفترضين لن يضمنوها.

ولمن يجيد قراءة الواقع أن يعرف أن رائد مسك (29 عامًا) منفذ عملية القدس كان صديقًا حميمًا لمحمد سدر الذى اغتاله الإسرائيليون فى منزله فى الخليل. وأنه أقسم على الانتقام لمقتل رفيقه بعد أن شاهد الجنود الإسرائيليين وهم يجرون جثته بعد قتله قبل أيام.

هل تمنح هذه الحادثة بعضًا من الضوء يهدى التائهين فى دروب "خارطة الطريق" يبحثون عن تفسير لعودة دائرة العنف؟

صحيفة "معاريف" الإسرائيلية قالت فى افتتاحيتها أن منفذ عملية القدس لم يعلن الحرب على "خارطة الطريق" من خلال عمليته. ولكنه حاول التدليل على "توازن الرعب"، وإظهار "بطاقة السعر": "مقابل كل فلسطينى يغتاله الجيش سيكون هناك رد فلسطينى وقتلى إسرائيليون".

***

لماذا انهارت الهدنة؟

لأنها ــ حسب التعريف ــ لم تكن هناك أصلاً.

هل تذكرون التصريحات الإسرائيلية عشية إعلانها من جانب الفلسطينيين؟ يومها قال شاؤول موفاز وزير الدفاع الإسرائيلي: "لا علاقة لنا بالأمر.. نحن لم نعلنها.. وغير معنيين بها". وعليه، فكل ما اعتبره الفلسطينيون خرقًا إسرائيليا للهدنة، لم يعتبره الإسرائيليون كذلك.

فى التاريخ.. لا يوجد وقف لإطلاق النار من جانب واحد، إلا إذا كانت هناك قوة دولية تعمل فعليا على فرض الهدنة. والحال هنا فى ظل معادلة أمريكية إسرائيلية معقدة، ومجتمع دولى ضعيف، ومرتبك، ومنشغل.. يختلف.

انهارت الهدنة حين بدا أن شارون يريد نتائجها فى شوارع تل أبيب وحافلات القدس. ولكنه لا يريدها بحال فى أزقة غزة أو بيوت الخليل. أراد شارون أن ينعم مواطنوه بالهدوء فى حين يمارس هو سياسته الدموية. بشرط ألا يرد الفلسطينيون (التزامًا منهم بالهدنة) ودون أن تجد إسرائيل نفسها متورطة بعملية سياسية. وهذه معادلة لا يمكن تحقيقها.

على مدى الشهرين منذ إعلانها سجلت مراكز حقوق الإنسان الفلسطينية (والإسرائيلية أيضًا) ما اعتبر خروقات إسرائيلية يومية لاشتراطات الهدنة المعلنة فى 29 يونيو الماضى.

لم توجد "الهدنة" إذن إلا فى مانشتات الصحف، وفى رغبة الفلسطينيين فى تجاوز الظرف الحرج الذى وضعتهم فيه الدبلوماسية الإسرائيلية بخلطها للأوراق، ونجاحها فى خلق حالة من التماهى بين سلوكها العدوانى من "المقاومين لاحتلال أرضهم" وبين ما يعتبره الأمريكيون حملة ضد الإرهاب.

***

لماذا أُعلنت الهدنة إذن؟ ولماذا سقطت؟

لأنها فى لحظة معينة. أصبحت كالفاكهة المُحَرَّمة. الكل يريدها.. ولا يريدها. أو بالأحرى، الكل يريدها على طريقته.

أرادها الفلسطينيون (الذين أعلنوها من جانب واحد) مشروطة بأن يلتزم بها الطرف الآخر. وأملاً بأن يجنوا عن طريقها بعض ثمار انتفاضة طالت أعوامًا ثلاثة وحصدت آلافًا من الشهداء.

واعتبرها الإسرائيليون ــ أو أرادوها ــ إعلانًا لهزيمة الفلسطينيين، وإنْ بالنقاط. وتبقى إذن الجولة الأخيرة: "الضربة القاضية".

وأرادها الأمريكيون، تهدئة مطلوبة، ليفرغوا لنار لا تريد أن تَخْمَد شرقًا فى العراق. ولاستحقاقات انتخابية اقتربت فى واشنطن.

وأرادها الأوروبيون، وبعض العرب، تأكيدًا على أننا "مازلنا هنا.. لنا دور مطلوب.. ورقم لا يصح حذفه من المعادلة".

أرادها محمود عباس، أو تمنى أن يعتبرها الآخرون، وبالأخص فى واشنطن، "نهاية لعسكرة الانتفاضة" فيقطعون خطوات "حقيقية" لا لفظية على "طريق الخارطة". وأرادها عرفات ــ كعادته ــ إمساكًا بالعصا من المنتصف "على أمل". وهل بيده غير ذلك، بعد الحادى عشر من سبتمبر.. والعراق.. والحصار.. والدماء. وأرادها شارون إعلانًا لنجاح سياسته التى لم يقلع عنها يومًا: "تكسير العظام" وإيهامًا لمواطنيه بأن "الانتفاضة انتهت".




مقالات آخرى للمؤلف أيمن الصياد

اغسطس 2010
يوليو 2010
يونيو 2010
فبراير 2010
يناير 2010
ديسمبر 2009
اغسطس 2009
يوليو 2009
يونيو 2009
مايو 2009
ابريل 2009
يناير 2009
اكتوبر 2008
نوفمبر 2007
يوليو 2007
يونيو 2007
فبراير 2007
يناير 2007
ديسمبر 2006
اغسطس 2006
يوليو 2006
يونيو 2006
مايو 2006
ابريل 2006
مارس 2006
فبراير 2006
يناير 2006
ديسمبر 2005
ديسمبر 2005
نوفمبر 2005
اكتوبر 2005
سبتمبر 2005
اغسطس 2005
يوليو 2005
يونيو 2005
مايو 2005
ابريل 2005
مارس 2005
فبراير 2005
يناير 2005
ديسمبر 2004
نوفمبر 2004
اكتوبر 2004
سبتمبر 2004
اغسطس 2004
يوليو 2004
يونيو 2004
مايو 2004
ابريل 2004
مارس 2004
فبراير 2004
يناير 2004
ديسمبر 2003
نوفمبر 2003
اكتوبر 2003
اغسطس 2003
يوليو 2003
يونيو 2003
مايو 2003
ابريل 2003
مارس 2003
فبراير 2003
يناير 2003
ديسمبر 2002
نوفمبر 2002
اكتوبر 2002
مايو 2002
فبراير 2002
اكتوبر 2001


مقالات الأعداد الآخرى
 
© وجهات نظر. All rights reserved.
Site developed by CLIP Solutions