![]() |
|
|
|
قـــــراءة "صنــاعــة الأكـاذيب .. وحمــايتهــــا" لعبــة التـــرويج.. والإســـكات ... والتضـــليل فى أمثالنا أن «حبلَ الكذب مقطوع». ويعرفُ دارسو التاريخ «الذى لا يكتبه إلا المنتصرون» أن حبلَ الكذب موصول.. بحلقات من الخديعة، والتزييف، والحكايا المتقنة.تحت تلك المظلة الواسعة، تتشابكُ علاقة الصحافة بالأنظمة وأجهزة المخابرات. تتلاحم ُحينًا ــ بالتواطؤ أو بالمصـــادفة ــ وتتلاطــــمُ فى معظــــم الأحيان.الموساد أزعجه تقرير الـ B.B.C الشهير الذى طرح الأسئلة البديهية مباشرة، ببساطة وبوضوح. فى زمن أصبحت فيه البديهيات تتسوَّلُ من يطرحها. فضلاً عن أن «يسمَعها» وسط كل هذا الصخب المتلاحق الإيقاع، الذى قد لا يدع فرصةً حقيقيةً للنظر «فى الأمر» بدلاً من مجرد النظر «إليه». والنظر فى الأمر مطلوب لندرك.. فنحسن «الوصف» وندقق «التعريف»، وهما كذلك ضروريان «للفهم». الذى هو مقدمة لابد منها «للتفسير».الـ B.B.C طرحت الأسئلة البسيطة: من يملك حقًا أسلحة للدمار الشامل فى الشرق الأوسط؟!الإسرائيليون ــ ولا نعرف من أعطاهم الحق ــ احتجوا على الأسئلة معتبرين أنهم غير مطَالَبين، بل حتى غير معنيين بمناقشــــة الأجـــــوبة. وإنما ــ ككل السادة فى مجتمع غير متوازن ــ رفعوا عصا العقاب. فالـ B.B.C باتت ممنوعة فى دولة تتشدق بديموقراطيتها. وشارون قاطع الإذاعة العريقــــة فى زيارته الأخيرة للندن. والاتهــــام المعلب: «معــــاداة الســامية» تم توزيعه على نطاق واسع «إرهابًا فكريا» لكل ذى صلة. ليخرس من يعرف، وليتجنب المشكلات من بوسعه ذلك.أسئلة أخري، فى موضوع آخر، ولكن أيضـــــــــا للـB.B.C، وأيضـــــــــا بحثـــــــــا عن الحقيقة، غزلت خيوط دراما من نوع آخر؛ ديفيد كيلى ذو الشعر الأشيب والصوت الهادئ وسنوات العمر الستين مات. بالبساطة نفسها التى كان يجيب بها عن أسئلة التحقيق الفظة حول لماذا أخبر أندرو جيليجان صحفى الـ B.B.C بالحقيقة (التى لا يحبها عادة السادة الأقوياء).مات ديفيد كيلى بهدوء على زاوية الغابة القريبة من بيته بجرح فى رسغه وجواره أقراص مهدئة ومشرط.. كأنما الانتحار لا يصلح (دراميا) إلا فى الهواء الطلق وظلال الزيزفون.تتفق الروايات ــ أو تتشابه ــ وتتقاطع الشكوك أو تتناثر، ويبقى الثابت فقط أن الرجل مات، وإن لم يكن عقابًا، فبالضرورة نتيجةً لبحث الصحافة عن الحقيقة. وأن اسمه سيضاف ــ على الأرجح ــ إلى قائمة الذين غيبهم الموت فى سحابةٍ داكنةٍ من الظنون والغموض. ليس بدءًا بجون كنيدى ولا نهاية بديانا الجميلة فى النفق الباريسى الشهير.هل تذكرون بطل فرانز كافكا فى «المحاكمـــة». والذى أعـــدموه دون أن يـــدرك أبدًا طبيعــــة تهمتـــــــه الغامضــــة؟! يبــــدو أن هكذا كان حال العَالِم البريطانى الوقور ذى اللحية البيضاء والنظارة الطبية، والذى لم تساعده أبدًا عدسات ميكروسكوبات معمله فى أن يرى ويســـتوضح؛ لماذا هـــو متهـــــم إذا كان كل ما فعــــــله أن أخبـــــــر الصحـــــــافة بالحقيقــــة.هدد الإسرائيليون الــ B.B.C. ومات ديفيد كيلي. وقتل الأمريكيون طارق أيوب مراسل «الجزيرة» عشية دخولهم بغداد.. فهل يعادى سَادةُ العالم الجديد الصحافة؟ليس دائمًا. ولكنهم ككل السادة؛ يكرهون أن يقول الآخرون غير ما يقولونه هم. فالحقيقة ككل شَيءٍ ملكهم. وينبغى أن تظل كذلك.وبغض النظر عن «الواقع على الأرض»، يبدو أنه فى الزمن الأمريكى «أحادى القطب»، تصبحُ الحقيقةُ أيضًا «أحادية الجانب». ويصبحُ على الجميع ــ شاءوا أم أبوا ــ أن يتعاملوا معها، حتى وإن كانت فى واقعها «أكذوبة كبري».قبل حوالى العام، وبالضبط فى 12 سبتمبر عام 2002 وقف جورج دبليو بوش أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مدشنًا حملته التمهيدية لترويج الحرب، وليلقى تقريره الشهير والذى حمل عنوانًا أمريكيا/ دعائيا: «عشر سنوات من الكذب والتحدي».يومها انصب التقرير كله على اتهام العراقيين «بالكذب». وكانت أدلة الاتهام الرئيسة كما يلي:1 ــ العراق يقيم علاقات «وثيقة» مع القاعدة.2 ــ العراق يهدد أمن الولايات والعالم.3 ــ العراق يملك أسلحة دمار شامل.اليوم، بعد الحرب.. وآلاف الضحايا.. وبلايين الدولارات (وبغض النظر عن النتائج الأخرى سلبيةً أو إيجابيةً) يتضح أن لا دليل أبدًا على أدلة الاتهام الثلاثة. ويصبح سؤال: «من الذى كان حقيقةً يكذب؟» مشروعًا.نعرف أن «السيف قد سبق العزل».ونعرف أن العراقيين، الضحايا بالحرب وبدونها، والذين يعيشون الآن حالة من «الزئبقية السياسية» غير مسبوقة لم يعد يهمهم لماذا قامت الحرب. إلا أن السؤال يظل مشروعًا ثم مطلوبًا عندما نسمع قادة البنتاجون يقولون أننا «نستخلص الدروس من العراق لجعل احتلالنا لأى بلد آخر أكثر إتقانًا».حسب رواية الهيرالدتريبيون (5 يونيو 2003) كانت هناك شكوك لدى كولن باول فى مصداقية الخطاب الذى ألقاه أمام مجلس الأمن فى 5 فبراير 2003 قبل أسابيع من الحرب. ولذا حرص على أن يجلس جورج تينت مدير وكالة الاســــــــتخبارات الأمريكية C.I.A خــــلفه ليشاركه مسئولية ما يقول. وربما حرص عـــلى ذلك أيضًا مخططــــو حملة «الترويج» الأمريكية ليقولوا لأولئك المحدقين فى شاشات العرض الضخمة والمنبهرين بالـPowerPoint Presentation وتقنيات Microsoft المتفوقة أن وراء كل ذلك إمكانات الاستخبارات الأقوى فى العالم «غير المشكوك فيها».أيا ما كان الأمر. وبالاعتذار لبيل جيتس، فقد ثبت أن تقنياته استُخدمت فى ترويج أكاذيب إضافية. فالشاحنات التى قالوا أنها مختبرات بيولوجية متنقلة لم يعثر عليها أبدًا الجنرال دايتون الذى ذهب إلى هناك على رأس فرقة من 1400 مفتش. والمواقع التى قيل أنها مصدر للخطر (الكيماوي) على العالم أجمع اكتشفوا بعد الحرب أنها خاوية إلا من بعض الحطام والبراميل الفارغة.ولم تكن محاضرة كولن باول ذات الوسائط المتعددة أمام مجلس الأمن وأمام الملايين فى العالم أجمع، متفردة فى نوعها؛ فما أن بدأ العام 2003 واقتربت «ساعة الحقيقة» حسب «توقيت السيد بوش» حتى كانت الآلة الإعلامية قد دارت بلا هوادة مستمدة وقودها من تصريحات رسمية «صارخة» لبوش وإدارته.. وحلفائه.مقالات آخرى للمؤلف أيمن الصياد
مقالات الأعداد الآخرى
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
© وجهات نظر. All rights reserved. Site developed by CLIP Solutions |