لا يوجد اى مقال فى السلة
 
 









1

ثقافـة اسـتباحة حقوق الملكية الفكرية

إن احترام حقوق الملكية الفكرية مسألة أخلاقية قبل أن تكون قانونية. فحق الملكية الفكرية حق طبيعى من حقوق الإنسان يترتب له نظير جهده الذى يبذله، ولئن كان استثماره لجهده العضلى حقاً تعترف به كل الشرائع والقوانين والأعراف، فإن اعترافها بحقه فى استثمار جهده الفكرى يكون من باب أولي.. ذلك أن الجهد الفكرى أسمى وأرقى من الجهد العضلى، ولئن كان عمل اليد يجلب للإنسان التعب والعرق، فإن عمل الفكر يسبب له السهر والأرق، ولئن كانت السخرة تتصور فى الجهد العضلى يساق إليها الإنسان بالإكراه، فإنها لا تتصور فى الجهد الفكرى، إذ لا يمكن تسخير الإنسان للتفكير بالإكراه، ومن المتعذر الدخول إلى تلافيف دماغه لاجتناء ثمرات أفكاره.

وفى هذا المنعطف الحاد،الذى تجتاز فيه البشرية اليوم عصر اقتصاد الصناعة إلى عصر اقتصاد المعرفة. وتتبدل فيه معايير تقدم الأمم، فغداً يقاس بمقدار ما تملكه من ثروة المعلومات، أكثر مما يقاس بمقدار ما تملكه من ثروة المال، تعاظم دور العمالة الفكرية واشتد الطلب عليها، وتقلص دور العمالة اليدوية وتراجع سوقها، وأصبحت قضية حماية الحق الفكرى ضرورة من ضرورات التقدم.

إن حماية الحق الفكرى مسألة أخلاقية لا يمكن لأكثر القوانين تشدداً أن يفرضها على مجتمع لا يؤمن بها، ولم تترسخ فى ضميره وتستقر فى وجدانه بوصفها حقاً طبيعياً من حقوق الإنسان يعد تجاهله افتئاتًا على هذه الحقوق وعدواناً عليها وعملاً غير مشروع يدرجها فى عداد السرقة وأكل المال الحرام، ويجعل المتجاهل لهذه الحقوق يشعر بالإثم والذنب والخزى وعار الجريمة، عندما تمتد يده إلى عمل فكرى مقلد، مثلما يخامره هذا الشعور عندما تمتد يده لسرقة سلعة أو حلى أو متاعٍ لا يملكه سواءً بسواءٍ. عند ذلك يصبح للقانون معنى، ويصبح قابلاً للتطبيق. ذلك أن القانون يؤكد الحقوق ولا ينشئها، فما جدوى صدور قانون لحماية الحق الفكرى فى مجتمع يستبيح هذا الحق من فرقه إلى قدمه، يستوى فى استباحته له المنتج والمستهلك والشرطى والقاضى الذى يرى كل منهم فى الجهد الفكرى واجباً لا يستحق بذلُه الأجر، ويرى فى ثمرات الأفكار ملكًا مشاعًا كالكلأ والماء، من حقه أن يمد يده إليه دون أن تطرف له عين؟!

إيجابيات مزعومة:

إن المجتمع الذى يعتنق ثقافة استباحة الحق الفكرى، ويمارسها من دون أن يكون لهذا الحق فى ضميره أى حرمة أو احترام ـ وهو حال المجتمع العربى والإسلامى برمته ـ لن يرى فى استباحته لهذه الحقوق أى سلبيات تذكر، بل هو يرى فيها محض إيجابيات تيسر العلم لطلابه، والمعرفة لعشاقها، وأنا ألتمس لديكم العذر كى أبدأ بالحديث عن هذه الإيجابيات المزعومة لسرقة الأفكار، قبل التحدث عن سلبياتها، فبضدها تتميز الأشياء.

وأبادر سلفًا إلى التنويه بأننى لا أعترف بأى من هذه الإيجابيات المزعومة، وأعدها ذرائع واهية لا تقوم بها حجة، ولسوف أفندها واحدة واحدة، قبل أن يدور فى خلد أحد شبهة قبول لها:

أولا: توفير المعرفة لطلابها بسعر أرخص

وهو ما يصفِّق له المجتمع، ويعده خدمة اقتصادية واجتماعية وثقافية جليلة، تُخلِّصه من جشع المنتجين الأصليين وفرضهم السعر الأعلى، على الرغم مما يعرفونه من تدنى مستوى الدخل لدى الفرد، وتعقد سبل المعيشة واحتياجاتها، وإذا كانت نسبة تخفيض السعر على الأوعية الورقية (الكتاب) لا تتجاوز 30% فإنها على الأوعية الأخرى السمعية والسمعبصرية والإلكترونية (الأشرطة والأقراص الممغنطة والكتاب الإلكتروني) قد تبلغ 90%، بمعنى أن المستهلك يستطيع أن يحصل على الشريط أو القرص المنسوخ (CD) بعُشر ثمنه الأصلى، فلا يعقل أن يطالب بالتضحية بهذه الفرصة المتاحة مهما تكن الأسباب الداعية لها. وفى تفنيد هذه الذريعة الواهية هناك ما يلى:

1 ـ هل يسوِّغ السعر الأرخص لأحد أن يشترى حلية أو متاعًا مسروقًا؟ ولئن فعل فإنه لن يستطيع أن يدارى وخز ضميره وشعوره بالإثم، ولسوف يتستر من الناس مخافة أن تزدريه أعينهم وتلوكه ألسنتهم، كما أنه لن ينجو من سطوة القانون الذى يعد حيازة المسروق جريمة يعاقب عليها.

فهل تكون ثمرات الأفكار والحقوق المترتبة عليها أدنى مرتبة من الحقوق المادية والعينية؟! وهل يقبل ذلك فى عصر المعلومات الذى يتركز الإنتاج فيه على الأفكار؟!

2 ـ المستهلك هنا، إنما يقوِّم المادة الفكرية بقيمة وعائها المستوعب لها، ورقيا كان أم رقميا، على قرص ممغنط (CD) أو على الإنترنت، ويتجاهل أو لا يفطن إلى قيمة مضمونها العلمى الذى بذل فيه مؤلفه وناشره الكثير من الوقت والجهد والمال.

إن إنتاج برنامج حاسوبى واحد يتطلب حشد عدد كبير من الفنيين؛ مبرمجين ومصممين ومدخلين، وجلب الكثير من المراجع والمصادر، وتوفير الكثير من الأجهزة، ومن الأموال، ومن العمل الدءوب شهورًا وسنين.. بينما لا يتطلب نسخُه غير ثانية واحدة من الزمن، تُدخل فيها القرص الذى غالبًا ما يكون من نوع رديء لتحقيق المنافسة، عبر جهاز بسيط ليس له قيمة تذكر.

وأستبعد أن يكون المستهلك على درجة من الجهل لا يفرق فيها بين الوعاء المملوك ومضمونه المسروق، وخاصة أن استخدامه له يشى بأنه مثقف متحضر ينتمى إلى جيل الكمبيوتر وعصر المعلومات.

3 ـ وما أظن المستهلك يجهل أن فرق السعر بين المنتج الأصلى والمنسوخ أو المقلد، إنما يمثل حق المؤلف ونفقات الإعداد والتحضير والإخراج، التى يبيح لنفسه سرقتها.

4 ـ ليس من مصلحة الناشر أو المنتج الأصلى رفع قيمة الكتاب أو المادة الفكرية فى مجتمع عازف عن القراءة، سوف يزيد السعر العالى من إعراضه عنه

ثانيا: كسر احتكار المعرفة

وهو الذريعة التى يتشبث بها المستهلك فى مواجهة براءات الاختراع التى تُمنح للمبدعين، فتحمى منتجاتهم زمنًا تمنع فيه مزاحمتهم أو منافستهم، وتطلق يدهم فى تحديد سعرها للمستهلك، وقد تكون من ضرورات حياته كالدواء، أو قد تشمل أحيانًا احتياجاته الثقافية كما فى مصحف التجويد الذى أقحم فى مجال براءات الاختراع كسلعة صناعية من غير وجه حق. أو فى مواجهة المجتمعات المتقدمة التى يتركز فيها الإبداع ويتضخم حجم المعارف والعلوم، فتحجبها عن المجتمعات الآخذة بالنمو، مطالبة للإذن بترجمتها بشروط قاسية مجحفة لا تراعى واقعها المتخلف وضعف اقتصادها، وهبوط مستويات الدخل فيها مع شدة احتياجها.




مقالات آخرى للمؤلف محمد عدنان سالم

ديسمبر 2007


مقالات الأعداد الآخرى
 
© وجهات نظر. All rights reserved.
Site developed by CLIP Solutions