لا يوجد اى مقال فى السلة
 
 









1

الجـاحـظ.. ســـيد البيـان الـعـربى

علاّمة بغـــداد فى عصرها الذهبى

الجاحظ هو عمرو بن بحر بن محبوب الكنانى، الليثى، المعروف بين عامة الناس بالجـاحظ. ولد فى عام 163هـ / 869م فى مدينة البصرة العراقية، وهو من أشهر كتّاب العربية وأدبائها على الإطلاق، ويعدّ إماماً فذاً من أئمة اللغة العربية، ولا نخطئ حين نصف هذا الرجل العظيم بأنه سيد البيان العربى فى جماله وصحته وقوته.

لُقّبَ بالجاحظ لجحوظ عينيه ونتوء حدقتيهما، اشتُهِر بالذكاء الحاد والذاكرة الحافظة والقدرة البالغة على الإنشاء الأدبى. ودرس علوم عصره الأدبية والفكرية جميعها، وقرأ المصنفات الفلسفية التى تُرجِمت إلى العربية من اللغة اليونانية. ومنذ صغره أبدى ميلاً قوياً نحو المعرفـة، فأخذ ينهل منها، وكانت المعارف فى عصره سيولاً تتدفق فى ولايات الدولة الإسلامية المترامية الأطراف ومدنها. هو العاشق للماء، والماء يجرى أنهاراً متدفقة أمامه، فأخذ يشرب منه ولا يرتوى، وكلّما شرب ازداد معرفة وعلماً وفهماً لنفسه ومجتمعه وكلّ ما يحيط حوله. ومنذ أن وعى الغلام أخذ يتردّد مندفعاً إلى أماكن العلم والمعرفة، فزار الكتـاتيب، وبدأ يتعلّم فيها مبادئ القراءة والنحو والفقه والحساب، ويحفظ بعض الآيات القرآنية الكريمة، وشبّ ونما، ونما معه اندفاعه القوى لتحصيل العلم والمعرفة، وأحسّ أنّ هذه الكتاتيب، بما تقدّمه من معارف وعلوم غير قادرة على إشباع نهمه العميق للتحصيل العلمى والمعرفى، فمضى إلى المساجد التى كانت فى عهد الدولة العباسية بمثابة الجامعات العريقة فى أيامنا المعاصرة، وهناك أخذ يستمع إلى المحاضرات بعقل نير، وقلب عاشق للمعرفة والأدب، وسرعان ما أبدى نبوغاً واضحاً، إذ أخذ ينهل مما يقدّم فى هذه المساجد من فقه وعلوم وشريعة، و من نحو وصرف وعلوم لغة، ومن مناقشات ومحاورات بين الدارسين، أسهمت فيما بعد فى أن دفعته شجاعاً واثقاً من نفسه لولوج عالم الأدب والفكر والثقافة من أبوابها الواسعة. وقد تأثّر فى هذه المساجد تأثراً واضحاً برجال الأدب والعلم فى البصرة الذين سيسميهم فى كتابه «البيان والتبيين» بالمسجديين، لأنهم كانوا يجتمعون فى المسجد الجامع بالبصرة، ثمّ أخذ يتردّد إلى سوق المربد بالبصرة، وكانت من أهمّ الأسواق الأدبية والتجارية الكبيرة والمعروفة فى الدولة الأموية، والتى بقيت محافظة على أهميتها فى العصر العباسى، وفى هذه السوق بدأ يستمع إلى فصحاء العرب، ويأخذ عنهم اللغة السليمة، ويحفظ ما ينشدونه من الأشعار الكثيرة.

نشأ الفتى بسيطاً وفقيراً، وهذه حال المفكرين والمبدعين فى التاريخ الإنسانى ـ قديمه وحديثه ـ فأخذ يبيع السمك بسيحان إحدى مناطق البصرة، وكان عليه أن يؤمّن دخلاً كريماً له ولوالدته، يدفع عنهما ذلّ الفاقة والجوع، إلاّ أنّ انهماكه الشديد بالدرس والقراءة جعله يتقاعس عن تحصيل أسباب معاشه ومعاش والدته، ممّا جعل هذه الوالدة تبدى تضايقها بهذا الانهماك الشديد. وتروى الكتب أنّه ذات ليلة رجع من حلقات الدرس إلى منزله، وطلب من أمّه أن تعدّ له طعامه اليومى،فسارعت الأمّ وقدّمت أوراقه وكراريسه على طبق قائلة: «ليس عندى من طعام سوى هذه الكراريس». وأحسّ أنّ أمّه تنبّهه إلى تقاعسه، وتوبّخه، وتدعوه إلى العمل والكسب لتقديم ضروريات العيش، فأحسّ بالألم يعتصر فؤاده، فخرج كئيباً حزيناً إلى الجامع. وفى الجامع التقى بصديقه الثرى مُوَيس بن عامر، الذى كان من أصدقائه فى الدراسـة، فسأله مويس عن سرّ حزنه الشديد، فحدّثه بحديث أمّه، وكيف وضعت له طبق الكراريس بدلاّ من الطعام، وسرعان ما صحب الصديق صديقه إلى داره، وأعطاه خمسين ديناراً. وكم كانت فرحة الجاحظ كبيرة بهذه الدنانير، فهى أوّل مرّة فى حياته يحصل فيها على هذا المبلغ الكبير.وأخذ الجاحظ الأموال، ودخل أحد أسواق البصرة، واشترى الدقيق والطعام الكثير، واكترى الحمّالين، وطلب منهم أن يحملوا ما اشتراه إلى داره، ودهشت الأمّ عندما شاهدت ولدها الجاحظ والحمّالين يدخلون دارها بهذه الأطعمة الكثيرة، وسألت ولدها: من أين لك كلّ هذا؟، فقال سعيداً واثقاً بنفسه: من الكراريس التى قدّمتها لى فى المرّة الماضية.

ولم يكتف الجاحظ بنهل علومه من المسجد الجامع فى البصرة فحسب، بل دفعه توقه الشديد إلى المعرفة لأن يعمد إلى دكاكين الورّاقين فيكتريها، ويبيت فيها حتى الصباح متفحّصاً كتبها، قارئاً لها قراءة المجدّ والناقد والمحلل لمضامينها، فقد وهبه الله سبحانه وتعالى ذاكرة قوية حافظة، إذ لم يقع فى يده كتاب إلاّ استوفى قراءته بصبر رجل العلم الباحث عن الحقيقة والمعرفة. وتؤكّد سيرته التاريخية أنّه لم يكن يكتفى بقراءة كتاب فى اليوم بل كان يقرأ عدة كتب. ويقول أبو هِفّان عنه، وهو أحد معاصريه،«لم أر قطّ ولا سمعت من أحبّ الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ، فإنّه لم يقع بيده كتاب قطّ إلاّ استوفى قراءته كائناً ما كان».

وعى الرجل أهمية المعرفة، ودورها فى العصر العباسى، فأخذ ينهل منها، ثمّ يمجّدها فيما بعد مبيناً فضائلها الكثيرة، فقد كتب مقدمة لكتابه «الحيوان» فى حوالى مائة صفحة يمجّد فيها المعرفة والكتب، ويقول فى أولها: «جنّبك الله الشبهة، وعصمك من الحيرة، وجعل بينك وبين المعرفة نسباً، وبين الصدق سبباً، وحبّب إليك التثبّت، وزين فى عينيك الإنصاف، وأذاقك حلاوة التقوى،وأشعر قلبك عزّ الحقّ، وأودع صدرك بَرْد اليقين، وطرد عنك ذلّ اليأس، وعرّفك ما فى الباطل من الذلّة، وما فى الجهل من القِلّة».

منح الله الجاحظ قدرة فائقة على القراءة والتأليف، وصبراً عجيباً على اكتساب المعرفة، وما كان بمفرده قادراً على تحقيق مطمحه، وتحصيل هذا الكمّ الهائل من المعارف الكثيرة التى أدهشت معاصريه، والذين أتوا من بعده، بل استعان بمجموعة من أصدقائه الورّاقين الذين كتبوا له وكتبوا عنه، ومن هؤلاء الورّاقين: زكرياء بن يحيى، وعبد الوهّاب بن عيسى بن أبى حية الورّاق، وهما أشهر ورّاقين استعان بهما الجاحظ فى مسيرته الفكرية.

ولم تقف ثقافة الجاحظ عند المسجد الجامع وسوق المربد الأدبى ودكاكين الوراقين التى أمدته بزاد كبير من المعارف فحسب، بل اتصل بأهم وبأشهر شيوخ العلم وأئمة الأدب فى عصره، ومن هؤلاء: أبو عبيدة والأصمعى وأبو زيد الأنصارى وأبو الحسن الأخفش وأبو الهذيل العلاّف وبشر بن المعتمر وثمامة بن أشرس، وتخرّج فى علم الكلام على يدّ أبى إسحق النظام،ونجده فى كتبه الكثيرة يأخذ عن جماعة من الفقهاء، كأبى يوسف صاحب أبى حنيفة، ويزيد بن هارون، والسرّى بن عبدويه.




مقالات آخرى للمؤلف محمد عبد الرحمن يونس

يوليو 2007
اغسطس 2006
نوفمبر 2004
نوفمبر 2003
نوفمبر 2002
يونيو 2002
فبراير 2002


مقالات الأعداد الآخرى
 
© وجهات نظر. All rights reserved.
Site developed by CLIP Solutions