![]() |
|
|
|
قـــــــراءة ...... مــاذا بعــد؟ أياً ما كان الخطأُ أو «التعمد» فى دخول أو «اختراق» الطائرات الأمريكية الأجواء السورية المحاذية للعراق قبل أسبوعين، والذى كان «رسالة لنا» كما وصفه بشار الأسد، فإن الحدث ـ الذى بدا للبعض عرضياً ولآخرين غير ذلك ـ لابد أن يذَكِّر بما كان من تصريحات أدلى بها زعماء عرب كبار قبل حوالى عام، أكدوا فيهــا أن واشـنطن لن تضرب بغداد (بعد كابول). وأن تأكيدات أمريكية طمأنتهم. يومها بدا أن التوقعات ـ رغم ما يتطلبه استشرافُها من تجرد ـ اختلطت بالتمنيات مع ما يسكنها بحكم الطبيعة من أحلامٍ وذاتية. أياً ما كان الأمر فإن خبر الطائرات التى أخطأت دقةَ المسار، ذكَّر الكثيرين أيضًا بما شاع (أو تم تسريبه) من خطة الأمريكان «الشرق أوسطية» ذات المراحل. ولم يكن غريبًا بحال أن تعمد مواقع الإنترنت التى نقلت خبر الطائرات إلى وضع أخبار الخطة الأمريكية على الهامش فى خانة (الموضوعات ذات الصلة). ماذا بعد؟ يظل إذن السؤال الأهم. بعد أن بات السؤال: «هل يضرب الأمريكان العراق؟» غير ذى موضوع، إذا وضعنا التمنيات ـ على أهميتها ورغم الحاجة المعنوية إليها ـ جانبًا. وإذا وضعنا جانبًا أيضًا كل الجدل؛ عقيمه ومفيده، حول علامات الاستفهام: «هل.. ومتي» وأيهما أقرب للواقع، وأولى بالرعاية والاهتمام. ماذا بعد؟ السؤال المهم له إجابات «غامضة» ثلاث: عراقيا، وفلسطينيا.. وفى المنطقة كلها التى لن يقتصر «الصدي» فى أجوائها حتمًا على ذلك الناتج عن ضجيج طائراتٍ دخلت «عرضًا» المجال السورى قبل أسابيع. ماذا بعد..؟ عراقيا، انفضت «اللويا جيرجا» Version 2 بوثيقة توفيقية صدرت عن مؤتمر فى لندن للمعارضة العراقية يذَكِّر حتمًا بخلافاته الكامنة تحت السطح، بذلك الذى كان قبل حوالى العام فى العاصمة الألمانية بون، للبحث «أمريكيا» فى مستقبل أفغانستان بعد طالبان. يختلفُ الفندق.. والعاصمة.. وتختلف السحنات والوجوه. وربما أزياء بعض المؤتمرين.. وتبقى ثوابت ثلاثة: المفردات.. وأمريكا.. وكاميرات التليفزيون. تحدثوا هناك عن الاثنيات والمذاهب الدينية والأقليات. وامتلأ خطابهم هنا بالمفردات ذاتها، وبغض النظر عن الفارق بين الاثنى عشرية والباشتون وبين الصابئة والآشوريين. إذ يبقى ذلك من التفصيلات. وأمريكا التى تظللت هناك بشعار الأمم المتحدة واسم الأخضر الإبراهيمى وسماحته، لم تتردد هنا فى أن تعد الطبخة ـ علنًا ـ فى واشنطن قبل أن ترسل «مبعوثها» ـ الأفغانى الأصل ـ ليتولى التنسيق و«التحكم». إن لم يكن بحكم حق الطاهى فى طبخته، فبحكم واقع الحال de facto. وهنا أيضًا، ورغم غياب أناقة كرازاى اللافتة، و«نساء بلا شادور» كانت كاميرات التليفزيون متواجدة ومتزاحمة. تُرهِقُ مصوريها بحثًا عن لقطة مختلفة «تقطع الكادر» الممل لخطباء يتتابعون يقرأون من أوراق صيغت نصوصُها بعناية حسب ما يستوجبه المقام والمناسبة التى رغم أنها لم تفاجئ أحدًا، إلا أنها تفتح من أسئلة المستقبل (ناهيك عن جروح الماضي) أكثر مما تجيب. اجتماعات لندن احتفظت ـ بحكم التاريخ القريب والبعيد ـ من العاصمة البريطانية بضبابيتها. فرغم برودة طقس ديسمبر وثلجية العبارات الدبلوماسية لخطباء القاعة المكيفة.. وربما حُسن نواياهم، إلا أن ضباب لندن لم يكن بوسعه أن يخفى حقائق التاريخ.. أو تعقيدات الجغرافيا. وبدا أن تحت السطح المتململ والذى يبدو هادئًا ـ الآن فى حضرة الأمريكان ـ محاور استقطاب مستقبلية حادة، فمع من رأى أن الجيش العراقى هو ضمان للوحدة، كان هناك من لم يخف ـ ولو فى لقاءات العشاء والغداء ـ رغبته فى ضرورة أن نستبدل بالجيش الذى حاد عن نهجه «مليشيات» وطنية وشعبية. لاحظ أننا نتحدث عن وطن مترامى الأطراف، وفير الثروات، متعدد الأعراق والطوائف والاثنيات. ترتبط بعض من ألوان فسيفسائه بألوان فى دول مجاورة. ويحفل تاريخ المنطقة كلها ـ القريب والبعيد ـ بالنتائج الطبيعية للموزاييك. هل تفلح الاتفاقات أو الاجتماعات ـ غير المعلنة ـ للمندوب الأمريكى فى جناحه الخاص بعيدًا عن ردهات المؤتمر، بل وعن المؤتمرين المعارضين/المتعارضين، فضلاً عن عدسات الصحفيين وأنوفهم فى ضمان مستقبل واضح للعراق؟ (Iraq War Peace Syndrome) كان هو المسمى الذى اختاره أنتونى كوردسمان (المحلل الاستراتيجى والناصح للإدارة الأمريكية) موضوعًا لتقريره الذى طرح مسودته قبل أيام فقط أمام «مركز دراسات الاستراتيجية الدولية» فى واشنطن. ولم يكن كوردسمان مبالغًا أبدًا عندما ذكر فى العبارة الأولى من تقريره أن السلام هو غالبًا المرحلة الأصعب فى أى حرب The Hardest part of war is often the peace. وأن هذه القاعدة ستجد تطبيقها المثالى فى حالة العراق بعد أن يذهب الأمريكيون للحرب هناك. وفى مسودة تقريره الذى حمل عنوان Us Policy to Reshape a Post - Saddam Iraq يعدد كوردسمان أعراض Syndrome حالة ما بعد الحرب فى العراق، فى ثمانى عشرة نقطة مؤكدًا أن هذا «ليس على سبيل الحصر». «أعراض كوردسمان»، ومفردات مؤتمر لندن، وجدول أعماله الذى تضمن بندًا واحدًا: «ماذا بعد؟»، وكذا دبلوماسية صياغة خطبه وكلماته، لم تكن بعيدة عن معنى ومناسبة ودلالات بل وحتى لهجة المحاضرة «متقنة الصياغة» التى ألقاها كولين باول على الناحية الأخرى من الأطلنطى فى قاعة مؤسسة Heritage الأمريكية المحافظة. المحاضرة التى طال انتظارها تضمنت التصور الأمريكى ـ أو ربما الخارجية الأمريكية ـ للإصلاح الديمقراطى والتنموى و«التعليمي» فى بلدان الشرق الأوسط العربية. وواقع الحال أن لا أحد بإمكانه أن يجادل باول ـ عن قناعة ـ إذا تعلق الأمر بواقع الاقتصاد أو الديمقراطية فى بلادنا، فهنا جمهوريات يعَدَّل دستورها بالطلب. وهنا تعليمٌ يكرس الجهل، أو فى أحسن الأحوال «النقل لا العقل» وهنا عصبية «عشائرية أو طائفية» وأحزاب ورقية؛ تتساوى فى ذلك تلك الحاكمة أو تلك «المكملة للصورة». وهنا فقرٌ وبطالةٌ وفسادٌ ومحسوبية. ولافتاتٌ فخمة بلا كيانات حقيقية. وهنا برلماناتٌ تقبل أن تكيل بمكيالين.. و«قوانين لها أنياب» نتذكرها ـ أو يتذكرونها ـ فقط عند الحاجة!! وهنا ـ أيضًا ـ حكامٌ وخلفاءٌ يزيد عدد صورهم فى الشوارع الفقيرة ـ وربما ألقابهم أيضًا ـ على عدد المارة. هل زرت بغداد أخيرًا؟!مقالات آخرى للمؤلف أيمن الصياد
مقالات الأعداد الآخرى
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
© وجهات نظر. All rights reserved. Site developed by CLIP Solutions |