![]() |
|
|
|
نـــون ..من أزمة الصواريخ الكوبية إلى أسلحة الدمار العراقية التاريخ لا يعيد نفسه بكل ملابساته وتفاصيله وأحداثه، ولكن الإنسان هو الذى لا يتعلم من أخطائه، فيعيد تكرارها على نحو أو آخر. وقبل أقل من نصف قرن، وبالتحديد فى عام 1961 شهد العالم أزمة مشابهة للأزمة الراهنة التى تدور مشاهدها حول العراق والتى توشك أن تندلع بسببها حرب فى الشرق الأوسط. ولكنها فى ذلك الحين كانت تدور حول كوبا. وكان مسرحها خليج الخنازير بدلاً من الخليج العربى.. كان العالم غير العالم، وتوازن القوى الذى يحكم العالم فى الستينيات فى ظل سباق الرعب النووى والحرب الباردة والتكتلات العسكرية، غير هيمنة القوة الكبرى الوحيدة التى تفرض استراتيجيتها على العالم الآن.. كان النظام الشيوعى الذى أقامه كاسترو فى كوبا يمثل شوكة فى جنب أمريكا التى اتهمته بإيواء قاعدة للصواريخ السوفيتية على الأراضى الكوبية. وكانت المشكلة التى واجهت أمريكا هى كيف ترغم كاسترو على تفكيك هذه الصواريخ ونزعها من قواعدها، دون أن تخاطر بمواجهة مع موسكو قد تؤدى إلى إشعال حرب نووية. وفى كتاب صدر حديثًا فى أبريل من هذا العام «جهاز من الأسرار» Body of Secrets يكشف مؤلفه جيمس بامفورد عن أسرار هذه الحقبة، وبين يديه ملفات وكالة الأمن القومى الأمريكى السرية.. كانت تمور تحت السطح فى أمريكا حينذاك تيارات محملة بمشاعر الخطر، وكانت شكوك العسكريين تجاه القيادات المدنية التى تولت زمام الحكم فى واشنطن بعد فوز جون ف.كنيدى عميقة الجذور، إلى درجة تصورت معها بعض القيادات العسكرية أن القيادات المدنية تم اختراقها بواسطة الشيوعية الدولية.. خصوصًا أن كنيدى كان يمثل تيارًا ليبراليا اجتماعيا داخل الحزب الديمقراطى، وكان ايزنهاور قد عَين قبل انتهاء ولايته رئيسًا لهيئة الأركان يعد من أكثر العسكريين انغلاقًا وتعصبًا هو الجنرال ليمان ليمنتزر ، الذى كان يؤمن بمبادئ جمعية جون بيرش العنصرية المعادية للسود.. وكان يتمنى فى جلساته الخاصة لو زحفت القوات الأمريكية على شوارع هافانا وأطاحت بكاسترو ومزقت النظام الشيوعى إربًا. يفصل الكتاب أجواء العداء والتوتر التى سادت أمريكا فى ذلك الوقت، ويثبت نمط التفكير الأمريكى فى مواجهة الظروف العالمية التى ميزت الحرب الباردة، والحجج التى كانت تُساق لتشويه صورة كاسترو والشيوعية، وكأننا نسمع نفس الحجج ونقرأ نفس الادعاءات التى تُساق اليوم ضد صدام حسين وضد الإسلام والمسلمين.. «إن أنصار الشيوعية فى العالم قد عقدوا العزم على تدمير حضارتنا وكل قيمنا.. وبات تراثنا فى الحرية والآمال التى احتضنتها البشرية منذ آلاف السنين فى مهب الريح. ولابد أن نعثر على الرد المناسب لمواجهة هذه الأخطار المميتة.. ليس كحكومات فقط بل كأفراد ومواطنين...». لم يختلف الرد المناسب الذى طرحته الإدارة الأمريكية بأجهزتها المختلفة قبل نحو خمسين عامًا عما يجرى هذه الأيام.. فقد نشب خلافٌ بين وكالة المخابرات المركزية التى وضعت خطة سرية تقوم على تهريب ما يقرب من ألفين من العملاء الكوبيين المعارضين لكاسترو إلى كوبا، بينما رأى الجنرال ليمنتزر رئيس هيئة الأركان أن الحل يقوم على شن هجوم عسكرى ساحق برًا وبحرًا وجوًا.. وكان التحفظ الوحيد هو أن خطة الهجوم العسكرى الشامل يمكن أن تثير ردود فعل عالمية وتعيد إلى الأذهان قصة الغزو السوفيتى للمجر.. ومن ثم تفتق ذهن هيئة الأركان المشتركة عن خطة سرية لخداع الرأى العام الأمريكى والعالمى، وإيهامه بأن كوبا هى التى شنت الهجوم على أمريكا.. طبقًا لنظرية «هز ذيل الكلب»! وتحكى الوثائق السرية الأمريكية أن ليمنتزر وهيئة الأركان المشتركة اقترحوا على الرئيس كنيدى تدبير هجوم على القاعدة البحرية الأمريكية فى خليج جوانتنامو واتهام كاسترو بأنه هو الذى قام به. واقتناعًا من الرأى العام الأمريكى المخدوع بأن كاسترو هو المعتدى، فسوف يؤيد الشعب الأمريكى شن حرب ضد كوبا.. وفى النهاية فمن الذى سيصدق تكذيبات كاسترو ونفيه فى مواجهة بيانات البنتاجون ووثائقه وقياداته العسكرية؟ لا يغيب عن البال أن مثل هذه الحرب ـ لو تمت ـ كان مقدرًا أن يقع لها من الضحايا عدد لا بأس به من الجنود الأمريكيين، استنادًا إلى نسيج من الأكاذيب الملفقة، ومع تطور الأحداث فى تلك الأيام، أصبحت هذه الخطة هى القمة الظاهرة لجبل ثلج غاطس تحت الماء.. خاصة بعد أن تطورت الخطة واقترح ليمنتزر على كنيدى تشكيل حكومة فى المنفى ووافق كنيدى على تكليف البنتاجون والمخابرات (سى.آى.إيه) بمراجعة الخطط اللازمة لإرسال المعارضين لكاسترو إلى كوبا للاستيلاء على السلطة، بعد أن تنجح القوات الأمريكية فى عملياتها العسكرية. ولكن وكالة المخابرات المركزية التى كانت تحت رئاسة آلن دالاس فى ذلك الوقت، كان لها رأى آخر. فلم يكن كاسترو مكروهًا من شعبه بل كان ينظر إليه كبطل حرر بلاده من ديكتاتورية «باتستا» الدموية. ومن ثم فقد كانت هناك شكوك قوية فى أن ينضم الشعب الكوبى إلى قوات الاحتلال الأمريكية، أو أن تنجح المخابرات الأمريكية فى تنظيم مقاومة داخلية لمساندة الغزو الأمريكي! بينما كانت الاستعدادات تتقدم على طريق تنفيذ الخطة، رغم الخلافات، ركَّزت وكالة الأمن القومى الأمريكية جهودها على التحركات السوفيتية. ورصدت أجهزة التجسس الأمريكية حركة نشطة لسفن شحن سوفيتية فى ميناء هافانا. ودون دخول فى تفاصيل كثيرة، فقد منيت المحاولة الأولى لإنزال قوات غزو أمريكية فى خليج الخنازير فى 17 أبريل 1961 بالفشل. ولكن فشل عملية الغزو التى دبرتها المخابرات المركزية، لم يصرف نظر حكومة كنيدى عن كوبا. وقرر كنيدى أن يحول مسئولية حل المشكلة الكوبية من المخابرات إلى البنتاجون. وكانت تلك هى الفرصة الذهبية لكى يشد العسكريون عضلاتهم ويثبتوا كفاءتهم بعد الفشل الذريع للمخابرات المركزية. ولأسباب تبدو كامنة فى صلب المجتمع الأمريكى، فإن اليمين الأمريكى المحافظ دائمًا ما يجد له حلفاء فى المؤسسات الأمريكية الأخرى.. ويشير الكتاب إلى تقرير قدمته لجنة الشئون الخارجية بمجلس الشيوخ وحذرت فيه آنذاك من سيطرة جناح يمينى متطرف على قيادات الجيش. وألمحت إلى خطورة وقوع محاولة من العسكريين لتغيير سياسة الحكومة كما حدث فى الانقلاب الذى قاده بعض غلاة المتطرفين من الجيش الفرنسى فى الجزائر.مقالات آخرى للمؤلف سلامة أحمد سلامة
مقالات الأعداد الآخرى
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
© وجهات نظر. All rights reserved. Site developed by CLIP Solutions |