![]() |
|
|
|
لمـــــاذا لا يتزوج المصريون؟! مديحة محمد السفطى قد لا تصل الأرقام الرسمية لأعداد غير المتزوجين فى مصر إلى حد اعتبارها مؤشرًا على وجود ظاهرة، قياسًا إلى عدد السكان الذى يصل إلى 67 مليون نسمة حسب التعداد الرسمى للسكان الصادر عن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء فى شهر يناير من هذا العام 2002. إلا أنها وبالمقارنة بفترات زمنية سابقة تشير إلى اتجاه يتنامى فى المجتمع المصرى ويتمثل فيما يمكن تسميته بتأخر سن الزواج عجزًا أو عزوفًا. أو ربما بطرًا من بعض الفتيات. إن التفاوت بين الجنسين فى الأرقام بأعلى بدهى، إذ أن سن الزواج بالنسبة للفتاة تسبق سن الشاب فى مجتمعنا، أولاً: بسبب العادات السائدة به والتى تحبذ زواجها المبكر، وثانيا: بسبب الوقت الذى يحتاج إليه الشاب ليصنع لنفسه مستقبلاً يسمح بتكوين أسرة، وهو العائل الرئيسى لها حسبما تحدد التقاليد. وعادة لا يتم ذلك قبل سن الثلاثين. ولذا نجد ارتفاع عدد الذكور غير المتزوجين فى شريحة الخامسة والعشرين عنه فى شريحة الثلاثين. ومع تخطى مرحلة الثلاثين من العمر، يرى المجتمع أن الفتاة قد فاتها قطار الزواج. وقد لا ينطبق ذلك على الشاب بنفس الصورة، وبشكل عام، يقل عدد الشباب بلا زواج بعد هذه السن، فنجد أن البيانات تشير إلى أن من هم بلا زواج بدءًا بسن الخامسة والثلاثين فأعلى يمثلون 369.578 شخصًا، منهم 216.922 من الذكور، و 152.656 من الإناث. ومع ذلك، فإن وجود شباب غير متزوجين يثير تساؤلاً لدينا جميعًا، ونحن نعيش فى مجتمع يقدس الزواج، ويعتبره «نصف الدين»، ويحمل فى بنائه ضغوطًا اجتماعية تدفع الشباب من الجنسين إلى استكمال هذا النصف فى مرحلة مبكرة من حياتهم. لماذا يحجم الشباب عن الزواج؟ وهل هو إحجام طوعى، أم عزوف تفرضه الظروف، أيا كان نوع هذه الظروف؟ هل هو اختيار من الشباب؟ أم هل هو انسياق وراء اتجاه مستورد، أوجدته مقتضيات العولمة، فتسلل إلينا، مثله فى ذلك مثل عناصر أخرى غريبة علينا؟ هل هو نتاج نسق اجتماعى جديد أفرزته عوامل التغير الطبيعى، وأعاد صياغة أولويات الشباب؟ أم هل هو قبل ذلك كله، محكوم بأوضاع اقتصادية، تحد من فرص الشباب فى الزواج وتقيدها؟ وهل وجود مثل هذا الاتجاه يعبر عن ارتفاع سن الزواج نتيجة لمتغيرات التحول الاجتماعى فى مجملها، أم هو انعكاس لما هو أكثر من ذلك وأبعد منه؟ كلها تساؤلات تدور فى الذهن عند محاولة فهم ذلك الاتجاه؟ وإدراك أبعاده المختلفة. وربما يكون مرجع هذه التساؤلات ـ ولو جزئيا ـ أنه حتى منتصف القرن الماضى تقريبًا لم تكن هذه التساؤلات لترد فى أذهاننا، ولم تكن هناك مشكلة تراجع عن مؤسسة الزواج. وكان الوضع الطبيعى متى بلغ الشاب والفتاة سن الزواج المتعارف عليها ـ وكان مبكرًا ـ أن يقدما عليه كخطوة طبيعية فى مشوار حياتهما. وليس معنى ذلك أن الوضع كان يخلو من معوقات فى هذا الصدد، ولكنها كانت أقل منها فى الوقت الحالى، وربما تختلف فى مضمونها أيضًا. ولأن مناقشة عزوف الشباب عن الزواج هى فى الواقع مناقشة وضع غير مألوف لدينا، فإننا نحاول أن نتفهم أبعاد هذا الوضع. وفى نطاق هذه المحاولة، لابد من التطرق إلى ما نعيشه من أنساق المجتمع فى الفترة الآنية، والتى لها مردودها على ما يدور به من اتجاهات وأيضًا سلوكيات، إذ لا يمكن فهم أى منها بمعزل عن هذه الأنساق ولا منفصلة عنها. وهنا لا يمكن إغفال عملية التغير التى يمر بها المجتمع، والتى من خلالها تبرز أنماط سلوكية جديدة، تستحدثها الأوضاع المتغيرة، والتى لا تكون بالضرورة وافدة إلينا من مجتمعات خارجية، ولكنها قد تكون نتاج عملية التحول الداخلى نفسه، واتساقًا مع عجلته، يفرزها السياق الطبيعى له. وأنه لا يمكن القول إن هذه الأنماط تخلو من قدر من التأثير الخارجى، تختلف درجته من وضع إلى آخر نتيجة لأكثر من متغير فى هذا الصدد. فإذا اعتبرنا أن المجتمع الغربى يعيش اتجاهًا واضحًا نحو رفض فكرة الزواج بين الشباب، والذى قد يصل إلى حد الظاهرة هنا بسبب اتساع حجمه، وبالتالى ترتفع نسبة الشريحة غير المتزوجة بينهم، فإن مجتمعنا لا يزال بعيدًا عن ذلك الوضع، حتى مع ارتفاع عدد غير المتزوجين به، لأن النسق القيمى لدينا يختلف عنه فى المجتمعات غير العربية بشكل عام. فالأخيرة لها عاداتها التى تحكمها، ولها من النواميس ما لا يضع الزواج ضمن أولويات الشباب. ولذلك يمكن القول إن المجتمع المصرى ـ مثله فى ذلك مثل المجتمعات العربية الأخرى ـ مازال يقدس الزواج رغم كل شيء، ومازال يعتبر الأسرة نواته، وركنًا أساسيا به، بل ويتضمن تقاليد وعادات تحبذ الزواج وتحث عليه. ولكن، لا يمكن إغفال تسلل بعض عناصر الثقافة الخارجية إلينا، ولا تأثيرها علينا، كما أسلفنا الذكر، ولا يمكن إغفال بعض الأسباب الداخلية ومردودها على الزواج. إننى أتطرق إلى هذا الموضوع ليس فقط كمراقبة لما يدور فى المجتمع من منطلق التخصص الأكاديمى بل وأيضًا كباحثة لجوانبه المختلفة، ولكن قبل ذلك كجزء منه، أعيش أوضاعه وأشعر بمشكلاته وقضاياه. فإذا اعتبرنا أن ثمة أسبابا مجتمعية قد أدت إلى ارتفاع عدد غير المتزوجين من الجنسين، فهل هى نفس الأسباب لكليهما؟ وهل تتساوى الأسباب فى هذا الصدد بين الذكر والأنثى باعتبارها دوافع سلوكية لكل منهما؟ وأيضًا هل تتساوى بالنسبة لجميع أفراد المجتمع مع اختلاف انتمائهم إلى الشرائح الاجتماعية المختلفة؟ إن محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة تؤكد اختلاف الأسباب بين الجنسين، وكذلك الدوافع، وأيضًا بين الشرائح الاجتماعية المختلفة، إذ أنه مع وجود متغيرات فى المجتمع تشكل عوامل لها أثرها على جميع الأفراد، لأنها تتأثر بدورها بظروف عامة، إلا أن هناك تباينًا فى الأسباب بين الجنسين، وأيضًا بين الشرائح الاجتماعية المختلفة، والذى قد يكون حادًا فى بعض الأحيان. وهناك أيضًا الأوضاع التى تفرق بين الريف والحضر، وهما ثقافتان تختلفان فى عدد لا يستهان به من الأنساق. ومعنى ذلك أن لكل فئة من السابق ذكرها خصوصيتها، والتى تنعكس على سلوكيات الأفراد بها، بل وأيضًا توجهها. فالأسباب التى تتعلق بتأخر سن الزواج لدى الإناث قد لا تكون بالضرورة نفس الأسباب التى تؤجل زواج الشباب من الذكور. كما أن الشباب من الشريحة الاجتماعية العليا لا يعيشون نفس الظروف التى يعيشها الشباب من الشريحة المتوسطة ولا الشريحة الدنيا، فلكل من هذه الشرائح أوضاعها الخاصة بها والتى تميزها عن غيرها. وينطبق نفس الشيء على شباب الريف فى مقابل شباب الحضر.مقالات آخرى للمؤلف محمد أبو الغار
مقالات الأعداد الآخرى
|
||||||||||||||||||
© وجهات نظر. All rights reserved. Site developed by CLIP Solutions |