لا يوجد اى مقال فى السلة
 
 








1

الصــين الجــديدة.. فــى ظــل ســياســة الإصــلاح والانفتاح

فى ظل سياسة الإصلاح والانفتاح، التى انتهجتها الحكومة الصينية، شهد المجتمع الصينى تحولا كبيرا فى المفاهيم والقيم والأخلاق، ففى الصين ومع هذه السياسة «صار كل شيء موجودا، أمّا فى هونج كونج فصار كل شيء مباحًا، على حدّ تعبير الصينيين المعاصرين، وإذا كان كلّ شيء موجوداً فى الصين، فإن كلّ شيء مسموح به، ما عدا انتقاد الحكومة الصينية والتظاهر ضدّها.

وتحاول هذه المقالة أن ترصد أهمّ مظاهر الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية، وقد قصدت من إعدادها إعطاء القارئ العربى لمحة عن الصين المعاصرة فى ظلّ سياسة الإصلاح والانفتاح التى قادها زعيم الحزب الشيوعى السابق دنج شياو بنج، والتى أطاحت بأنصار الزعيم ماو تسى تونج، وبالمقربين منه، من زعماء السلطة السياسية، والتى أسست لمفاهيم وقيم رأسمالية جديدة لم تكن سائدة فى مجتمع الصين وعلاقاته فى حقبة الزعيم ماو تسى تونج.

فى البداية أحبّ أن أشير إلى أنّه إذا كان من المعروف أنّ ثمة أمراضا مزمنة تتحكم فى علاقات مجتمعات بلدان العالم الثالث كالرشاوى والفساد والسرقات والمحسوبيات والعلاقات الشخصية والبيروقراطية الإدارية والعمولات، فإنّ الصين المعاصرة بدأت تغصّ بهذه الأمراض التى أخذت تنخر جسد المجتمع الصينى وروحه، وتفتته وتقسمه طبقياً، بحيث يزداد الفقراء فيه فقرا والأثرياء ثراء، وذلك فى ظلّ سياسة الإصلاح والانفتاح، إذ يعتقد كثير من الصينيين المعاصرين أنّ فى هذه السياسة خلاصا اقتصادياً واجتماعيا وإنسانياً من مشاكلهم وأمراضهم السياسية و الاجتماعية، وأنّها ستحقق لهم أحلامهم فى الثراء والرفاهية، التى لم تتحقق فى حقبة الرئيس ماو تسى تونج.

وأحبّ أن أشير إلى أنّه نظراً لما عانته الصين من الاستعمار الأجنبى الطويل، ومارافق هذا الاستعمار من ظلم للشعب الصينى، وقهره، واستغلال خيراته، قد تشبّعت نفوس الصينيين بحساسية شديدة ضدّ أى أجنبى يقيم على الأراضى الصينية، ويعمل فى مؤسسات الصين. فبعد أن استولى ماو تسى تونج على مقاليد السلطة فى الصين، قامت السلطات الصينية بمصادرة أملاك الإقطاعيين وتوزيعها على أفراد الشعب، وأمّمت المصانع العائدة لطبقة الرأسماليين، وطردت جميع الأجانب المقيمين على الأراضى الصينية ـ باستثناءات جدّ محدودة، تشمل مجموعة من الأشخاص المساندين للثورة الصينية والفاعلين فيها. ولم يستطع الصينيون المعاصرون بعد أفول نجم ماو تسى تونج وسياسته الاشتراكية، وسيادة سياسة الانفتاح، وعلاقات السوق، ورأس المال، أن يخفّفوا من هذه الحساسية التى سرعان ما تظهر على وجوههم وفى مواقفهم، وفى انفعالاتهم، وممارستهم اليومية، كلّما لاحت الفرصة لها، فالصينيون المعاصرون كتومون، وحذرون جداً من الأجنبى، سواء أكان أوروبيا أو أمريكياً أو عربياً، أم غير ذلك، ويحاولون دائماً أن يخفوا عنه ما يجرى فى الصين المعاصرة، على المستوى السياسى والاجتماعى والإنسانى والثقافى. ونجد أنّ هذه الحساسية تنفجر فى أحيان كثيرة لتصبح عنصرية ضدّ الأجنبى وبغضاً له. وإذا كان المثقفون الصينيون المعاصرون الكثيرون الذين زاروا العالم العربى، وعاشوا فى مدنه، وتفاعلوا مع سكانه وعاداتهم وتقاليدهم، يكنون احتراماً لهذا العالم، ويصفون أهله بالكرم والوفاء ومساعدة الغرباء بإنسانية عالية، فإنّ قسماً كبيراً منهم لم يستطيعوا أن يتخلّصوا من حساسيتهم ضدّ الأجنبى، وظلّوا يتعاملون مع العربى زائر الصين بحذر وريبة وشكّ.

إنّ الصينى، على الرغم من اتساع الصين، وشساعة أراضيها ( 9.6 مليون كيلو متر مربع، أى أنّها من حيث المساحة فى المركز الثالث فى العالم بعد روسيا وكندا)، وعدد سكانها المذهل (بلغ عدد سكان الصين حتى نهاية عام 1998م، 1284.1 مليون نسمة، عدا سكان مقاطعة هونج كونج ومقاطعة تايوان، ومنطقة ماكاو) يحذر الأجنبى،ويضعه دائماً فى دائرة الشكّ والحذر، وعدم الثقة بنواياه الخبيثة أو الطيبة، ويحاول دائماً أن يخفى عنه ما جرى ويجرى فى الصين.

بدأت بوادر الطفرة الرأسمالية تتجذّر واضحة فى الصين ابتداء من عام 1993م، ودخلت فى أهم معاقل الشيوعية الصينية فى بكين، وهو ميدان ( تيان آن مين)، وقاعة الشعب الكبرى الموجودة فى هذا الميدان، فقد افتتح بار (كاراوكي) الضخم بجوار بوابة مدينة الصين القديمة، وكان يقدم فى هذا البار أغانى (البوب) متزامنة مع صور الفيديو، وكانت تعقد فى هذا البار علاقات الجنس المحرمة، وقد حظيت هذه البوابة التى يرجع تاريخ تشييدها إلى عهد الإمبراطور الصينى (يونج) فى القرن الخامس عشر ـ الذى ينتمى إلى أسرة مينج الإمبراطورية التى حكمت الصين ما بين عام 1368حتى عام 1644م ـ برعاية كبيرة من الحكومة الصينية لأنها من أهم المعالم الأثرية القومية فى الصين. وقد علل مدير البوابة( هو بى يون) ـ فى ذلك الوقت ـ سبب افتتاح هذا البار قائلا: (لا نستطيع التفكير فى حماية آثار الصين من دون الأموال الكثيرة).

وجرياً وراء سياسة الكسب السريع وجمع المال من أى مصدر كان، شرعت الحكومة الصينية فى فتح الأماكن المحرّمة للسياح الأجانب، فقد فتحت بوابات المدينة المحرمة فى ميدان تيان آن مين فى عام 1988م، وأقامت فيها مقاهى وحوانيت مليئة بالهدايا. أمّا قاعة الشعب الكبرى الموجودة فى هذا الميدان، والتى تعد مقرّ الحكومة الصينية الرئيس، والتى كانت قلعة محرّمة أيام ماو تسى تونج، فقد افتتحت أمام عامة الناس فى عام 1979م.

وقد سنت الحكومة الصينية سياسة تمييز مالية ضدّ الأجانب المقيمين على أراضيها أياً كانت جنسياتهم.

ومن مظاهر هذه السياسة أن المقيم الأجنبى يدفع فى العيادات الطبية الخاصّة والعامة الخاضعة لقانون الضمان الصحى أكثر مما يدفعه الصينى،فعلى سبيل المثال يدفع الصينى الخاضع لصندوق الضمان الصحى يواناً واحداً رسم بطاقة الدخول إلى مشفى الجامعة أجرة الكشف الطبى، بينما يدفع الأجنبى الخاضع لهذا الصندوق نفسه خمسة يوانات وأحيانا عشرة يوانات.

ومن مظاهر سياسة التمييز التى سنتها الحكومة ضدّ الأجانب أنّها حرّمت على الأجانب المبيت فى الفنادق الرخيصة التى ينام فيها الصينيون، وفرضت عليهم النوم ـ إذا ما اضطّروا ـ فى الفنادق عالية الأجر وذوات النجوم العديدة، والتى تبلغ أجور المبيت فيها (88) دولارا فما فوق فى الليلة الواحدة. وقد سألت صديقاً صينيا عن سبب ذلك، فقال: إنّ الخدمات التى تقدّم لزبائن الفنادق الراقية عديدة ومتميزة، وهى تعكس الوجه الحضارى والمتطوّر للصين. ويطمح القائمون على هذه الفنادق ـ لقاء تقديمهم هذه الخدمات المتميزة ـ إلى كسب المزيد من الأموال التى يدخلها الأجانب إلى الصين عند زيارتهم لها، وهؤلاء الأجانب كثيرون جداً. أمّا الفنادق الرخيصة ـ التى هى مقصورة على الصينيين ـ فإنها تعكس الوجه السلبى للصين، وقاع المجتمع الصينى، إنّها تعرّى هذا المجتمع من قشرته الخارجية، وتكشف عن المهمّشين والمستلبين فيه، وهى فى آن تعكس أمراض هذا المجتمع، حيث تمتلئ هذه الفنادق ببائعات الهوى، وبالمدمنين على المخدرات، وبالمقامرين، بالإضافة إلى أن أجور هذه الفنادق رخيصة جدا، إذ لا تتجاوز أجرة الواحد منها ( 125) يواناً فى الليلة الواحدة.




مقالات آخرى للمؤلف محمد عبد الرحمن يونس

يوليو 2007
اغسطس 2006
نوفمبر 2004
نوفمبر 2003
ابريل 2003
يونيو 2002
فبراير 2002


مقالات الأعداد الآخرى
 
© وجهات نظر. All rights reserved.
Site developed by CLIP Solutions