لا يوجد اى مقال فى السلة
 
 








1

الحمـَّامات فى ألف ليلة ولـيـلة

يعتبر الحمّام من أهم الفضاءات المعمارية فى المدينة العربية الإسلامية، كونه يؤدى دورًا وظيفيا فى خدمة المسلم، من حيث نظافته وطهارته، تمهيدًا لأداء واجب دينى مهم يأخذ طابع القداسة، وهو فرض الصلاة الذى فُرض على كل مسلم ومسلمة فى المدينة الإسلامية. وقد كثرت الحمّامات "فى المدينة الإسلامية كثرة واضحة، ونظمت سلطات المدينة إنشاءها وما يتصل بذلك من تزويدها بمصادر الماء وقنوات الصرف"(1).

ويمكن عد الحمَّام مظهرًا حضاريا من مظاهر الحياة فى المدينة الإسلامية، فالقرآن الكريم والسنة النبوية يحضّان على ضرورة النظافة الشخصية، والاهتمام بالوضوء والاستحمام واستعمال السواك، وتقرر السنة النبوية أن على المسلم أن يستحم مرة على الأقل فى الأسبوع، وبخاصة فى يوم الجمعة. وقد أوصى الرسول الكريم محمد | المسلمين بالاستحمام فى مناسبات معينة: بعد الجنابة والجماع وفى يوم الجمعة، وعند الحجامة، وبعد غسل الميت. ونظرًا لأهمية الحمّامات، فقد حث رجال السلطة فى المدينة الإسلامية على بنائها. وكان بعض الحمّامات فى المدينة الإسلامية لا يبنى إلا بإذن من والى المدينة، ففى مدينة البصرة كان يتعين على من يبنى حمّامًا أن يأخذ إذنًا رسمياً من الوالى، حتى يستطيع البناء(2).

وقد ارتأى المعمار الإسلامى أن تبنى الحمّامات مجاورة للمساجد، فعلى سبيل المثال: كانت أكثر حمّامات مدينة البصرة العراقية قائمة بجوار مساجدها. وعلى مستوى التشكيل المعمارى الهندسى، فقد عمد المعمار الإسلامى إلى إضفاء طابع الأبهة والفخامة على الحمّامات، إذ أُنشئت "لهذه المرافق واجهات ضخمة وزخارف فخمة، واستخدمت فيها أحدث أساليب الإنشاء وأدق الحيل الفنية المعروفة"(3). إلا أنه من الملاحظ أن الأساليب المعمارية فى إنشاء الحمّامات الإسلامية ليست إسلامية صرفًا، فهذه الحمّامات مثلها مثل المنشآت العمرانية الإسلامية الأخرى، كالقصور والمنازل الكثيرة وقباب المساجد، متأثرة بالأساليب المعمارية للحضارات التى سبقت الحضارة الإسلامية، وتزامنت معها فى آن. فالحمّام الإسلامى وإن كان مؤسسة اجتماعية صحية إسلامية بالدرجة الأولى، إلا أنه "من حيث البناء والتقليد متأثر بالحمّام الرومانى السابق له".

ولقد حرص المعماريون الإسلاميون على أن تكون الحمّامات فضاء جماليا تستريح إليه نفس من يدخله، إذ جعلوها كثيرة الأضواء، ومرتفعة السقوف، عذبة المياه، طيبة الرائحة. لأن أبخرة الحمّامات رديئة وكثيرة. ومن مهمة هذه السقوف المرتفعة أن تعين على تخفيف حر أبخرتها. وقد ذكر أبو الحسين محمد بن أحمد بن جبير (ت614هـ/1217م)، فى رحلته المعروفة برحلة ابن جبير، أن حمّامات بغداد كانت "مطلية بالقار مسطحة به، فيخيل للناظر أنه رخام أسود صقيل، وحمّامات هذه الجهات أكثرها على هذه الصفة لكثرة القار عندهم، لأن شأنه عجيب، يجلب من عين بين البصرة والكوفة".

وعلى مستوى التخطيط المعمارى الداخلى للحمّامات فى المدينة الإسلامية، فقد كان الحمّام، وبشكل عام، يتألف من ثلاث حجرات: باردة ودافئة وساخنة. فالباردة تطل على الفناء الخارجى، والدافئة تتوسط بين الباردة والساخنة، وماؤها أقل حرارة من الساخنة، أما الساخنة فهى التى يتم الاستحمام بها، وتعلوها قبة قليلة الارتفاع مثقوبة بعدة ثقوب، يكسوها زجاج ملون، من مهمته أن يضفى على الحجرة جوّاً جمالياَ مشعّاً، لأن أشعة الشمس تنفذ منه، وتشع فى الحجرة عاكسة ألوان الزجاج المختلفة. وكان الماء الساخن يجرى من القدور الساخنة إلى أحواض المياه الموجودة فى الحجرة. وتحتوى الحجرة الدافئة فى بعض الحمّامات على حوضين مائيين، أما الساخنة ففيها أربعة أحواض وجرن، ومغطس مفروش بالرخام.

لقد كانت الحمّامات فى المدينة الإسلامية خاصة وعامة، وكانت الخاصة مقصورة على أفراد السلطة الأثرياء جدّاً، إذ من غير المعقول أن يخرج هؤلاء إلى حمّامات العامة كلما احتاجوا إلى الاستحمام، نظرًا لمكانتهم السلطوية العالية. وقد اعتاد خاصة الناس، من أفراد السلطة السياسية، وبعض التجار الأثرياء جدّاً، على بناء هذه الحمّامات داخل قصورهم. أما العامة فإنهم لم يألفوا الاستحمام فى منازلهم على الرغم من كبر بعضها. ويذكر الفقيه ابن الحاج الفاسى (أبو عبد الله محمد العبدرى، 737هـ/1336م) أن "الواحد يشترى الدار أو يبنيها بنحو الألف. ولا يعمل بها موضعًا للوضوء أو للغسل".

وتشير الدراسات إلى أن سلطات المدن الإسلامية أشادت الحمّامات العامة، نظرًا لوظيفتها الدينية من جهة، ونظرًا لاستحالة أن يحتوى كل بيت من البيوت العامة على حمام خاص به، لأن الكثير من هذه المدن كانت تقع فى مناطق أقرب إلى الجفاف الجغرافى ولقد درت هذه الحمّامات العامة على مالكيها أرباحًا كثيرة، نظرًا لكثرة مرتاديها. وها هو أحد أصحاب الحمّامات فى مدينة البصرة يصرح بمقدار دخله من حمامه قائلاً: "إنى أغتل من حمامى هذا فى كل يوم ألف درهم وطعامًا كثيرًا". وقد كثرت الحمّامات العامة فى المدينة الإسلامية، وعُرف عن بعض هذه الحمّامات أنها كانت طائفية. فعلى سبيل المثال شهد العصر الفاطمى (297 ـ 567هـ/909 ـ 1171م) حمّامات خاصة بالمسلمين وأخرى بالطائفة اليهودية، وثالثة خاصة بالنصارى.

وتشير الإحصائيات فى الأدبيات التاريخية إلى أن المدينة الإسلامية كانت غاصة بالحمّامات العامة، وتثبت أرقامًا لا يستغرب أن يكون فيها كثير من المبالغة. فيذكر ابن خلدون(4) (ت808هـ/1406م) نقلاً عن الخطيب البغدادى (ت463هـ/1071م)، أن الحمّامات العامة بلغ عددها فى مدينة بغداد، وتحديدًا فى عهد المأمون ابن هارون الرشيد، خمسة وستين ألف حمام. ويذكر أحمد بن يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح اليعقوبى (ت283هـ/897م)، أن الجانب الشرقى فى بغداد وحده، كان به فى القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادى، خمسة آلاف حمام. وجاء فى تاريخ بغداد للحافظ أبى بكر أحمد بن على الخطيب البغدادى أنه كان بمدينة بغداد فى القرن الرابع الهجرى عشرة آلاف حمام. ويذكر تقى الدين أحمد بن على المقريزى أن أقل عدد للحمّامات فى بغداد كان فى أيام الخليفة العباسى الناصر لدين الله (575 ـ 622هـ/1179 ـ 1225م)، إذ بلغ نحو الألفى حمام. وقد حدد على بن الحسن بن عساكر (ت 570هـ/1175م) فى أيامه ـ فى القرن السادس الهجرى ـ عدد حمّامات دمشق بسبعة وخمسين حمّامًا. ويذكر جمال الدين بن حسن بن عبد الهادى المعروف بابن المبرد (ت 909هـ/1503م)، أن عدد حمّامات دمشق وأحيائها التى كانت قائمة فى عهده تقدر بحدود المائتى حمام، وقد روى المقريزى عن ابن عبد الظاهر أن حمّامات مصر (الفسطاط، والعسكر، وأطلال القطائع) قد بلغت فى سنة 685هـ/1286م نحو ثمانين حمامًا، فى حين أنها بلغت فى عهده (أى عهد المقريزى، ت845هـ/1441م) ألفًا ومائة وسبعين حمامًا.




مقالات آخرى للمؤلف محمد عبد الرحمن يونس

يوليو 2007
اغسطس 2006
نوفمبر 2004
نوفمبر 2003
ابريل 2003
نوفمبر 2002
فبراير 2002


مقالات الأعداد الآخرى
 
© وجهات نظر. All rights reserved.
Site developed by CLIP Solutions