![]() |
|
|
|
ما وراء الحجاب ![]() قبل عام كامل وبالضبط في اليوم السابع من شهر ديسمبر عام 2005 كان «عمرو نبيل» المصور البارع لوكالة أسوشيتدبرس AP يؤدي مهمته، لا في ميدان قتال كما فعل مرارًا وإنما في تغطية الانتخابات البرلمانية المصرية. يومها فقد «المصور» عينه أو كاد بعد أن اعتدي عليه من أراد منعه من تصوير تجاوزات أمنية فاقت يومها كل حد. تذكرت الحادثة المؤلمة ولم أكن قد نسيتها أبدًا حين شاهدت قبل أيام «صورتين» إحداهما للبلطجية ذاتهم يقتحمون جامعة عين شمس بالهراوات والسيوف والجنازير لتأديب طلبة جامعيين فكروا في ممارسة «حق ديمقراطي» حجبته عنهم قوة السلطة. والأخري لسيارة الأمن المركزي «المهيبة» تدخل ربما للمرة الأولي من البوابة الرئيسية لجامعة القاهرة.ذكّرتني «الصورتان» بصديقي «المصور». وكان مثيرًا أن نشرهما كان بعد أسابيع فقط من حادثة التحرش الجنسي الجماعي في وسط القاهرة. ومن حادثة تلوث مياه الشرب في الدقهلية. وربما في الوقت نفسه الذي شهدنا فيه بوادر حادث مروع كشف الحالة الحقيقية لاستاد القاهرة «الدولي» وفي الأسبوع ذاته الذي شهد اجتماعًا للقضاة الذين أعياهم الدفاع عن استقلالهم. وبعد أيام فقط من الإعلان عن «الاستمرار» في تحمل المسؤولية «مادام في الصدر قلب ينبض ونفس يتردد». وكان الأكثر إثارة أن كل ذلك غطاه «حجاب» من حديث أو قل «شجار» حول «الحجاب» الذي بات فجأة مسألة المسائل أو قضية القضايا.ثم كان أن دارت آلة التلهي أو الإلهاء الجهنمية، فانشغلنا جميعًا؛ مانشتات وبرلمانًا وفضائيات بكلام لوزير «وليس قرارًا قانونيًا ملزمًا». وبدا أننا بتنا نتعارك في ميادين نمهدها بأنفسنا لأنفسنا. وننسي أن القضاء؛ حصن العدل والأمان الأخير في مصر قد بات مهددًا تحت ضغوط فاقت كل حد في كرامته، ومن ثم في استقلاله. ونتجاهل أن إقصاء القضاة بنزاهتهم المؤكدة عن العملية الانتخابية قد بات هدفًا يدبر له بليل. ويجري الترويج له بباطل القول.يخترع مثقفونا ومفكرونا وسياسيونا أيضًا معركة لا فائدة منها حول ما قاله الوزير و«ماذا كان يقصد». وينسون بروفة «فوضي الشارع» القادمة وسط القاهرة ليلة العيد. هل تذكرون ما جري في 1986. حين كانت شرارة واحدة كافية لأن يشتعل الحريق.يحترق العراق.. ويذبح الفلسطينيون بدم بارد كل يوم، وتعلن إسرائيل تطوير وسائل قتالية متناهية الصغر بواسطة «النانو تكنولوجي».. وتنشغل الدولة العربية «الكبري» بشجار مفتعل حول مسألة من المفترض أنها حسمت أيّاً ما كان أمرُ ذلك الحسم قبل أربعة عشر قرنًا. حتي وإن لم يكن الأمرُ كذلك كما يري البعض فليس من الحكمة التي هي «ضالة المؤمن» أن ننشغل بها «الآن» ونترك بيتًا عربيًا يحترق، وبيتًا مصريًا تكمن في زواياه وإن لم نر أشباحُ الخراب.نعرف أن «الحجاب» قد بات «اصطلاحًا» يعني غطاء رأس المرأة المسلمة، وما إذا كان «حقًا» لها أو «واجبًا» عليها، ولكننا نعرف أيضًا أن «الحجاب» بمعناه اللغوي الأوسع قد يعني «غمامة» يضعها البعض علي ناظريه لتخفي عنه ما لا يريد أن يري. أو «غطاءً» يعمد إليه من يريد أن يخفي أو يحجب ما يراه أولي بالإخفاء عن العيون .. أو ضوء النهار.وأخشي أن نكون دولة ومجتمعًا، قد ارتاح بعضنا إلي تلك «الغمامة» وأمن الآخرون إلي هذا «الغطاء» فإذا كان «وراء الأكمة ما وراءها» كما يقول القول المشهور، يبدو للمتأمل للمشهد من بعيد أن وراء «الحجاب» الذي أردناه جميعًا واسعًا وكثيفًا يغطي سوءاتنا.. الكثيرُ والكثير والكثير.اذ يبدو أن مصر قد اختارت أو اعتادت دولة ومجتمعا ونخبة للأسف أن تعيش خلف «حجاب» فضفاض من الشعارات البراقة تخفي خلفه الوضع الحقيقي لحال التعليم والديموقراطية والاقتصاد وحقوق الإنسان وإنتاجية العامل ومستوي خريج الجامعة... وكل ماهو معلومٌ أو مسكوتٌ عنه، أو بالأحري مختفٍ خلف زحام اللافتات والمانشتات المتبارية دومًا في المبالغة وإهانة اللغة و«الأرقام».فوراء حجاب «مجانية التعليم» تقبع حقيقة أن الدروس الخصوصية تستهلك مايزيد عن المليار جنيه سنويا، (إن صحت التقديرات في بلد يدعي العلم وتغيب فيه دوما البيانات أو الاحصاءات الموثقة) ووراء حجاب «جامعة في كل محافظة .. وأربع عشرة جامعة خاصة» تعليم جامعي «فاشل» باعتراف الوزير المختص نفسه، والذي اختار أن يرسل أولاده للتعليم في الخارج. وخريجون إن أردنا الحقيقة بلا «حجاب» لايزيدون عن كونهم أشباه متعلمين، وجامعات «خاصة» تبيع شهاداتها لمن يدفع لا لمن يتعلم. ... ومن ذلك كثير «أني قلّبت وجهك..»جربوا من فضلكم زيارة مواقع الجامعات المصرية علي الإنترنت، (حسب المعايير العلمية كان ترتيب موقع جامعة القاهرة بين جامعات العالم (4708) وبين جامعات أفريقيا (26) بعد ناميبيا وموريشيوس ودار السلام.! http://www.webometrics.info/ top100_continent.asp-cont=africa.htm) نتغافل عن كل هذا. ونتحدث عن الحكومة الإلكترونية. ونقنعُ أنفسنا بأن لنا الريادة وأننا في الصدارة ثم نذهب لنحتسي الشاي ونتبادل المبسم علي المقاهي. وإنا.. «ها هنا لقاعدون..».وراء الحجاب الذي أردناه مزركشًا كما هي موضة تلك الأيام ببريق ديمقراطي، دولةٌ أمنية، وإن تخفت تحت «حجاب» أو في ثياب مدنية.ووراء الحجاب حقيقة أننا أمام نواب لا يعبرون كما يزعمون عن آرائهم الحقيقية. بل تحركهم «عصا الفرعون الخفية» فالذين هاجوا وماجوا ضد الوزير مدافعين عن «صحيح الدين» كما قالوا بأعلي صوت، هم أنفسهم الذين هدأوا فجأة، وبلعوا كل شعاراتهم حين جاء وقت اتخاذ القرار. بالضبط كما حدث قبل عام ونصف العام. فالذين اعتبروا يومها تعديل الدستور من الكبائر هم أنفسهم الذين صفقوا للمبادرة الرئاسية الكريمة لتعديل الماد 76 دعما للديمقراطية. أو قل لإضفاء مزيد من البريق علي «الحجاب».وراء الحجاب معارك «رسمية» خشنة مع القضاة والصحفيين والطلاب والمهنيين علي اختلاف نقاباتهم. ووراءه تقرير نسيناه للمجلس «الرسمي» لحقوق الإنسان عن اعتقالات واحتجاز لمواطنين دون سند من القانون، وعن حالات مؤكدة للتعذيب، وعن أحكام للقضاء تجاهلتها السلطات واعتبرتها «محض حبر علي ورق».مقالات آخرى للمؤلف أيمن الصياد
مقالات الأعداد الآخرى
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
© وجهات نظر. All rights reserved. Site developed by CLIP Solutions |